السبت، 31 يناير 2009

Pollock

كتب : عماد العذري
بطولة : إد هاريس , مارشا غاي هاردن , إيمي ماديغان , جينيفر كونيللي
إخراج : إد هاريس

يحكي الفيلم , الذي منح إد هاريس ترشيحه الثالث للأوسكار و منح مارشا غاي هاردن فوزها به , قصة حياة الرسام الأمريكي الثوري جاكسون بولوك الذي يعتبره الكثيرون أفضل فنان تشكيلي في تاريخ الولايات الولايات المتحدة , أسلوبه الفريد في الرسم بإستخدام التقطير و رش الطلاء على القماش الذي يفترش الأرض رسخ نظريات جمالية جديدة في الفن التشكيلي المعاصر وبنى ربما على إثرها مدرسة كاملة من الأتباع الذين ساروا على نهجه دون أن يتمكنوا من مضاهاته , و على الرغم من كم الشهرة و المجد اللذين حصدهما بولوك طوال مسيرته الفنية إلا أن حياته الشخصية كانت سلسلة متواليةً من المتاعب و الخيبات مع زوجته و عائلته و صديقاته الكثر .. و في هذا الفيلم يحاول إد هاريس جاهداً أن يرسم نقاط الإلتقاء بين المجد الظاهر و الخيبات الخفية و يغوص قليلاً في الأسباب و الدوافع التي جعلت رجلاً كهذا محبوباً للغاية في فنه لكنه لا يبدو كذلك لمقربيه .

عن كتاب ( جاكسون بولوك : ملحمة أمريكية ) لستيفن نايفه و غريغوري وايت سميث , يسرد علينا إد هاريس قصة تسعة أعوام مصيرية في حياة جاكسون بولوك , بين 1941 عندما كان مجرد موهوب سكير , و بين عام 1950 في معرض بيتي بارسونز السنوي بعدما أصبح الرجل يتصدر غلاف مجلة Life الأمريكية الشهيرة , في البداية يعمد إد هاريس لتأسيس الحياة الخاوية التي كان يعيشها بولوك في غرينتش فيلاج إبان الحرب العالمية الثانية , لياليه الصاخبة مع شقيقه ساندي و النقمة التي تبديه تجاهها زوجة شقيقه التي تنتظر مولوداً , في هذه الفترة نلمح جزءاً من التوجه السائد في فن بولوك حينها : مجرد فنان موهوب يتسلي بالرسم على جدران المنزل و على قطع من أثاثه مع بضع لوحات يضعها في غرفته , هذه النقمة من قبل زوجة شقيقه تجعله يشعر بتفاهته و سخفه , هنا تظهر لي كراسنر الفنانة التي تشترك معه في معرض جون غراهام والتي تبدي إعجابها بلوحاته و تلقي نظرة على الرجل الذي علقت لوحاته إلى جوار بيكاسو , و تقترح عليه زيارة مرسمها , و هي زيارة ستتطور لاحقاً إلى علاقة عاطفية بينهما , هذه الفترة من الفيلم المستغرقة في التأسيس لشخصياته تكون فاترة جداً بسبب كئابة هاريس ( الغامضة بالنسبة للمشاهد في هذه المرحلة المبكرة من الفيلم ) و إنخفاض الكيمياء الواضحة بينه و بين غاي هاردن , الأمر الذي ولد ثغرة عاطفية واضحة في الفيلم من خلال محاولته إستلال مشاهد عاطفية بطريقة شاعرية لا تتناسب مع الإيقاع الذي بنى عليه الفيلم أسس شخصياته .

مصائب بولوك تزداد بسماعه خبر رحيل شقيقه و زوجته للعمل في صناعة طائرات شراعية للجيش في مصنع في كونيكتيكت , خبر يقود لمرضه و يجعل لي كراسنر تبقى إلى جواره للإعتناء به , قبل أن تتجدد حياته بزيارة هوارد باتزل مفوض مؤسسة غوغنهايم الشهيرة الذي ينبهر بأعماله و يصر على إيصاله إلى بيغي غوغنهايم مالكة المؤسسة المفتقرة في جميع المعارض التي تقيمها لريشة فنان أمريكي , تبدو هذه المرحلة مهمة للمشاهد من خلال إيضاحها للفكر الفني لجاكسون بولوك : جاكسون بولوك يكره التصنع في فنه , رجل لا يبهِّر فنه لمجرد أن يلفت نظر معجبيه , جاكسون بولوك ينهج نهجاً تجريدياً فريداً , هو لا يجرد من الطبيعة , و من البيئة المحيطة به كما ذهب إلى ذلك معاصروه , جاكسون بولوك يجرد من نفسه , يجرد أحاسيسه و إنطباعه المباشر , يجرد النتاج الحادث من إلتقاء يده بالريشة , أحياناً كثيرة لا يدري الرجل مايرسم , هو فقط يرسم , أحياناً كثيرة كان يرد على منتقدي ألوانه بأن يضيف على لوحته الألوان التي يريدونها , هكذا بكل بساطة , لأنه لا يعرف أصلاً لماذا إختار اللون الأول , يقول بولوك ( مصدر الفن هو اللاوعي , أنا فقط أرسم ), و هو رغم هذه الأريحية التي يمنحها لنفسه في رسم نتاج التواصل بين عقله و يده لم يكرر نفسه في لوحاته , لسبب ربما يبدو بسيطاً لكننا نلمحه بوضوح طوال الفيلم : مشاعر جاكسون بولوك لا تتكرر , يمكن أن يحب شيئاً في يوم و يكرهه في يوم آخر , لا يدري لماذا يتصرف هكذا مع المحيطين به , لا يدري حتى ماهي أهم الأولويات في حياته , و رغم هذا الوضوح في تناول فن جاكسون بولوك إلا أن بعض الشخصيات التي تقدمها هذه المرحلة من الفيلم بهدف توضيح الفكر الفني لبولوك مثل هوارد باتزل و بيغي غوغنهايم ( تؤديها أيمي ماديغان زوجة إد هاريس الحقيقية ) و أحياناً شخصية بولوك ذاتها تبدو هزيلةً و هشة , وهو أمرٌ يتعزز في بناء العلاقة الغامضة للغاية بين بولوك و عائلته , فرغم أن الظاهر يقول بأن بولوك يحب عائلته كما هو العكس , إلا أن هناك شيئاً غامضاً نلمسه في كل لقاءاته بها في معارضه المتعددة , و هو غموض لا يخدم الفيلم مطلقاً بسبب عدم وجود تفسير أو مبرر له , و علاوةً على ذلك يبدو إهتزاز شخصية بولوك إفتعالياً في أغلب أركانه , فنحن في نهاية الأمر لا نتحدث عن شخص مجنون , إلا أن كل ردود الفعل التي يفاجئنا بها من حين لآخر تشعرنا بذلك , الأمر الذي ولد إهتزازاً مفتعلاً في الشخصية و دون مبررٍ احياناً ( كمشهد تبوله في المدفأة على سبيل المثال ) .

مشكلة النص لم تتوقف عند شخصية بولوك و إفتعاليتها فحسب , بل إمتد ليشمل تطور الأحداث ذاتها , الذي يبدو في الكثير من المراحل غير متسقٍ و يأخذ منحى القفزات , نجد الرجل في يومٍ من الأيام في ذروة مجده ( عقب جداريته الرائعة في منزل بيغي غوغنهايم ) , ثم نجده فجأةً ينام في الشوارع و يعود لتسكعه , قبل أن نشاهد قفزة أخرى تتمثل بقرار لي كراسنر الذي تمليه عليه ( الزواج أو الإنفصال ) لأنها لا تريد أن تضل عشيقته طوال عمره , في هذه المرحلة من الفيلم يأتي إعتراف جاكسون بولوك بأن مرحلة النشأة كانت سيئةً بالنسبة له , وهو إعتراف يبدو متأخراً نوعاً ما في فيلم سيرة ذاتية , يفترض به تقديم الظروف و الدوافع قبل تقديم النتائج , و ليس العكس ..

أكثرها مراحل الفيلم تماسكاً هي المرحلة التي تعقب مباشرة زواجه بلي كراسنر , و إنتقاله للعيش معها في منزل يشتريه في إحدى الضواحي , هنا يستمتع الرجل بحياته مع زوجته , بالطبيعة , باللوحات رغم أن الفيلم يقدم تقنية قفز Jump-Cut تبدو رديئةً في أغلب مواقعها , خصوصاً مع النقلة التي تنهجه هذه المرحلة بشكل متطرف من ذروة الإرتياح لدى الزوجين إلى شجار حول موضوع الإنجاب , و رغم ذلك يبدو هذا الجو الجديد بالنسبة لجاكسون بولوك ربما حافزاً حقيقياً لفن الرجل الذي ترفض بيغي غوغنهايم ضمه لمعرضها السنوي في عام 1947 فتلتقطه بيتي بارسونز و تضمه إلى معرضها ليبدأ التحول الجوهري في فن جاكسون بولوك عندما يبدأ برسم لوحة رائعة يمزج فيها الأسود بالأزرق و الأخضر من خلال تقطير الريشة و رش الطلاء على القماش , هذه المشاهد تظهر إلى حد بعيد مقدار الجهد الذي بذله إد هاريس في السيطرة على الشخصية , في مشاهد الرسم لا تشعر و لو للحظة بأن هاريس ليس هو من يرسم اللوحات , وقفته على اللوحة , تأمله لها , تفكيره بها , إمساكه بالريشة و دلو الطلاء , طريقته في الرسم و نثر الألوان , أداء إبداعي فعلاً من إد هاريس , حقيقي جداً و مقنع للغاية , رغم ثغرات الشخصية التي يقدمها ..

في تطور Jump-Cut آخر يبدأ جاكسون بولوك بالسخط على وضعه و على كون فنانين أقل منه موهبةً بكثير وصلوا للعالم , و تبدأ زوجته بالغيرة من النساء اللاتي يقابلهن في حياته , قبل أن تنحدر حياة الرجل بشكل غريب فيبيع لوحاته لسداد ديونه و يعمل في إيصال المشروبات على دراجة و يبدأ بتناول بعض العقاقير , ثم نقفز بتطور آخر لنجد مجلة Life تقرر إجراء لقاء صحفي معه و تلتقط له صورةً للغلاف أمام واحدة من أجمل لوحاته , لننتقل بعدها إلى نجاح مدوٍ للرجل في معرض بيتي بارسونز عام 1949 عندما باع 25 لوحة من أصل 30 , الغريب أن كل هذا يحدث دون أن يجعلك هاريس تتساءل : مالذي يريد أن يقوله لي ؟ و إلى أين يريد أن يوصلني ؟ لا يوجد أي تكثيف حقيقي حول العبرة التي يحاول الفيلم تقديمها في حياة بولوك , صحيح أن الفكرة النظرية للفيلم تتطرق لكم التباين الذي تبديه الحياة بين عبقرية المبدع و حياته الشخصية , وكيف يمكن للظروف السيئة للعبقرية أن تفجر إبداعاتها , و كيف يبدو المبدع المجنون نعمة على مجتمعه و عشاق فنه و نقمة على عائلته و المحيطين به , لكن كل ذلك لا يحدث من خلال أي تكثيف حقيقي يجعله مهماً و مقروءاً , لذلك يطول الفيلم بطريقة تجعل الساعة والنصف الأولى من عرضه تبدو كثلاث ساعات ..

أقوى مفصل في الفيلم برأيي هي الزيارة التي يقوم بها أهله إلى منزله عقب لقاء مجلة Life , تصوير حقيقي لمشاعر أهله تجاهه : كيف تضطر لمسايرة شخص و التفاخر به رغم غرابة أطواره و عدم تقديره و لا مبالاته , مزيج من التظاهر بالإهتمام و النقمة المروضة بحذر تجاه القفزة التي شهدتها حياة بولوك , ليس لأنهم يرون بأنه لا يستحقها , بل لأنهم يرون بأن شخصاً مثله سيفقدها بسهولةٍ دون شك .
النصف الساعة الأخيرة تبدو فائضة و تفقد إحساس المشاهد بها تماماً , الفيلم السينمائي الذي يصوره و الذي يرفض فيه أن يكون مزيفاً لأن فنه لا يحتمل الزيف النابع من التلقين و الإعادات المتكررة و التوقفات , ثم توتر علاقته بزوجته و بالناقد كليم الذي يقارنه بفنان صاعد قبل أن ينجرف في علاقة عاطفية مع حسناء ( تؤديها جينيفر كونيللي ) ثم تنتابه مشاعر خيانة تجاه زوجته , قبل أن يضع في الأخير حداً لحياته , أحداث فقدت أهميتها منذ لحظة مجلة Life وبدت بشكل فائض ربما بسبب النهج الذي إنتهجه الفيلم طوال أحداثه في التركيز على الشخصيات التي تشكل الأحداث بطريقةٍ لا تدمجها في الأحداث بل تلصقها بها فحسب ( وهو أمر لم نشاهده في رائعة جولي تايمور Frida عن سيرة الرسامة فريدا كاهلو بعد ذلك بعامين ) ..

رغم كل هذا يتألق إد هاريس و مارشا غاي هاردن في أداءين ممتازين على إنخفاض الكيمياء الموجودة بينهما , إلا أنك ستستمتع كثيراً بالمواجهات الإنفعالية المتعددة التي يمتليء بها الفيلم , و ترفع كثيراً من مستوى نصه المهزوز , علاوةً على ذلك يأتي تصوير ليزا رينزلر الرائع الذي رغم ضياعه أحياناً بين الواقعية الحديثة و الكلاسيكية , إلا أنه ينجح إلى حد بعيد في سرقة بعض المشاهد من العمل , خصوصاً في تلك اللحظات التي تصور توحد جاكسون بولوك مع إلهامه و هو يعمل على لوحاته , الكلوس آب المترافق مع حركة الكاميرا أمام القماش مباشرة و هي تتابع حركة اليد التي تمسك الريشة , و تلتقط لحظة ولادة الإبداع , خصوصاً في جدارية بيغي غوغناهيم التي رسمها جاكسون بولوك و إلتقطت ولادتها بذكاء حقيقي كاميرا ليزا رينزلر .

التقييم من 10 : 6.5