الأحد، 15 مارس 2009

The Crucible

كتب : عماد العذري

بطولة : دانيال داي لويس , وينونا رايدر , جوان آلن
إخراج : نيكولاس هايتنر

اللقاء السينمائي الأول بين الممثل الكبير دانيال داي لويس و مسرحيات الكاتب المسرحي الكبير آرثر ميلر ( والد زوجته الممثلة و المخرجة ريبيكا ميلر ) يأتي في واحدة من أشهر مسرحيات آرثر ميلر , The Crucible , المسرحية التي لقيت إستقبالاً نقدياً كبيراً عند عرضها على المسارح عام 1953 , و شكلت إستعارة شديدة الوضوح للحملة المسعورة الزائفة التي قادها جوزيف مكارثي ضد الشيوعيين حينها , و هنا , بعد 43 عاماً على المسرحية يكيف آرثر ميلر سيناريو مسرحيته ليقدمها في هذا الفيلم السينمائي الذي أخرجه نيكولاس هايتنر , و شكل اللقاء الثاني بين الممثل البريطاني المرموق دانيال داي لويس و شريكة نجاحه قبل أربعة أعوام في The Age of Innocence وينونا رايدر ..


الفيلم , كما المسرحية , يحكي قصة مجموعة من الشابات يتهمن بممارسة السحر في المجتمع المتدين لبلدة سالم ( في الفترة التي أشتهرت فيها بسحرها الأسود و ساحراتها ) , تدور الأحداث في سالم عام 1692 , حسناء سالم الشابة أبيغيل آدامز تقود مجموعةً من فتيات البلدة في ممارسة عملية سحر أسود عند الفجر لغرض شخصي هو التفريق بين عشيقها السابق جون بروكتور و زوجته أليزابيث , إنتقاماً من زوجته التي طردتها و شوهت سمعتها عندما كانت تعمل في منزل العائلة بسبب إشتباهها في علاقة عاطفية نشأت بين زوجها و خادمته , و لأن خال أبيغيل هو القس باريس المسؤول عن كنيسة البلدة فإن إتهام إبنة شقيقته و إبنته بالمشاركة في عملية سحرية سيبدو صفعة كبرى للرمز الديني في البلدة , فيبدأ الرجل حملةً مسعورة لإثبات وجود ساحرات سالم اللواتي سحرن فتيات البلدة , و يجلب مجموعةً من قضاة الولاية للتحقيق في إتهامه الموجه لبعض النساء في البلدة , بغرض إبقاء صورته لامعة و براقة أكثر من رغبته تخليص بلدته من منابع السحر الأسود المختبئة فيها ..

نص آرثر ميلر السينمائي يعاني من بعض المشاكل ( رغم ترشيحه للأوسكار ) , وهذه المشاكل لم يتمكن بوجودها نيكولاس هايتنر من فعل الكثير , ربما بسبب الإختلاف الواضح بين تقديم العمل المسرحي و السينمائي , آرثر ميلر ينجح في بدايات فيلمه في التأسيس لشخصياته بطريقة سينمائية لكنه يقدم معالجته ( خصوصاً في فترات الذروة ) بطريقة مسرحية صارخة , في بدايات الفيلم يرسم ميلر و هايتنر صورة غامضة و مثيرة لعملية سحر أسود تمارسها فتيات سالم في الخلاء عند الفجر , كل ذلك بتأثير من أبيغيل آدامز صاحبة الوجه البريء التي تقودهن كيف تشاء , و عندما يجهل خالها القس باريس حقيقة ما شاهده يبدو ذلك حقيقياً بفعل الضباب الذي يغمر المشهد أكثر من كونه إصراراً من الرجل على تجنب حقيقة كون إبنة أخته هي رأس السحر الذي أصاب بلدة سالم بسبب الخزي الذي يشكله ذلك للعائلة الأكثر تديناً في البلدة ..

النص في مرحلته التأسيسية يستمر في أداء عمله بقوة ملحوظة , فشخصية جون بروكتور و زوجته إليزابيث تبقى شخصيات هامشية في هذه المرحلة , عائلة من مجموعة العائلات الموجودة في سالم و التي تسمع بكل ما يدور حولها لكنها تعجز عن إستيعاب ما يحدث بشكل كامل , جون بروكتور يبقى بالنسبة للمشاهد في هذه المرحلة رجل عائلة يمتلك مساحات واسعة من الأراضي الزراعية , و زوجته إليزابيث تبقى إمرأة جامدة غير مفسرة الملامح بطريقة ربما قد تصدم المشاهد بمقدار التعاطف الذي ستناله منه بمجرد وصول الفيلم إلى ذروته , ربما بفعل أداء مدروس و متمكن من الممثلة الكبيرة جوان آلن ..

موقف جون بروكتور مما يحدث لا يلبث أن يتكشف , عندما يصر الرجل على عدم إلقاء الذنب فيما يحدث على الشياطين و المتعاونين مع الشياطين التي تجوب البلدة , جون بروكتور على ثقة بأن هناك رأساً يجب إستئصاله لعملية السحر الأسود المزعومة التي أصابت فتيات البلدة بالنوم , لكننا سرعان ما نفهم موقف جون هذا في اللقاء الذي يحدث لبضع دقائق بينه و بين أبيغيل , أبيغيل آدامز مازال الحب ينطق في عينيها ( في أداء ممتاز لا يخلو من بهرجة خفيفة قدمته وينونا رايدر ) , أبيغيل تعشق هذا الرجل و تريد الإستئثار به من خلال هدم عائلته , جون بروكتور يدرك تماماً ما فعلته أبيغيل لكنه يرفض البوح به , هذه المواجهة تبدو رائعة بحق , كافية تماماً لتظهر كيف أن الحب لم يمت رغم كل محاولات جون بروكتور أن يدفنه للأبد , جون بروكتور يريد أن ينهي هذه المسألة إلى الأبد لكنه لم يصل بعد للمرحلة التي يمكن أن يرسل بها أبيغيل آدامز إلى المشنقة ..

في جوهر الفيلم هناك صراع محتدم بين التعصب و الروية , بين العقل و الهوى , هذا الصراع يترسخ بحضور السيد هيل إلى البلدة , الرجل يريد من خلال علمه الديني و القضائي أن يصل إلى حقيقة ما يجري في البلدة , الرجل يبحث عن الحقيقة في بلدة يبدو بأن آخر ما تبحث عنه هو الحقيقة , البلدة تنجرف ضمن تعصب محموم وراء نظرة القس باريس التي ترى بأن الشياطين قد ملأت سالم و أن السبيل الوحيد للتخلص منهم هو قص جذورهم البشرية في هذه البلدة , تصوير لكيف أن التعصب عندما يستحوذ يحاول أن يسيِّر كل شيء وفق رؤيته الخاصة : تبرئة عائلته مما يجري و بدء محاكم التفتيش لإقصاء كل إسم مشبوه من الوجود ..

حملة الإعتقالات المسعورة تبدأ ( في إسقاط صارخ لحملة إعتقال الشيوعيين في أمريكا الخمسينيات ) , لكنها لا تقود سوى للمزيد من الحيرة و الغموض , هذا الغموض لا ينتقل إلى المشاهد بتاتاً ربما بسبب كونه يتبنى رأياً مبكراً جداً حول الذنب الذي تحمله أبيغيل آدامز و الذي يترسخ بفعل الصورة التي يقدمها فيها الفيلم , و التأثير و الإرهاب الواضح الذي تمارسه على فتيات البلدة , و حقيقةً لا يبدو خلق هذا الغموض هدفاً للفيلم أساساً ( كما هو للمسرحية ) , ربما يحاول أرثر ميلر أساساً توجيه مشاهده ضد أبيغيل , لكن هذه الجزئية تفقد الفيلم في منتصفه الهدف الحقيقي له كعمل سينمائي , و رغم ذلك يبقى الإسقاط الذي يمارسه الفيلم على حملة المكارثية متماسكاً و متوازناً خصوصاً مع تحول السحر ( أو الشيوعية مطلع الخمسينيات ) إلى تهمة من لا تهمة له , و إستمرار أبيغيل آدامز في تسيير المحاكمات كما تريد بفعل التأثير القوي الذي تمارسه على الفتيات ..

المنعطف الذي يقود الفيلم نحو ذروته و يستعيد له توازنه بعد فترة فوضوية في منتصفه هو الإتهام الموجه لإليزابيث بروكتور بممارسة السحر , هذا المنعطف يقود عائلة بروكتور إلى ساحة الصراع الدائر , و يدفع جون بروكتور إلى إستغلال ما يعرفه في إنقاذ زوجته , من خلال تهديده لأبيغيل بالإعتراف بكل ما يعرفه عنها لو حدث و أدينت زوجته , تصوير قوي و منطقي للوضع الحالي الذي يمر به قلب جون , جون بروكتور إنسان يشعر بالذنب تجاه زوجته التي لطالما أحبها طوال حياتهما سوية , زوجته و أم أولاده التي غفرت له زلته عندما خانها مع خادمتها , تحتاج الآن لوقوفه إلى جوارها , و التمسك بها , وعدم التخلي عنها و هي توجه إتهاماً يدرك هو بالذات أكثر من أي شخص آخر بأنه إتهام باطل , تصوير حقيقي و مؤثر لعاطفة الحب القوية التي جمعت الزوجين و لم تستطع أبيغيل آدامز بأعمالها و تأثيرها الشيطاني أن تفتك به ..

المشكلة الحقيقية التي تتجلى في الفيلم و بالخصوص عقب هذا المنعطف تأتي من الإيقاع المشوش لهذا الفيلم , إيقاع الفيلم يعاني من موجات صعود و هبوط غير متزنة , تتباطأ الأحداث بصورة مفاجئة قبل أن تتسارع بصورة مفاجئة أيضاً : البرود يبدو بروداً رغم أنه ذروة , و الذروة تبدو ذروة رغم كونها مرحلة عادية , هذه الإيقاع المشوش كان موجوداً طوال الأحداث الماضية مسبباً فجوة حقيقية في منتصف الفيلم حول الهدف الذي يرمي الوصول إليه , الفيلم من خلال نصه و إخراجه و كأنما يرمي ثقله الحقيقي على حبكته ( المأخوذة أصلاً من مسرحية تستلهم أصلاً حملة المكارثية ) و التي تبدو واضحة و بسيطة و مكتملة منذ منتصف الفيلم , و يتناسى الأهمية الكبرى التي يحملها توازن الإيقاع في إبقاء ما يراه المشاهد مهماً بالنسبة له , و يخلق حالةً من التفاعل الدائم بين المشاهد و ما يشاهده , نرى على سبيل المثال الإيقاع الذي بدأت تعتريه بعض الرتابة يعود للإرتفاع عندما يصر جون بروكتور على تبرئة زوجته مهما كان الثمن ( زوجتي لن تموت من أجلي ) , لكنه يعود فجأةً فينخفض في مرحلة الإستماع الخاص الذي يلجأ له القاضي مع جون بروكتور و رفاقه الذي يقتحمون المحاكمة ..

جزئية مهمة أراها تحسب لإخراج نيكولاس هايتنر تتمثل في قدرته على خلق التفاصيل و تجنب الإهتمام بها و إظهارها كأحداثٍ عابرة لخلق صورة حقيقية لما يحدث , ثم لا يلبث لاحقاً أن يعطيها أدواراً مفصلية في الفيلم , جزئية تعامل من خلالها هايتنر بشكل جيد مع شخصيتي جون بروكتور و زوجته إليزابيث المهمشتين مطلع الفيلم , و من خلال تعامله مع معظم الشخصيات الموجودة التي لا تبدو ذات شأن في مراحل مبكرة من الفيلم , و أحياناً من خلال بعض الأحداث العابرة التي تبدو مهمةً لاحقاً كحادثة تظاهر ماري بالإغماء في المحاكمة الأولى و كيف بدت إعادة هذه العملية مهمةً كدليل إثبات في المحاكمة التالية , هذه الجزئية لعب عليها جيداً نيكولاس هايتنر و خدمته إلى حد ما في رفع الإيقاع كما تتطلبه الحبكة في المراحل الأخيرة من الفيلم ..

في أكثر مشاهد الفيلم تأثيراً يعترف جون بروكتور بأنه أقام علاقة غير شرعية مع أبيغيل آدامز و بأن هذه العلاقة هي ما دفعت بأبيغيل لمحاولة تدمير علاقته بزوجته , هذا المشهد يمتلك ثقلاً حقيقياً و تماسكاً يبدو فريداً ضمن هذا الفيلم , ربما بسبب القوة التي تمنحها للدفع العاطفي للفيلم الطريقة التي يحاول بها الرجل إنقاذ زوجته من المشنقة من خلال التضحية بسمعته , يقدم الفيلم أفضل اللحظات الأداءية لنجومه الثلاثة , دانيال داي لويس يقدم كما يقول المعلق الرياضي التونسي عصام الشوالي ( أداءاً إعتيادياً من ممثلٍ إستثنائي ) , يحلق بشخصيته بعيداً , و يصورها طوال الفيلم و هي تحترق بالحقيقة التي تحملها , لكنها تصر في الأخير ألا تحترق وحدها , إنهيار متوازن من الرجل في مشهد أدائي ممتاز , وينونا رايدر ترسم صورة مثالية جداً لأبيغيل آدامز من خلال ملامح الطيبة و الرقة التي تحملها و الشيطانية الخفية التي تطل من عينيها من حين لآخر في لحظات إنفعالية مدروسة , ثم الصورة التي ترسمها جوان آلن ( التي تنال ترشيحاً للأوسكار هنا ) لإمرأة تصر على ألا تلوث إسم زوجها و سمعته حتى لو كان الثمن الذي ستدفعه من أجل ذلك هو حياتها , تفجر ختامي رائع للعاطفة الحقيقية التي يحملها الزوجين لبعضهما البعض رغم العلاقة الزوجية التي شابها ماشابها ..

و رغم إخلاص آرثر ميلر لمسرحيته الشهيرة , إلا أن الإصرار على تقديمها كما هي لا يخدم العمل السينمائي , خصوصاً أن الفيلم يصل في هذه المرحلة إلى ذروته , و أحداث هامشية من قبيل إتهام أبيغيل آدامز لزوجة القس هيل ( دون أي تمهيد أو دافع درامي ) , أو إصرار السيد كوري على عدم ذكر إسم الشخص الذي يتهم بوتنم و يموت من أجل ذلك , جزئيات تبدو دخيلةً بشكل سافر على الأحداث في الفيلم , و أثر تراكمها بشكل سلبي جداً على خط الإثارة الذي يفترض أن يخدمه إخراج الفيلم , هذا الإخلاص تجاه المسرحية لا يستفيد منه الفيلم كثيراً في الذروة الختامية له خصوصاً عندما يصر جون بروكتور على الإعتراف بالتهمة لكنه يرفض التوقيع على إعترافه , تحول درامي ختامي يبدو دخيلاً على الفيلم و إسرافاً في مجاراة المسرحية التي تسقط الكثير على حملة جوزيف مكارثي , و دفاع جون بروكتور الختامي عن إسمه يبدو أكثر لحظات الفيلم تصنعاً خصوصاً بعدما نجح الفيلم في ترسيخ محور متماسك في علاقة الحب القوية التي جمعت الزوجين , لنجده و كأنما يتذكر فجأةً روح المسرحية الأم حول السمعة الملوثة بفعل التعصب الأعمى و الغضب المسعور , توازن لم يكن عمل نيكولاس هياتنر عليه كافياً لمنعه من إظهار ملامح الإفتعالية و التصنع في هذا المشهد ..

اللقاء الثاني بين دانيال داي لويس و وينونا رايدر عمل سينمائي محترم و جيد إلى حد بعيد , إفتقد إيقاعه أحياناً للثبات المطلوب , و أسرف آرثر ميلر أحياناً في الولاء لمسرحيته , لكن متابعة ممثلين من وزن دانيال داي لويس و وينونا رايدر و جوان آلن و بول سكوفيلد يقدمون أداءات من الطراز الرفيع يبقيه عملاً سينمائياً مهماً و متميزاً ..

التقييم من 10 : 7