الجمعة، 30 يوليو 2010

Shakespeare in Love

كتب : عماد العذري

بطولة : جوزيف فاينز , غوينيث بالترو , جودي دينش
إخراج : جون مادن


عندما شاهدته أول مرة ظللت مبهوراً بما شاهدت نصف ساعة كاملة .. فأعدته مرة أخرى ..
المرة الأخرى صارت مرات بعد ذلك .. ومكانته لدي تتعزز وتتوثق ..


شكسبير عاشقاً .. كوميديا عن أعظم قصة حب لم تحك بعد .. ( تاغ لاين ) ..
شكسبير عاشقاً .. الأجمل من قصة الحب بين روميو وجولييت .. قصة الحب التي صنعتها ..
شكسبير عاشقاً .. لأول مرة منذ أماديوس .. إنسانية المبدع .. أوسكارية !

عند منتصف عام 1998 .. لم يكن الكثير من عشاق الفن السابع يعلمون الكثير عن جون مادن .. بينما تعامل معه نقاد السينما على أنه صاحب رائعة ( Mrs. Brown ) العام الماضي .. وكنتيجة طبيعية لذلك فلم يهتم أحد بالمشروع القادم له المسمى ( Shakespeare in Love ) ربما لأن أفلام العصر الإليزابيثي لم تكن لتروق للكثيرين .. وربما لأن الفيلم لا يمتلك من حطام الدنيا شيئاً سوى ممثل شاب في أول أدواره .. وممثلة شبه مغمورة تملك موهبة طاغية .. وعجوز السيدة براون .. وأوسكاريين هما أفليك و راش ( ويكفي أن تعلم أن الأول نال أوسكاره في السيناريو بينما الثاني أسترالي في أواخر الأربعينيات من عمره لتتجاهل الفيلم تماماً ! ) ..وربما لأن العودة المظفرة للظاهرة تيرنيس ماليك في ثالث فيلم له طوال عقود ثلاث مع نجوم مثل شون بن و نيك نولتي و جون كيوزاك و جورج كلوني و جون ترافولتا .. أو الترقب الهائل الذي حظي به فيلم سبيلبيرغ الجديد عن الحرب العالمية الثانية في وجود نجم مثل توم هانكس قد جذب الأنظار بعيداً عن هذا الفيلم تماماً ..

في 3 ديسمبر 1998 فغر نقاد السينما أفواههم مما شاهدوا ( أحد أعظم الأفلام التي تناولت ويليام شكسبير إن لم يكن أعظمها على الإطلاق ! ) ..

في 21 مارس 1999 فغر ستيفن سبيلبيرغ فاه مما حدث ! .. إلتهم الفيلم سبعاً من جوائز الأوسكار تاركاً خمساً لفيلمه في واحدة من أعنف الليالي الأوسكارية منذ 33 عاماً !!..

هذا الفيلم هو واحد من أكثر أفلام هوليوود ذكاءً ورومانسية على الإطلاق .. يتناول فيه جون مادن شخصية أخرى من شخصيات التاريخ .. ويصيب هدفه تماماً لسبب بسيط وهام : ويليام شكسبير هو واحد من أكثر الشخصيات التي لا تتناسب شعبيتها وعبقريتها مع ما نعرفه عنها .. لو طرقنا اليوم باباً للتساؤل : من هو ويليام شكسبير ؟ ستأتي الإجابة فوراً : صاحب ( هاملت ) , ( ماكبث ) , ( عطيل ) , ( روميو وجولييت ) , ( الملك لير ) , ( تاجر البندقية ) , ( العاصفة ) , ( أنتوني وكليوباترا ) .. وغيرها .. وهو أمر يؤكده حديثنا عن العمل السينمائي نفسه : كم فيلماً أقتبس من أعمال شكسبير ؟ وبالمقابل كم فيلماً تناول حياة شكسبير ؟! , قلة منا يعرفون اليوم : أين عاش ؟ .. كيف إنتقل من ستراتفورد إلى لندن ؟ من تزوج وكم أنجب ؟ والأهم من هذا كله ( كيف كتب لنا أعظم المسرحيات في تاريخ الأدب كله ؟ ) ..

جون مادن يقدم فيلماً آخراً من أفلام الرؤية الخاصة أو ما أصطلح على تسميته ضمنياً بـ ( أفلام الحدس Conjecture Films ) .. أصاب النقاد في مقتل العام الماضي عندما قدم رائعته ( السيدة براون ) .. الذي تناول فيه قصة خاصة عن علاقة خفية جمعت الملكة فيكتوريا – الملكة التي سادت بريطانيا أطول فترة حكم في تاريخها – بمروض خيولها ( السيد براون ) ..

كعادة أفلام الحدس الناجحة هناك خط رفيع يفصل بين الواقع والحدس .. هذا الخط – الذي هو السبب الرئيس في النقد الموجه لأفلام فشلت أن تقنع النقاد في هذه النقطة مثل Gladiator لريدلي سكوت أو Amistad لستيفن سبيلبيرغ – يعتمد ببساطة على التأثير الذي قد يحدثه هذا الحدس في مجرى التاريخ نفسه .. بحيث ألا يؤدي لم قد يندرج تحت إطار ( تزوير التاريخ ) .. وفي الحقيقة أن ما حدث في Braveheart وهو فيلم ناجح في أسلوب حدسه .. هو مثال قيم يجب ذكره هنا .. ويليام والاس قاد تحرر الأسكتلنديين بعد قرار مطول بالإبتعاد عن العنف .. وضمن سياق سيرته هناك إحترام كبير ذكرته كتب التاريخ أكنته قرينة ولي العهد لوالاس , حدس الفيلم عزى الإنتفاضة ونقطة التحول الحقيقية في مسيرة والاس إلى مقتل زوجته .. وعزى الإحترام المتبادل بين والاس والأميرة إلى علاقة حب خاطفة جمعتهما .. لكنه أولاً وأخيراً : فجر ثورة الأسكتلنديين .. وأعدم شنقاً .. وإستكمل الأسكتلنديين بعده ثورتهم على بريطانيا !

في ( السيدة براون ) هناك تغيير كبير أحدثه السيد براون في شخصية الملكة فيكتوريا بعد وفاة زوجها .. الأمر الذي دفعها لصناعة تمثال خاص تكريماً له ( رغم عدم كونه شخصية حقيقية ) .. لكن فيكتوريا تجاهلته بعد ذلك في عودة ذكية للتاريخ الموثق .. و أستكملت بعد ذلك مقومات فيلم الحدس الناجح .. بإلغاء وجوده تماماً .. فمات هادئاً في فراشه .. وكسر تمثاله .. وأحرقت مذكراته !!

جون مادن يفجر هنا كل مقدراته وفكره في واحد من أعظم أفلام الحدس على الإطلاق إن لم يكن أعظمها جميعاً ( أتحدث هنا على إعتبار كون ( أماديوس) تنفيذاً سينمائياً لمسرحية بيتر شيفر .. أكثر من كونه فيلم حدس ) ..

أحداث الفيلم تجري في لندن 1593 .. حيث مسرحا المدينة الرئيسيين يمرا بمرحلة تباين .. فيليب هانزلو مالك مسرح الوردة تتعرض قدماه يومياً للحرق على يد الدائن السادي فينيرمان إذا لم يسدد ديون المسرح المتراكمة .. بينما وعود هانزلو تعتمد في مجملها على الكوميديا التي يعدها الكاتب المسرحي الشاب ويليام شكسبير المسماة ( روميو و إيثيل إبنة القرصان ) .. في المقابل ريتشارد بوربوغ مالك مسرح الستارة يمر بمرحلة إزدهار كبيرة بعدما جلب شاعر بريطانيا الأول كريستوفر مارلو المنافس الرئيس لشكسبير .. والمثير أكثر أن ريتشارد بوربوغ في طريقه ليجلب شكسبير أيضاَ ..

ويليام شكسبير القادم من ستراتفورد تاركاً هناك زوجة وأبناء يعاني من حالة عقم روائي تام تدفعه لزيارة طبيبه النفسي ليعلن له بأن ( ريشتي قد كسرت ) ومامن سبب واضح لذلك .. وكنتيجة لورطة هانزلو يضطر شكسبير لكتابة أي شيء : خربشة تمتع الجمهور طالما هي تحتوي قفشات ضاحكة وكلباً يركض هنا وهناك .. المشكلة تكمن في قلة ممثلي لندن حينها الأمر الذي يدفع ويل لتجريب أناس من العامة للقيام بدور روميو .. في هذه الأثناء يحضر توماس كنت ليسلب لب ويل بأسلوبه المثير في إلقاء الشعر مما يدفع ويل لمطاردته قبل أن يتعرف عليه ويصر على الإحتفاظ به في دور روميو ..

توماس كنت في الواقع لم يكن رجلاً .. إنها فيولا دوليسبس الحسناء الرقيقة .. وإبنة احد أثرياء لندن المفتونة بالشعر .. والتي تفضل ويل على كريس حتى على الصعيد الشخصي ربما .. وعندما يكتشف ويل ذلك يرتبط معها بعلاقة حب خاطفة .. ويستغل ويل ذلك ليذكي قريحته الشعرية ويستعيد إلهامه .. لتسهم الرومانسية المتأججة بين ويل وفيولا – ضمن تفاصيلها – في تحويل الكوميديا الهزلية ( روميو وإيثل إبنة القرصان ) إلى التراجيديا الخالدة ( روميو وجولييت ) ..

لعل من أولويات الحديث قبل التناول السيناريو العبقري الذي أبدعه مارك نورمان وتوم ستوبارد التطرق إلى نبذة بسيطة عن المسرحيتين التي تطرق لهما العمل ( روميو وجولييت ) و ( الليلة الثانية عشر ) .. الأولى تتناول قصة حب مأساوية بين إبني عائلتين إيطاليتين ( البلاد المفضلة في مسرحيات شكسبير ) .متحاربتين .. وسط أجواء من الرفض .. القمع ..التكتم .. تدفع بتلك العلاقة نحو مسار آخر ينتهي بإنتحارهما .. أما المسرحية الثانية فتحكي قصة توأمين ( فيولا وشقيقها سباستيان ) تقذف بهما رحلة بحرية كارثية إلى شاطيء غريب .. ويفترقان بعدما ظن كل منهما أن الآخر قد مات .. هذا الوضع يدفع فيولا للتنكر بهيئة رجل للتقرب من الدوق أورسينو الثري النبيل الراغب بالتقرب من الحسناء أوليفيا وخادمتها ماريا .. وسط أحداث متضاربة وغريبة .. ولعل ما يوجب تقديم لمحة بسيطة عن المسرحيتين عند الحديث عن الفيلم هو التفاصيل الدقيقة التي أدرجت ضمن هذا السيناريو والتي جمعت تراكمات أفلام الحدس قبل أن تنفجر هنا بدوي لا مثيل له ..

كتب سيناريو الفيلم السيناريست الأمريكي مارك نورمان وأعيدت صياغته باسلوب كوميدي ذكي على يد الكاتب المسرحي توم ستوبارد الذي سبق ودخل غمار الرؤى الشكسبيرية الخاصة عندما قدم سابقاً ( هاملت ) برؤية خاصة عبر شخصيتين ثانويتين من المسرحية الأصل في مسرحيته التي نالت صدى واسعاً ( روزنكرانتز وغولدنشترن ميتان ) , وهما هنا يقدمان سيناريو فريداً من نوعه .. هو قيم حتى بمجرد القراءة بل هو واحد من قلة من السيناريوهات العبقرية الممتعة والذكية حتى على الورق .. يقول توم ستوبارد عن ويليام شكسبير في فيلمه ( ليبدع شيئاً بتلك العظمة .. كان لابد أن يكون محطماً ومسلوباً بحب إمرأة من نوع خاص جداً ) .. ومن هذا المنطلق وبأسلوب ويليام شكسبير نفسه في الكتابة .. الحوارات .. المقدمات والخواتم .. وبناء الشخصيات .. يستغل الكاتبان النقطة الرئيسية التي يتعامل فيها نقاد الادب ومعجبوه مع كتابات شكسبير : شكسبير هو واحد من قلة من الذين إستطاعوا تطويع الافكار الغريبة في خدمة رسالتهم الشعرية : لماذا كانت إجابة كورديليا إبنة الملك لير عن مدى حبها له , على ذلك النحو ؟.. لماذا كان إتفاق الدين بين تاجر البندقية واليهودي شايلوك على هذا النحو ؟.. أين عاش ابطال العاصفة ؟.. ولماذا كان وعد ماكبث على ذلك النحو أيضاً ؟..

من هذا المنظور ينقلنا الكاتبان إلى ساحة المعركة لنشهد الإجابة على سؤال واحد مما سبق ( لماذا كتبت أحداث روميو وجولييت على ذلك النسق ؟ ) .. وأسلوب الإجابة عن ذلك السؤال هو أسلوب حدس خالص يقدم فيه الكاتبان أحداثاً متفرقة من حياة شكسبير الشخصية ألهمته أحداث رومانسيته الأخلد تأثراً بها .. صانعين بذلك جواً خاصاً أحاط بويل الشاب حيث الضغوط الهائلة تحيط به بين : عقم روائي غريب يعاني منه .. وهجران لعشيقاته الكثر .. وأزمة شديدة يمر بها صديقه فيليب هانزلو مالك مسرح الوردة .. وإغراء كبير من ريتشارد بوربوغ مالك مسرح الستارة .. وسط هذا كله لقاء مباغت مع ممثل مجهول الهوية يشعل عواطف ويل ويضطره لمطاردته ( ألهمته المطاردة بين روميو وجولييت في المسرحية ) قبل أن يدرك حقيقة هذه المرأة المتنكرة ( ألهمته نظيرتها في الليلة الثانية عشر ) .. ويجمعهما اللقاء الحقيقي الأول في حفل راقص أعده اللورد ويسكس ( ألهمه الحفل الراقص الذي جمع روميو وجولييت أول مرة ) .. ثم مشهد البلكون ( مشهد روميو وجولييت الشهير ) .. أعقبته علاقة عاطفية عنيفة بينهما ( على غرار تلك المشتعلة بين روميو وجولييت ) .. حاولت خادمة فيولا المداراة عليها أكثر من مرة ( ألهمته شخصية ماريا الخادمة في الليلة الثانية عشر .. بل أن جون مادن لجأ لأميلدا ستاونتون التي لعبت دور الخادمة في آخر نسخة سينمائية لليلة الثانية عشر ( نسخة تريفور نان 1996 ) لتلعب دور الخادمة في شكسبير عاشقاً !! ) .. أخبار هذه العلاقة ما تلبث أن تصل إلى خطيبها اللورد ويسكس الثري البغيض ( ألهمه شخصية الدوق أورسينو في الليلة الثانية عشر ) .. والذي في طريقه للإرتباط بفيولا بعدما كان قد حذر ويل في الحفل الراقص من اللعب بالنار .. الأمر الذي يضطر ويل لإخباره بان إسمه هو ( كريستوفر مارلو ) ( و هنا ترفع القبعات !! حدس خالص شديد البراعة لإعطاء مقترح خاص حول الموت الغامض للشاعر الشاب كريستوفر مارلو في شجار في حانة قبل عرض روميو وجولييت ! ) ..

هذه الرومانسية تترافق مع تغيير تام ومتدرج في الخطوط الرئيسية لـ ( روميو و إيثل إبنة القرصان ) .. حولها ويل إلى صراع إجتماعي عنيف ( كحال ذلك الذي يعانيه في الواقع ) يحيط بعلاقة رومانسية رقيقة بين البطلين تتحول فيها الاحداث إلى منعطف تراجيدي محض مع أنباء الموت الحقيقي لكريستوفر مارلو .. الأمر الذي يدفع ويل للشعور بالذنب ( رغم أن الفيلم – وهذا جزء من نجاح حدسه – لم يعلن ويل سبباً في موته , بل ألقى ظلالاً من الشعور – الخاطيء في الواقع – بالذنب لأن مقتل مارلو في الفيلم تم – كما في التاريخ – نتيجة شجار في حانة ) .. هذا الشعور بالذنب لدى ويل وازاه شعور بالذنب لدى روميو تجاه مقتل تايبولت .. تمهيداً لأن يصبغ المسرحية في فصلها الأخير بطابع تراجيدي أسود ختمه بفراق أبدي وإنتحار مأساوي .. وازى فراقاً على وشك أن يقع بين الصانعين الحقيقيين لتلك العلاقة ويل وفيولا .. قبل ان يختما السيناريو – وبذكاء يحسب لهما – بالأسطر الاولى من مسرحية شكسبير اللاحقة ( الليلة الثانية عشر ) والتي أطلق إسم ( فيولا ) على بطلتها .. بل أن المشهد صنع تماماً على نسق المشهد الإفتتاحي لفيلم تريفور نان ( الليلة الثانية عشر ) !!!.. إمعاناً في إقناعنا بما شاهدنا .. وتأكيداً على عبقرية هذا السيناريو الذي أوصل الكثيرين لدرجة تصديقه .. رغم أنه حدس خالص 100 % : ويل لم يلتق فيولا دوليسبس , وعاش الجزء الأول من حياته على نجاح بعض كوميدياته مثل ( سيدان من فيرونا ) .. قبل أن يقدم تراجيديته الخالدة ( روميو وجولييت ) ليسطع إسمه في سماء الأدب .. أعقبها بعد ذلك بالليلة الثانية عشر , والأجمل أن فيولا – كأي فيلم حدس ناجح – لم تغير شيئاً سوى في إطار المنطقة الرمادية ( المنطقة غير الموثقة من التاريخ ) .. هي لم تغير شيئاً من نصوص شكسبير .. لم تجعل الليلة الثانية عشر تأتي قبل روميو وجولييت .. لم تتزوج ويل .. لم تهرب معه تاركة بريطانيا .. بل جعلت كل شيء يمر كما تناولته كتب التاريخ تماماً .. أما ماعدا ذلك فهو نسج خيال خصب .. صب خلاصة عبقريته في قالب درامي .. تراجيدي .. رومانسي .. كوميدي .. دون أن يفقد الفيلم متعته .. ودون أن تدرك حقيقة قيمته .. إذا لم تقرأ المسرحيتين أولاً .. الأمر الذي دفعني لأصفق غير مرة أثناء العرض الأول .. الذي صار عروضاً بعد ذلك ..

في العمق يقدم نورمان و ستوبارد صرخة نسائية تسعينية جديدة .. توازي نوعاً ما صرخة آدا في ( البيانو ) , هانا في ( المريض الإنجليزي ) , روز في ( تيتانيك ) .. فعلاوة على الحواجز الطبقية التي أعاقت إرتباط فيولا بمن تحب .. نجدها مضطرة للزواج بثري نبيل لتهاجر معه إلى مزارعه في فرجينيا في الأراضي الجديدة لمنح أولادها لقبه الرفيع .. وكيف ستصير أسيرة لدى شخص لا يقدرها وينظر لـ( جمالها ) أكثر مما ينظر لـ( عقلها وفطنتها ) :

ويسكس : سيدتي فيولا .. لقد تكلمت اليوم مع والدك ..
فيــــولا : وماذا في ذلك ؟ أنا أتكلم معه كل يوم !!


هذه الخصوصية النسائية في تعامل الكاتبين مع النص تتأكد على لسان المرأة الأخرى في الفيلم التي تدرك جيداً طبيعة ما خفي في هذه العلاقة :

الملكة : أنت نبيل أحمق .. إنها مسلوبة منذ رأيتها آخر مرة .. وليس بك ! .. تحتاج إمرأة لتعرف ذلك ..

لكن حتى تلك المرأة – التي تمتلك السلطة في الفيلم – لم تكن تستطيع القفز فوق التقاليد – التي رغبت فيولا في تحطيمها – وكان أمرها لزاماً على فيولا تنفيذه ..

علاوة على ذلك كله .. فهناك رغبة جامحة تتملك فيولا في التمثيل في فترة كان محظوراً فيها على النساء الظهور على خشبة المسرح .. تلك الصرخة المكتومة لا تتجلى بحوارات حقيقية بقدر ما يفسرها لنا : شغفها الشديد بالمسرح .. حفظها لأجمل نصوص كتاب تلك الفترة .. وتلك الجرأة الشديدة التي تتملك إمرأة سبقتنا بأربعة قرون على التنكر في زي رجل ووضع شارب مستعار ولف شعرها لتظفر بدور روميو .. قبل أن تتأكد تلك الرغبة الشديدة بالقبول المفاجيء بدور جولييت عند مرور المسرحية بأزمة عند العرض .. مما يثبت ويوثق تلك الرغبة المكبوتة في التمرد لدرجة أنها حفظت كل أدوار المسرحية ..

(( حب المسرح لن يكون أبداً حباً حقيقياً .. طالما قانون البلاد يفرض أن يلعب دور حسناواتنا فتية محشرجون ))

محور آخر تناوله السيناريو بعمق .. هو القيمة الفنية للمسرح , فهو يعرض لنا في بدايته كل الأجواء المحيطة بالعمل المسرحي في تلك الحقبة حيث العمل يحتاج لإلهام مستمر ( نساء على وجه الخصوص ) .. و حيث سيطرة القيم المادية على المعنوية ( كلا الكاتبين يكتب ليعيش أو يكتب ليفك أزمة ) .. بينما العمل الفني الصادق ( روميو وجولييت مثالنا هنا ) يحتاج لعلاقة صادقة لتفجيره .. تكون أبعد بكثير عن أي غرض مادي .. وحيث المسرح على تجاريته شيء مقدس رغم كونه وسيلة متعة وجني أرباح .. فلا الديون المتراكمة , ولا العقم الروائي , ولا أزمات الممثلين قادرة على إغلاقه .. الأمر الذي تطور بعد ذلك ليصبح جزءاً من حياة الشعب ( لاحظوا التأثر التام – لا سيما من القس – بالمسرحية في نهاية الفيلم ) .. يعبر عن همومه وتطلعاته عبر لوحات بصرية ممسرحة .. هي المتاحة حينها ..

هذا التقدير للعمل المسرحي الذي يحمله السيناريو هي إضاءة واسعة المدى .. متعددة الأطر تحتمل إسقاطات عدة حتى على مستوى العمل الهوليوودي اليوم : حيث العمل الفني صار متاحاً لمن هب ودب ( نشاهد صاحب قارب يعلن أنه يكتب أشعاراً ويحاول إعطاءها لويل !! ) .. وحيث السلطة تفرض قوتها على العمل الإبداعي ( التعذيب المتكرر لفيليب هانزلو على الفحم ) .. وحيث سطوة المال قادرة على جعل من لا يمتلك الموهبة ممثلاً ( فينيمان أو The Money كما أسمى نفسه في الفيلم , يأخذ دور الصيدلي في المسرحية ) بينما من يمتلك الموهبة الحقيقية معاق عن أن يقدم إبداعه ( فيولا دوليسبس ) .. وحيث المادة تفرض نوعاً من الأعمال التجارية المكررة ( كانت تتمثل حينها بأعمال تحوي : قراصنة ومهرجين وكلاباً ) .. وحيث النزاع الملحوظ على السيطرة وقيادة العمل الفني ( بين الكاتب والممثلين وصاحب المسرح والممول ) .. وحيث حب الظهور الإعلامي يسود أجواء العمل الفني ( نشاهد أحد العامة يسأل الممثل الذي سيقوم بدور مربية جولييت عن حبكة المسرحية , فيبدأ إجابته بالقول : هناك مربية .... !! ) .. وحيث سيف الرقابة مصلت على رقاب الجميع بمبرر وبدون مبرر وقد تناولها الكاتبان بسخرية واضحة في واحد من أشهر إقتباسات الفيلم (( That woman is a woman ! )) ...

لكن العمق الحقيقي لهذا السيناريو كان يكمن في التقديم المتميز لشكسبير إنساناً .. ويليام شكسبير أعظم كاتب مسرحي أنجبته البشرية كان بعيداً كل البعد عن أن يقدم بهذه الصورة على شاشة السينما .. وهو أمر تعودنا عليه في تقديم كبار شخصيات التاريخ بصورة تجعلهم أقرب إلى الأساطير منهم إلى البشر .. لكن نورمان وستوبارد يقدمان صورة إنسانية رائعة لشاب لم يتجاوز الثلاثين ترك أسرة في مدينة ستراتفورد وجاء لندن باحثاً عن المال ( وما المانع في ذلك ؟ ) .. وعن تحقيق حلم أدبي وعن تفجير موهبة أدبية خلاقة تسري في عروقه , شاب يزور طبيبه النفسي لأن ريشته قد كسرت وأحباره قد جفت .. وصار عاجزاً عن أن يكتب حرفاً واحداً لسبب لا يعلمه .. شخص يحاول قدر المستطاع تجاوز حالته تلك لينقذ صديقاً له من ضائقة مالية شديدة .. يطارد فتاةً حتى منزلها .. يتسلق الشرفات .. ويتسلل إلى الحفلات دون دعوة .. ويتنكر في ثياب خادمة .. ويشعر بالذنب لمقتل منافسه بل ويغمر رأسه بالوحل محتقراً ما فعل .. ثم يواجه فراقاً عاطفياً مأساوياً ترك جرحاً في نفسه .. دفعه لكتابة مسرحيته اللاحقة تأثراً بما حدث .. ويليام شكسبير هنا هو إبن بيئته وليس ملاكاً يمشي على الأرض .. له أخطاؤه وعثراته .. علاقاته وغرامياته .. صداقاته ومنافسيه .. ملاهيه ومآسيه .. له لحظات خاصة من حياته مرت كالحلم وكان من المستحيل أن ينساها ..

(( هذه ليست حياةً , ويل .. إنه موسم مختلس ))

من ناحيةٍ أخرى يبدو هذا تأكيداً أيضاً على أن تراجيديات المبدع قد تكون مرءآة تعكس لحظات من حياته .. لحظات ظليلة قد تدونها كتب التاريخ أوقد تظل أسيرة القبور .. رغم شهرة أعمالهم .. وكأن بالكاتبين يقولان لنا ( إذا كان هذا ما وراء روميو وجولييت .. فماذا قد يكون وراء هاملت .. أعظم مآسي شكسبير .. واكثرها تأثيراً في المسرح العالمي ! ) ..

هذا الوتر الإنساني المغيب لامس الشخصية الحقيقية الثانية في الفيلم ( الملكة إليزابيث الأولى ) .. و في الواقع أن الدقائق العشر التي ظهرت فيها الملكة هي من أكثر لحظات الفيلم طرافة وكوميدية .. وهو أسلوب ذكي يجعل عظام التاريخ أكثر قرباً من المشاهد .. لكن تلك الدقائق العشر راعت كثيراً الحفاظ على هيبة الملكة .. بحيث يبقى جلال ووقار الملكة كما هو .. رغم كونها إنسانة أولا وأخيراً : تطلق الغمزات الضاحكة .. تعطي الإستشارات .. تدلي بآرائها .. تشهد رهاناً بخمسين جنيهاً .. تضحك وهي تحضر المسرحيات الخاصة .. وتحضر متنكرة إلى المسرحيات العامة .. بل وتخطو فوق الوحل لتركب عربتها الملكية !

لعل الإنجاز الأهم الذي حققه نورمان وستوبارد في نصهما هذا .. هو تقديم كل ذلك في إطار كوميدي صارخ .. إذ لا يخفى أن أكثر الأفلام صعوبة في إيصال رسالتها هي تلك التي تتخذ الكوميديا طريقاً لها .. والعكس صحيح .. حيث الهزل يجعل المتلقي بعيداً عن أي تواصل فكري حقيقي .. لكن هذا الفيلم نجح تماماً في أن يجعل تلك الكوميديا تنقلب لصالحه .. منذ تلك اللحظات التي نشهد فيها خفايا صراع غير ظاهر بين شكسبير ومارلو لدرجة صار بها جمهور الشارع على علم بالأمر , الأمر الذي يدفع صاحب قارب يقل ويليام شكسبير عبر التايمز إلى القول ربما على سبيل الإغاظة (( لقد أخذت مارلو يوماً ما في قاربي ! )) قبل أن يحاول تدارك الموقف بعرض مالديه بينما ويل كان قد عبر إلى الشط !! , منذ تلك اللحظة ينهمر سيل كوميدي جارف .. جارف بمعنى الكلمة .. أداءياً وحوارياً .. متضمناً في سياقه إشارة عابرة وعادية إلى ( جون ويتبسر ) الكاتب البريطاني الكئيب الذي قضى طفولة بائسة في أحياء لندن الفقيرة .. بينما مارلو وشكسبير في عز نضجهما الأدبي قبل أن يسطع نجمه لاحقاً ( قدمه الفيلم فتى فقيراً مهووساً بالجرذان .. يرغب في العمل بالمسرح .. وكان هو السبب في كشف حقيقة فيولا للجميع !! ) ..مع نصوص كثيرة من أعمال شكسبير اللاحقة ( لتبدو هنا وكأنما ألهمها من حياته الخاصة ) .. نسمع نصوصاً من هاملت وماكبث والملك لير وغيرها .. وصولاً إلى إقتباسات كوميدية لذيذة تطلقها من حين لآخر شخصيات الفيلم .. وعلى رأسهم جميعاً فيليب هانزلو !

لكن والحق يقال .. لم يكن لهذا السيناريو أن يحقق مجده ( أعتبره شخصياً مع بلب فيكشن وفارغو أعظم السيناريوهات الأصلية خلال التسعينيات ) .. لولا وقوف مبدع مثل جون مادن وراءه .. وما كان ليتخطى الإبتذال لولا الحرفية العالية التي تعامل فيها مادن مع النص .. مادن الذي يرسل في فيلمه هذا تحيته الخاصة وتقديره وإحترامه لزمن كان للناس إهتمام بما يُكتب .. وتقدير للعمل الأدبي الخالص .. وكان الحكام يواكبون قطار الإبداع حضوراً وتشجيعاً ودعماً .. وكان المبدع مهماً حتى في أشد لحظات حياته سواداً ..

ما يستحق الإشادة قبل كل شيء في عمل مادن .. هو قدرته التامة تطويع التراجيديا في وجود الكوميديا.. وهو تطويع ليس بالسهل أبداً .. فكم من فيلم لعب على الوترين معاً .. وفشل فشلاً ذريعاً ..وسيطرته التامة على النص وحفاظه على توازنه العام : تراجيديا – كوميديا- رومانس .. جعل للفيلم مذاقاً خاصاً لا يمل .. فأنت في عز لحظات الكوميديا تشاهد لحظة درامية أو تراجيدية تصمتك .. وفي أعنف لحظات الفيلم درامية ( لحظات الإنتحار في المسرحية مثلاً ) تشاهد ضحكة صغيرة للحظة :

-Where is my Romeo ?
-He is dead !


قبل أن تعود لتراجيديتك مرة أخرى .. هذا التوحد الفريد للدعابة مع الأدب التراجيدي المسرحي والمرح المهذب .. جعل من عمل مادن في هذا الجانب إنجازاً بحد ذاته ..

و ما يلفت النظر بحق - بعد حديثنا عن ذلك السيناريو العبقري - هو قدرة مادن العجيبة صنع فيلم رائع دون السقوط في فخ النخبوية .. فيلم ينال تقديره وإحترامه على السواء : ممن يعشق أدب شكسبير .. ومن أولئك الذين لم يسمعوا إسمه يوماً .. وهو فخ كان ليسقط فيه أي مخرج يحاول الإنجراف في الجانب الأدبي للنص دون أن يصنع توازناً درامياً مع الحدث .. وهو وسام يعلق على صدر مادن أيضاً ..

وإضافة إلى نجاح مادن في نقل أمين للنص على صعيد العمق الدرامي فإنه نجح كذلك أعلى نجاح على المستوى التقني .. فهو هنا يولي فيلمه نفس العناية والإهتمام بتفاصيل الزمان والمكان التي أولاها لفيلمه السابق ( السيدة براون ) مع دماء جديدة جعلت هذا الفيلم أكثر حيوية من سابقه , مادن يصنع لنا لندن 1593 بكل تفاصيلها وسماتها ويبث روحاً جديدة في زمن ولى وإنتهى .. والفضل طبعاً يعود لمصمم الإخراج الفني مارتن شيلدز الذي سبق وأداره مادن في السيدة براون .. والذي أثبت كونه جديراً بالثقة ونال أوسكاراً مستحقاً حتى أمام إخراج فني بحجم ذلك الذي قدمه ( إنقاذ الجندي رايان ) , و بالمقابل فإن مصور مادن ريتشارد غريتريكس يخدم هذا العمل كثيراً .. وذلك التوافق التام بين جوهر الفيلم ( الرومانسي ) .. وطريقة تصويره ( الإنسيابية ) .. عبر جودة عالية وسلاسة تامة في عمل الكاميرا و الفلاتر هو شيء يستحق الإشادة , أما المونتير ديفيد غامبل فقد كان مذهلاً بالفعل .. عاملٌ هام في إعجابنا بما شاهدنا .. يرسم تنفيذاً بارعاً لأجزاء السيناريو بحرفية عالية ودقيقة لم يكن يحلم بها حتى ستوبارد ونورمان .. ولعل تلك السلاسة المدهشة في ربط مشاهد البروفات والمشاهد الرومانسية على المسرح أو ذلك الأسلوب الرائع في تقديم المسرحية يجعل وجود مونتير كهذا فخراً لهذا العمل ..

مصمم الملابس ساندي باول والموسيقي ستيفن ووربيك أكملا هذه السيمفونية الرائعة وخلقا جواً رومانسياً شديد التاثير , لكن براعة مادن الحقيقية لم تتجلى في هذا المستوى التقني المتفرد بل في قدرته تطويع ذلك كله لخدمة العمل دون أن يجعل تلك المظاهر التقنية تطغى عليه وتؤثر عليه سلباً .. وهو الأمر الذي وقعت فيه أفلام مماثلة كثيرة – على سبيل المثال Vatel فيلم إفتتاح كان 2000 – بل أن هذه الحقيقة تمثل الجزء الأهم في تقدير عمل مادن ففي الوقت الذي نشاهد فيه تنفيذاً بارعاً ودقيقاً جداً ( بل هو في الواقع أدق مما قد يتصور البعض ) للتفاصيل التقنية إلا أننا نظل مأخوذين ومسلوبين تماماً بالرومانسية – الحوارات – الكوميديا- العمق .. دون أن نعير أي من تلك المظاهر إهتماماً فعلياً .. قد لا يلاحظ أحد ما أن موسيقى ( شكسبير عاشقاً ) رائعة جداً .. إلا إذا إستمع إليها soundtrack أو أغمض عينيه اثناء المشاهدة ! ( شخصياً لم أعرها إهتماماً إلا في المشاهدة الخامسة ! ) ..

أما على صعيد إدارة الممثلين فقد تمكن مادن بنجاح ملفت للنظر من صنع مزيج متناغم من الأداء على صعوبة تلك الأدوار .. بل أنه واجه تحدياً حقيقياً في صنع ذلك التناغم بتلك النوعية من الممثلين .. فبعدما خسر بسبب التأجيلات المتكررة للمشروع فرصة العمل مع جوليا روبرتس ودانيال دي لويس وجودي فوستر وميغ رايان ووينونا رايدر وكينيث براناه نجده يلجأ لممثل يخوض أول أدواره السينمائية .. ممثلة تبحث عن فرصتها الحقيقية في فيلم تاريخي .. عجوز المسرح البريطاني التي أدارها في فيلمه الماضي .. الأسترالي الأربعيني عاشق الأدوار المركبة .. ونجم أفلام دراما الشباب الإجتماعية .. ماذا فعلت يا جون مادن ؟!

جوزيف فاينز ( الشقيق الأصغر لراف ) يفرض نفسه هنا أحد نجوم عام 1998 بأداءه المزدوج في باكورة أعماله لفيلمي العصر الإليزابيثي ( شكسبير عاشقاً ) و ( إليزابيث ) ( شاركه جيفري راش العملين أيضاً ) .. ويقدم لنا ويل الشاب مجسداً فيه : ثورة الشباب .. والغرور الظاهري ( أو الثقة عن أحببتم ) .. والقلق المتجذر لدى أي كاتب مبتديء .. ويصنع وفق الخط نفسه رومانسية مرهفة .. وإبداعاً خلاقاً في تصوير الجوهر الإنساني لويل ..

الدور الأكثر صعوبة – وفق إعتقادي الشخصي – هو دور فيولا دوليسبس .. فأن ترسم شخصية لا وجود لها وسط خضم تاريخي بإحساس مرهف وخط رومانسي عميق عبر ثنائية جنس متكررة ومتناوبة هو أمر من الصعوبة لدرجة أنه يصنع خطاً فاصلاً رقيقاً بين الإقناع والإبتذال .. وليست أي ممثلة قادرة على حمل دور كهذا .. غوينيث بالترو تصنع فيولا دوليسبس من العدم .. مستغلة ملامحها .. رومانسيتها .. إحساسها المفرط بالدور .. قبولها وجاذبيتها .. أسلوبها في إلقاء الِشعر .. أحسن إستغلال لتوافق بل وتدعم الخط الرومانسي للفيلم .. والإنسجام التام بين نجمي العمل يكاد يوازي فيه كلاسيكيات السينما العالمية ..

هل يعلم أحدكم لماذا رشح أداء شخصية فيليب هانزلو للأوسكار ؟
فقط .. لأن مؤديه هو جيفري راش .. صدقوني هذه هي الحقيقة .. شخصية فيليب هانزلو ليست في الواقع شخصية مركبة .. وقد لا تكون صعبة على ممثل كوميدي مثلاً .. لكن الصعوبة تصل ذروتها مع جيفري راش .. الذي جعل كل جملة نطقها في الفيلم .. كل إيماءة .. كل تعبير وجه .. شيئاً للذكرى .. بل أن أهم إقتباسات الفيلم هي في الواقع إقتباسات فيليب هانزلو .. الشخصية الثانوية التي أقول وبثقة أنها كانت ستمر مرور الكرام لولا جيفري راش ..

جودي دنش ترسم أداءً بارداً .. قوياً .. و ملفتاً بشدة في دور الملكة إليزابيث الثانية ( بعدما لعبت دور فيكتوريا العام الماضي ) وتخطف كل المشاهد التي ظهرت فيها .. ونجحت بتميز في إيصال الضحكة دون أن يهتز لها جفن أو تفقد الملكة ذرة من هيبتها .. كل ذلك دون أن يتجاوز دورها الدقائق العشر .. وإستحقت بجدارة أوسكار أفضل ممثلة مساعدة ( مفارقة عجيبة : جودي دنش حرمتها زميلتها غوينيث بالترو من تحقيق إنجاز مميز عندما إنتزعت أوسكار أفضل ممثلة من كيت بلانشيت .. ولو تحقق الأمر ونالت الأخيرة الأوسكار لباتت شخصية الملكة إليزابيث أول شخصية تظفر بأوسكاري التمثيل الرئيسي والمساعد بعد شخصية فيتو كورليوني !! ) ..

و وراء هؤلاء هناك أداء متميز من توم ويلكنسون .. بن أفليك .. إميلدا ستاونتون .. روبرت إيفريت .. كولين فيرث ( لا أدري ما علاقة فيرث بأولاد فاينز في الأفلام الأوسكارية : خسر زوجته كاثرين لصالح راف في المريض الإنجليزي .. ثم خسر خطيبته فيولا لصالح جوزيف في شكسبير عاشقاً ! ) .. ولعل ما يلفت الإنتباه في أداءات هذا الفيلم هو ذلك البريق المشع من جميع دون أن يحاول أحدهم أن يخطف العرض لدرجة ستتذكر فيها على الدوام أشعار فاينز .. وسحر بالترو .. وهيبة دنش .. وإقتباسات راش .. وتصرفات ستاونتون .. وسطوة ويلكنسون .. وغرور أفليك ..

رشح الفيلم لثلاث عشرة جائزة أوسكار وتقاسم الليلة مع تحفة ستيفن سبيلبيرغ ( إنقاذ الجندي رايان ) .. وظفر بسبع جوائز منها أفضل فيلم وسيناريو أصلي ( فازا كذلك بدب برلين الفضي كأفضل نص ) وممثلة وممثلة مساعدة .. تاركاً خمساً لمنافسه بما فيها الأوسكار الثاني لسبيلبيرغ مخرجاً ( وهو الأوسكار الثاني له أيضاً عن فيلم يتناول الحرب العالمية الثانية ) .. في ليلة من أعنف الليالي الأوسكارية منذ المناصفة الخماسية بين ( صوت الموسيقى ) و ( دكتور جيفاكو ) عام 1965 !

(( قصتي بدأت في البحر .. رحلةٌ محفوفةٌ بالمخاطر إلى أرض مجهولة .. حطام سفينة .. الرياح العاتية تهدر وتتعالى .. المركب الشجاع تحطم تماماً إلى قطع .. وكل الأرواح التائهة في طريقها للغرق ..
من بين الجميع .. نجت واحدة .. سيدة .. نفسها أعظم من المحيط .. وروحها أقوى من قبضة البحر .. ليس لتلقى حتفها غارقةً .. لكن لتبدأ حياةً جديدةً على شاطيء غريب ..

ستكون قصة حب .. لتكون هي بطلتي إلى الأبد .. وإسمها ..
فيولا
))

شكسبير عاشقاً .. قصة ( ملهمة ) عن ( الإلهام ) .. لو شاهده ويليام شكسبير لألف مسرحية لأجله !

التقييم من 10 : 10

نشرت هذه المراجعة في منتديات سينماك بتاريخ 20 يونيو 2005