السبت، 27 ديسمبر 2008

Frost/Nixon


كتب : عماد العذري

بطولة : فرانك لانغيلا , مايكل شين , كيفن بيكون , ريبيكا هول
إخراج : رون هوارد


يحكي فيلم رون هوارد الأخير قصة المقابلة التلفيزيونية الشهيرة التي أجراها عام 1977 مذيع التلفيزيون البريطاني ديفيد فروست مع الرئيس الأمريكي المنهار ريتشارد نيكسون , بعد فترة وجيزة على إعتراف الأخير بفضيحة ووترغيت , المقابلة التي شكلت نصراً حقيقياً للشعب الأمريكي الذي ظل لفترة طويلة ينتظر سماع الحقيقة الكاملة من رئيسه الذي إنتخبه , و يصور لنا هوارد عبر ساعتين من المشاهدة الظروف و الدوافع التي ألهمت فروست كل هذا الإصرار على ترك برامجه الترفيهية و التوجه نحو إجراء المقابلة , و التحضيرات المعقدة التي لجأ إليها الرجل و طاقمه للتصدي للثقة و الدبلوماسية التي يتمتع بها الرئيس ريتشارد نيكسون , و يلامس الإحساس الصعب الذي يمر به رئيس كان في يومٍ من الأيام أقوى رجل في العالم يجد نفسه في مسآءلة مفتوحة أمام شعبه , و كيف يبدو تناقض المصالح واضحاً بين رجلين يجلسان أمام بعضهما في مكان واحد : أحدهما يستذكر مجداً زائلاً , و الآخر ينتظر مجداً قادماً .

للمرة الثالثة خلال بضعة أعوام يجدد السيناريست و الكاتب المسرحي بيتر مورغان إستنطاقه للتحولات الدرامية في الأحداث التاريخية بعد نصيه الممتازين في The Queen و The Last King of Scotland , هذه المرة من خلال فضيحة ووترغيت و فترة الأعوام الثلاث التي أعقبتها بين الخطاب الوداعي للرئيس نيكسون عام 1974و الذي شكل خيبة أمل كبيرة بالنسبة لرجال الإعلام لعدم وجود صيغة إعتراف حقيقية في ذلك الخطاب و بين رضوخه لإجراء مقابلة مع رجل الإعلام البريطاني ديفيد فروست عام 1977 , حيث يعمد النص في بداياته إلى ترسيم قوة نيكسون السياسية حتى في فترة إنهزامه السياسي , و يغذي هوارد هذه الفترة من فيلمه بالسرعة و الحيوية دون أي فقدان للتوازن , نشاهد إقتراح فروست فكرة اللقاء على محطة تلفاز لندنية في الفترة التي يدخل فيها نيكسون إلى المستشفى و يتسلم فيها فورد مهام الرئاسة مؤقتاً , لكن هوارد لا يعمد بعد هذا التأسيس إلى تجاهل الحقائق : إستمرار إقتناع فروست بالهدف من هذه المقابلة رغم معوقاتها , بينما نيكسون يبدأ الإنهيار تدريجياً وهو يبحث عمن يكتب له مذكراته و حاشيته تقترح عليه اللقاء مقابل 600 ألف دولار , حالة تصور مدى الحاجة المتبادلة للطرفين تجاه هذه المقابلة مادياً و معنوياً , هوس النجاح و الفشل الذي يتملكهما , و رغبة الإنتصار المتبادلة التي تملأهما , مع فارق بسيط و جوهري بين الرجلين : نيكسون على ثقة كاملة بأنه سينتصر , ربما لقناعته بأن فروست هو محاور من العيار الخفيف , بينما فروست شديد القلق مما سيحدث , ربما لقناعته بأن نيكسون رجل لا يمكن قهره في مقابلة تلفيزيونية , هذه الفترة يشوبها فقط شخصية كارولين كوشينغ التي لم أجد لها مكاناً حقيقياً بين شخصيات العمل , تبدو كواجهةٍ جميلةٍ و لامعة لعمل فروست و نيكسون معاً وهذا شي جيد للنص , لكن عملياً يبدو لقاء فروست بها , و موافقتها على العمل معه , و ذهابها معه للقاء الرئيس , و إنضمامها لطاقم فروست , كل ذلك يبدو مصطنعاً و فائضاً على النص ..
ما راقني كثيراً في عمل مورغان و هوارد هو ذلك الإصرار على صنع إختلاف وجهات نظر حقيقي و منطقي و دون إفتعالية , نشاهد محوراً يوحد الشخصيتين هو المقابلة المرتقبة , لكننا نشاهد بالمقابل تناقضاً في المصالح , و إختلافاً في وجهات النظر , يرى ريتشارد نيكسون بأن المقابلة هي وسيلة لإستعادة بريقه و هيبته أمام شعبه , إستعادة ثقتهم به , بينما نفس الجزئية هي ما تقلق بال ديفيد فروست : الشعب الأمريكي يريد لهذه المقابلة أن تقنعه و هذه مشكلة كبرى , يريدها أن تكون محاكمةً أكثر من كونها مقابلة , ولأن نيكسون قلقٌ من نظرة الناس له عقب ووترغيت فإن الرجل يفكر كثيراً في المدة التي ستشغلها هذه القضية من وقت المقابلة , بينما يرى مساعدوه أن الرجل يمكنه من خلال التطرق بالذات لموضوع ووترغيت أن يعيد بناء سمعته , هذا الإصرار من هوارد و مورغان تجاه رسم التناقضات شكل العمق الحقيقي الرئيسي لهذا الفيلم ..
في فترة ما قبل المقابلة يعمد مورغان و هوارد لدمج التوثيقية مع الفلاشات لإعطاء نوع من الحيوية للفترة التي قضاها كلا الطرفين في التحضير للمقابلة , وعندما تبدأ المقابلة يصر هوارد على توجيه المشاهد منذ لحظاتها الأولى ضد نيكسون , قبل أن نرى نيكسون يتفوق بالسيطرة على الجولة الأولى مجيباً خلال 23 دقيقةً كاملة عن سؤالٍ واحد فقط , إستمرار في ترسيخ صورة حقيقية و واقعية عن رئيس شديد الثقة بنفسه رغم كم المشاكل ذات العيار الثقيل التي كللت مسيرته ( هيوستن , فيتنام , كمبوديا , ووترغيت ) , الأمر الذي خلق خلال هذه المرحلة نوعاً من الإحساس لدى المشاهد بأن المقابلة هي حلبة ملاكمة ( جولات , إستراحات , مشاورات ) , و ولد شعوراً واضحاً بالإنقسام و التوتر الذي يصيب طاقم فروست خصوصاً مع إستمرار تقدم نيكسون و زيادة التأييد له عقب الجولة الثانية أيضاً ..
واحد من أفضل منعطفات الفيلم – إن لم تكن أفضلها – هو الإتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس نيكسون مع فروست ليلة الجولة الأخيرة , وهو إتصالٌ غير موثق , كما أن مورغان في ختام فيلمه يقدم تساؤل نيكسون فيما إذا كان فعلاً قد إتصل بفروست أم لا , هذه المكالمة تلخص قناعة الإنتصار التي تفرق بينهما , و نظرة كليهما للنجاح و القوة و المجد , مكالمة تعكس التدهور الغير محسوس في نفسية رئيسٍ وجد نفسه في محاكمة غير رسمية أمام شعبه , هذا التدهور كان النقطة التي إستغلها فروست و هو يتطرق لإحباط العدالة في الجولة الثالثة و يدفع نيكسون للإعتراف بأنه هو – ولا أحد غيره – المسؤول عما حدث في ووترغيت , مزيلاً الغبار عن الصورة الختامية للفيلم : القوة الحقيقية هي قوة الحق , وهي القوة التي جعلت من فروست أسطورة تلفيزيونية أواخر السبعينيات , و إستعادت لنيكسون قليلاً من الإحترام و التعاطف تجاه رئيسٍ أخطأ و إعترف ..
و رغم أن أداء مايكل شين الذي يبدو في أغلب تفاصيله ممتازاً قد إعترته بعض الإفتعالية النابعة من هوس المحاكاة تجاه شخصية فروست الحقيقية , إلا أن هذا لا يهز أداءات الفيلم قيد أنملة خصوصاً مع أداءٍ من الطراز الأول يقدمه فرانك لانغيلا لدور الرئيس الأمريكي , أداء فرانك لانغيلا هو واحد من أكثر الأداءات بريقاً هذا العام , و هو نوع من إضفاء الثقة الهشة على رئيسٍ يحتضر , صورةٌ تتضح في الفترة التي سبقت فترة المقابلة في جولتها الأولى قبل أن تتبلور تماماً في المونولوج الأدائي البديع الذي يقدمه في المكالمة الهاتفية بين نيكسون و فروست , و الذي ينجح فيه في رسم صورةٍ واضحةٍ و صادقةٍ و شديدة الإقناع للهزة التي أحدثتها فضيحة ووترغيت - و من ثمّ المقابلة -على نفسية رجلٍ كان في يوم من الأيام أقوى رجل في العالم ..
بعد فشله المدوي في تجسيد رواية دان براون الأشهر شيفرة دافنشي , يستعيد رون هوارد في Frost/Nixon بريق المجد الذي صنعه في روائعه السابقة المقتبسة من أحداثٍ حقيقية في Appollo 13 و A Beautiful Mind و Cinderella Man , و يقدم هنا واحداً من أفضل أفلامه على الإطلاق , و واحداً من نخبة أفلام 2008 .

التقييم من 10 : 9

0 تعليقات:

إرسال تعليق