الأحد، 8 فبراير 2009

Revolutionary Road

كتب : عماد العذري

بطولة : ليوناردو ديكابريو , كيت وينسليت , كاثي بيتس , مايكل شانون
إخراج : سام مينديس


اللقاء الثاني بين نجمي Titanic ليوناردو ديكابريو و كيت وينسليت بعد 11 عاماً على النجاح الأسطوري لتحفة جيمس كاميرون الشهيرة يحدث على يد مخرج أوسكاري إسمه سام مينديس , يسرد علينا من خلاله قصة فرانك و آبريل ويلر زوجان يعيشان حياة هادئة في إحدى ضواحي كونيكتيكت في خميسنيات القرن الماضي , نتأمل فيه الهزات المختلفة التي تضرب علاقة الحب التي جمعتهما و رابط الزواج الذي وحدهما , و نستمر في مراقبة الصدام الحاصل بين إمرأة حالمة ترى أن كل شيء في علاقة الزواج يمكن تغييره لو إمتلك الزوجان العزيمة و الرغبة في تغييره , و رجل مهادن , مسالم , يفضل أن يعيش في واقعه و يروضه كما يروض نفسه في تقبل بعضهما البعض على أن يتمرد عليه و يرفضه , ثم تمضي الأحداث قدماً إلى النقطة التي يرى كلاهما بأن الحياة على هذا المنوال لم تعد تطاق لكليهما , قبل أن تصل إلى خاتمةٍ تبدو تراجيديةً بحق أكثر من كونها تطهيرية .


عن روايةٍ حملت الإسم ذاته للكاتب ريتشارد ييتس , يأتي العمل السينمائي الرابع للمخرج سام مينديس الحائز في أول أفلامه American Beauty على جائزة أوسكار أفضل مخرج , و يدير في العمل زوجته كيت وينسليت إلى جوار شريكي نجاحها المدوي في تيتانيك ليوناردو ديكابريو و كاثي بيتس , في واحد من أفضل أفلام 2008 , و لا أدري حقيقةً سبب النكران الملحوظ الذي إستقبل به نقاد السينما فيلماً بهذا العمق , بهذا التعقيد , بهذه الصلابة , رغم حقيقة كون نخبة من كبار النقاد قد أنصفت الفيلم و وضعته في المرتبة التي يستحق ..

هذا الفيلم لا يبتعد كثيراً عن تحفة سام مينديس و أول أعماله American Beauty , الفيلم المتوج بالأوسكار عام 1999 , فهو يعود مجدداً إلى حياة الضواحي الأمريكية , لكن في الخمسينيات هذه المرة , يستكشف الخفي وراء السعادة الظاهرة و الحياة المثالية التي يدعي كل منا بأنه يعيشها , Revolutionary Road يغوص في العمق و ينهج نهجاً مباشراً مدروساً بعناية في تقديم أبطاله , النص لا يحتاج لأكثر من مشهد واحد ليصنع بداية للعلاقة التي توجت لاحقاً بإرتباط فرانك و آبريل , مشهد لإحدى الحفلات الإجتماعية يحضرها فرانك و آبريل فيتعارفان ثم يتزوجان , و في الواقع فإن أهمية المشهد لا تكمن فقط في تقديم علاقة الزواج التي ستربط فرانك و آبريل فحسب , بل في تقديم الجزئية التي ستفرق بينهما لاحقاً : طريقة فهم الحياة , و طريقة النظر للأمور , آبريل في هذا المشهد تسأل فرانك : ( بم أنت مهتم ؟ ) فيرد فرانك : ( لو كنت أعرف إجابةً لهذا السؤال لكنت قتلت كلينا مللاً خلال نصف ساعة ) , سطران حواريان كافيان تماماً لنعرف كيف يفكر كلاهما , ترى آبريل أن هوية الشخص و تفكيره يمكن أن تكون ترجمةً لإهتماماته , تعتبر الإهتمامات جزءاً لا يتجزأ من الحياة ذاتها , لديها أحلامها , لديها صورة تقريبية لنمط الحياة الذي تبحث عنها , على النقيض منها يأتي فرانك الذي تلخصه إجابته على السؤال , فرانك إنسان واقعي , يعيش ضمن عالمٍ له أسسه و قواعده و شروطه , يحاول أن يتكيف مع هذه الشروط أو يكيفها معه , لكنه في كلا الحالتين لا يحاول التمرد عليها أو تغييرها , هو إنسان يبحث عن حياة أفضل , لكن ليس عن طريق رفض الواقع و محاولة قلبه من جذوره , سطران حواريان ستبدو قيمتهما أثمن بكثير في التطورات الدرامية التي تحدث لاحقاً ..

ملامح هذا الإختلاف تبدو جليةً منذ اللحظات الأولى للعمل : تمرد آبريل على الواقع يجعلها تعشق مجابهة الحقيقة و الإنتصار عليها , بينما تبدو واقعية فرانك في إصراره على الإلتفاف على الحقيقة و التكيف معها , تناقض نلمحه مبكراً في مشهد عودتهما بالسيارة عقب فشل العرض المسرحي الذي تقوم آبريل ببطولته , محاولات فرانك المتكررة تهدئة زوجته , إشعارها ببراعتها الأداءية و بتميزها على زملاءها , محاولته الوقوف إلى جوارها و تجميل الواقع الذي تعيشه في فشل مسيرتها الفنية , هذا النوع من الإلتفاف لا تحبه آبريل , فتبقى طوال هذا المشهد عصبيةً و متوترةً , و كأنما هو نوع من الصمود في وجه ماحدث و رغبة في عدم الهروب أمام الواقع الذي فرض عليها , لكن لكل شيء حده , إلتفاف فرانك لا يبدي نفعاً فيضطر ليخوض مواجهةً عنيفة مع زوجته حول نوعية الحياة التي يستحقها منها , و كيف أن إنخراطها في عمل لا تبرع فيه , فقط لمجرد أنها تريد أن تقوم به , هو أمرٌ مؤذٍ لعلاقة الزواج التي تجمعهما ..

السحر الحقيقي للعمل برأيي ينبع بتقديمه الإستراتيجيتين بطريقةٍ لا تجعل أياً منهما هي الأفضل أو الأصح , ففي الخلاصة كلا الزوجين لم يحققا أحلامهما , الفيلم يرى أن الموضوع يحتاج إلى أكثر بكثير من مجرد طريقة تفكير معينة تملي عليك ما تفعله و مالا تفعله , الأمر يحتاج لصدق حقيقي و ولاء للرغبات و الأحلام التي ساورتنا حول حياتنا الزوجية ثم الإقتناع بعد كل ذلك بأن كل ما يحدث هو قدرنا و مصيرنا , فرانك ويلر كان يصلي دائماً كيلا يكون مثل والده موظفاً في شركة نوكس للمعدات , و هو حلم لم يتحقق , كحال أحلام زوجته , ذات الإهتمامات و الطموحات التي تصر على تحقيقها , و بالتالي فإن كلا الزوجين يمتلك مايحلم به , و هما رغم طريقتي التفكير المختلفتين يصلان إلى حياة مملة , مليئة بالكثير و الكثير من الفراغ , آبريل أحبت فرانك لأنه بدى لها ( أكثر إنسان مثير للإهتمام إلتقيته في حياتي ) , لكن هذه الصورة إختفت من عينيها بعد زواجهما , رأت في فرانك رجلاً بلا إهتمامات , يرغب أن يعيش حياةً هانئة و سعيدة فحسب , ذلك النوع الراكن من الحياة , الخالي من البهارات و المفتقر للإثارة , و هي الجزئية التي تصنع الصدع الأول في علاقتهما الزوجية , الصدع الذي بات يحتاج للقليل فقط ليكمل الفصل بينهما ..

الشرخ يتجلى في منعطف الفيلم الأهم , قرار القيام برحلة إلى باريس للإقامة هناك حيث تعتقد آبريل أن وظيفتها في إحدى الوكالات الحكومية ستكون كافيةً لصنع حياةٍ هانئةٍ لزوجها و أبناءها , ترى آبريل في إستمرار حياة الدعة و الإستكانة التي يعيشونها نوعاً من اللامعقولية , أن تعمل في عمل لا تطيقه و تعود لمنزل لا تطيقه و إلى زوجة لا تطيق ذات الاشياء مثلك , تلك الصورة التي يتبناها البعض بأن الحياة يتم تأطيرها بمجرد الزواج , و أن عليك أن تعتزل الحياة , و تقوقعها في بنية معينة , و تستقر بمجرد إنجاب الأطفال , هذه النظرة التي تتبناها آبريل لا تتفق مع فكر فرانك , فرانك لا يرى فيهما كزوجين أي نوع من التميز , أي جزئية تجعلهما مختلفين عن غيرهم و يفكرون بهذه الطريقة , فرانك يريد أن يعيش كما تريد له الحياة أن يعيش , يكسب لقمة عيشه من عمله في شركة نوكس حتى و إن كان لا يطيق تلك الوظيفة , يرى أن الأحلام التي تراود المرء قبل زواجه هي مجرد ترهات لا تلبث أن تنتهي بمجرد أن يفرض عليك الزواج واقعه , نوع من الإقتناع بأن الواقع الذي ترغب أن تعيشه بعد زواجك هو الواقع الاخير الذي كنت عليه قبل الزواج ..

الفيلم لا يلبث أن يرفع رتم المواجهة غير المباشرة بين العقليتين إلى ذروته من خلال إقتناع فرانك بإمكانية ماتفكر به آبريل , نوع من التوحد المؤقت للإستراتيجيتين لإتاحة الفرصة للمشاهد بمراقبة النتائج , و ربما مقارنتها مع حياة جيرانهم , ميلي و تشيب , الذين يعيشان ما يبدوا بوضوح للمشاهد بأنه حياة ممكيجة ترفض التمرد على الواقع رغم الفراغ الذي تمتليء به , يعيشان تقاليد الخمسينيات و أفكارها دون حتى أن يسمحا لنفسيهما بالتفكير لماذا يعيشانها , و يسخران من أفكار جاريهما فرانك و آبريل عندما يخبراهما بخطة السفر إلى فرنسا , كيف يرونها خطة غير ناضجة رغم ملامح الدهشة – و ربما الغيرة – التي تعلو وجهيهما , و في المرحلة التي يبدأ فيها فرانك بالإقتناع بجدوى أفكار زوجته و يبدأ باللامبالاة تجاه عمله في نوكس , يظهر جون غيفينز إبن صديقة العائلة هيلين التي تدبرت لهم شراء منزلهم , جون بروفسور في الرياضيات أصيب بإنهيار عصبي و ضعه في المصح لفترة من الزمن , و يزور الزوجين مع والديه بحكم إنجذابه نحو الحياة السعيدة التي يعيشانها ( كما صورت له والدته ) , يبدو جون و كأنما وجد في البشر ما يروي ظمأه , وجد من لا يرغب فقط بأن يعيش ( حياة ) فحسب , بل من يرغب بأن يعيش ( حياة مثيرة للإهتمام ) , و بالمقابل يعجبون بآراءه , جون يبدو و كأنما يسخر من أمه التي لطالما تصورت بأن الزوجين يعيشان حياةً مثالية , لكنها تجدهما الآن راغبين بالسفر إلى فرنسا , بينما ترى آبريل في جون نوعاً من الإنتصار لبعض مبادئها في الحياة , خصوصاً في هذا المنعطف الصعب الذي أقنعت فيه زوجها بالرحيل و ترك البلاد .

في هذه المرحلة من الفيلم يبرع نص جيسون هايثي و إخراج سام مينديس في تصوير التناوب المدروس في رغبة الزوجين بالذهاب أو البقاء مع ظهور حدثين مهمين : الأول هي الترقية التي يتلقاها فرانك في عمله في نوكس حيث يراه رئيسه مميزاً في العمل في مبيعات الحواسيب , و الثاني هو إكتشاف آبريل بأنها حامل منذ 10 أسابيع , مرحلة قلقة و متوترة و مقدمة ببراعة حقيقية لإيصال المشاعر المشوشة التي تكتنف الزوجين , الرغبة المهزوزة التي تملأهما تجاه إكمال المشروع الذي قررا أن يسيّرا حياتهما وفقاً له , فرانك يرى بأن ترقيته ستحل الكثير من الأمور , و بأن باريس لن تقدم له شيئاً إضافياً طالما أصبح مدخوله هنا مساوياً لمدخوله هناك , يرى بأن حياته هنا ليست سخيفة بالمقدار الذي يتخيله , و بأن بعض الماكياج يمكن أن يجعلها ( مثيرة للإهتمام ) , يقول فرانك ( ما نراه سخيفاً يمكن أن نقبله بتغيير مظهره فقط ) , آبريل لا ترى الأمر من هذا المنظور , ترى بأن المال ليس هو جوهر الموضوع , فكل ما سيحدث هو أن فرانك سيجني المزيد من المال , لكنه سيمضي ما تبقى من حياته في عمل لا يحبه , و لطالما صلى من أجل ألا يعمل فيه , و تطالبه بأن يواجه الحقيقة التي يتهرب منها , وهي أن سبب بقاءهم هنا هو رغبته بألا تنجب آبريل طفلاً آخراً في فرنسا ( هناك تجاهل غريب جداً لوجود الأولاد في الفيلم ) , هذه الفكرة تفترضها آبريل و ترفضها ( أتعرف ما هو الجيد بخصوص الحقيقة ؟ أن الجميع يعرفها مهما عاشوا بدونها ) , قبل أن يواجهها فرانك بحقيقة كونها تفكر بالإجهاض بحثاً عن حلم خيالي تعيشه في رأسها فقط , موضوع الإجهاض يقنع فرانك – في تحول درامي منطقي للغاية – بأن مشروع باريس هو فكرة طفولية للغاية , و بأن سفرهما بعد تحسن الظروف هو نوع من إرضاء خيال يرفض التأقلم مع واقعه ( نحن لسنا مميزين , نحن مثل الجميع ) ..

في المرحلة المهتزة ( الوحيدة ) في الفيلم يحدث رفض داخلي ( ربما ببعض الإفتعالية , و بطريقة تفتقر قليلاً للإقناع ) من آبريل تجاه زوجها , صحيح أن فرانك حرمها حلم حياتها , لكنها في الأخير بقيت إلى جواره , ومازالت تحمل طفله , آبريل تخون زوجها مع جارهم , قبل أن تعلن له بأنها لا تحبه و لا تهتم به , لكن أهمية المرحلة تتجلى فيما تطرحه , الفيلم يقول بأن المهم في حياتنا هو ليس تعبيرنا عما نشعر به , بل هو شعورنا ذاته , ترى آبريل بأنهم غرقوا طوال حياتهم في التعبير عن مشاعرهم لدرجة نسوا فيها التفكير بمشاعرهم أصلاً , و تأملها , ومعرفة حقيقتها , هنا تأتي الزيارة الثانية لعائلة هيلين , المشهد الذي منح مايكل شانون ترشيحه للأوسكار هذا العام عن أداء غاية في التمكن , تبدو مواجهة فرانك مع جون منطقية للغاية في هذا المفصل خصوصاً عقب شجاره مع آبريل حيث لم يعد يحتمل بأن يلومه أحد آخر على قرار عدم السفر إلى فرنسا , لا تبدو شخصية جون شخصيةً من لحم و دم بقدر ما تبدو شخصيةً رمزية , شخصية تطهيرية بحق , مقدمةً بإحترافية مثيرة للدهشة , جون يرى بأن فرانك عاد إلى أفكاره العقيمة , و ركن إلى الراحة و إلى الفراغ الذي كان يعيش فيه , يرى أن قرار الحمل كان قرار فرانك كي يتعمد إبقاء آبريل وراء ثوب الأمومة , فكرة تثير غضب فرانك الذي يطرده من منزله , و يتهمه بالجنون , الجنون الذي يراه في آبريل أحياناً ( أتدرين ماهو الجنون ؟ إنه عدم القدرة على التواصل مع شخص آخر , عدم القدرة على الحب ) , وحقيقةً يبقى أمراً مثيراً للدهشة و الإعجاب قدرة سام مينديس صناعة فيلم بهذا المستوى الرفيع للغاية من المشهدية , لدرجةٍ يكاد لا يوازيه فيها بين أفلام العام كله سوى Doubt و The Dark Knight , يبدو الحوار الذي يتلو مغادرة جون و والديه ملخصاً للكثير من الأمور : الآمال و الطموحات التي تعلق على الشريك , وفي كثير من الأحيان دون إستشارته , قسوة الحياة و كيف تبدو عالماً من الفانتازيا المصطدمة بالواقع , كيف تبدو هذه المرحلة للمشاهد و كأنما هي البداية الحقيقية لحياتهما الزوجية , بداية الخبرة المكتسبة من الحياة , الآمال التي لا تتحقق فنلقي باللائمة على الشريك قبل أن نتأقلم مع الموضوع و نصبح أكثر مرونةً و مطاطية مع تقدم العمر ..

في مشهد لاحق يشرح فرانك ( و لأول مرة ) لآبريل طبيعة عمله الجديد , مشهد ذكي و معمول : عن تقبل الواقع , عن الرضا , عن سد الثغرات حتى و إن بدت كبيرة أحياناً , كيف أن البحث عن التميز ليس هو المسعى بحد ذاته , بل التميز في المسعى هو الأهم , و في الأخير كل شيء سيزول و يبقى ما جمعهما أول مرة : الحب ..

عقب الخاتمة التراجيدية للفيلم , تحكي هيلين لمالكي المنزل الجدد عن الزوجين اللذين كانا يعيشان فيه , و كيف ترى بأن السكان الجدد ( مميزون ) , ذات النظرة التي نظرتها لسابقيهم , نظرة تأكيدية على أن السعادة تبدو فقط عن قرب , و ليس بالنظرة العامة للأشخاص , كيف أن السعادة الحقيقية هي ما وراء تلك القشرة اللامعة للتفاحة الذهبية , يبدو و كأنما يسترق سام مينديس روح تحفته العظيمة American Beauty و التاغ لاين الشهير الذي حمله بوسترها Look Closer ..

مباراة أدائية إستثنائية جداً بين ليوناردو ديكابريو و كيت وينسليت , برأيي هذه هي أفضل مباراة أدائية في عام 2008 , أنت لا تحتاج لأكثر من مشهد واحد لتقتنع بأنك ستشاهد الكثير منهما في هذا الفيلم , لم أشاهد منذ 3 أعوام على الأقل هذه الدرجة العالية جداً من الكيمياء بين ممثلين على الشاشة , ربما الصداقة طويلة الأمد التي جمعت الممثلين لثلاثة عشر عاماً منذ بدأ تصوير Titanic ساهمت إلى حد كبير في صنع هذه الدرجة العالية من التوافق الأدائي , أداء ديكابريو و وينسليت لا يثبت فقط بأنهما أفضل أبناء جيلهما من الممثلين و الممثلات بل يعطي صورة أبعد إلى أي مدى يمكن أن يذهب الممثلان بعيداً في مسيرة السينما , أنت تشتاق للقاءهما في هذا الفيلم بطريقة عجيبة , تنتظر كل مشاهدهما و كل ردات فعلهما , يرسمان بصورة حقيقية و صادقة ( تطغى حتى على بعض المشاهد المفتعلة للفيلم و تتجاوزها ) زوجين مشرقين و لطيفين تقسو عليهما الحياة و تطحنهما , وينجحان في تقديم الرسالة التي يرغب الفيلم بتوجيهها من خلال شخصيتيهما : الحياة ليست هي من يطحنهما بقدر ماهي آمالهما و رغباتهما و تذمرهما و عدم رضاهمها , و عندما يتخلون عن فكرة التميز يستطيعان المضي قدماً فيها ..

هناك تصوير فاتن من العبقري روجر ديكنز يمزج فيه بأناقة حرفية اللقطة مع أناقة المظهر بطريقة لا تحتاج للكثير لتأسر إهتمامك , موسيقى توماس نيومان تعلق في الذاكرة جداً , تخلق فيك ذلك الإحساس الخمسيني الذي لمسناه في أفلام أخرى سبقته مثل The Hours و Far From Heaven حول الأسرار و الخفايا المغلفة بالبهجة و السعادة , هذا الإهتمام التقني بتفاصيل العمل صنع مع التوازن الأدائي و البنائي الموجود فيه الصلابة الحقيقة للإيقاع الموجود فيه و الذي لا يشعرك ( رغم كونه في الواقع فيلم حوارات ) بالملل و لو قليلاً , بل بالعكس يزداد إهتمامك أكثر فأكثر بكل ما يحدث ..

الفيلم الرابع للبريطاني سام مينديس Revolutionary Road هو واحد من أفضل أفلام 2008

التقييم من 10 : 9