الخميس، 19 فبراير 2009

Slumdog Millionaire

كتب : عماد العذري

بطولة : ديف باتل , فريدا بنتو , مظهر ميتال , أنيل كابور
إخراج : داني بويل

يحكي الفيلم الأوفر حظاً للظفر بأوسكار أفضل فيلم لعام 2008 قصة جمال مالك فتى حي الفقراء الذي يجلس الآن على كرسي النسخة الهندية من برنامج ( من سيربح المليون ؟ ) ليس بأمل أن ينهي حياة الفقر الطويلة التي عاشها , بقدر ماهي رغبته أن يعيد الإلتقاء بحب طفولته لاتيكا المتابعة الدائمة لهذا البرنامج , لكن البرنامج ذاته – كما هي كل مفاصل حياة جمال – ليس سهلاً كما يبدو , حتى عندما يواجه الأسئلة الوحيدة التي يعرف إجاباتها , و التي تقوده إلى غرفة التحقيق بتهمة الغش في البرنامج , التحقيق الذي لا يفيد في شيء لأنهم يواجهون شخصاً وقفت وراء كل إجابةٍ أجابها في البرنامج قصة طويلة و هامة في حياته , يستعرض داني بويل من خلال كل تلك الإجابات حياة جمال مالك منذ طفولته البائسة في حي الفقراء في مومباي وصولاً إلى هذه اللحظة التي يجلس فيها الآن على كرسي أكثر البرامج التلفيزيونية شعبية في البلاد ..

هذا هو واحد من أكثر الأفلام إلهاماً على الإطلاق , ذلك النوع من الإلهام الذي لا يتجمل و لا يزيف و لا يحاول أن يبدو ذكياً و حذقاً أكثر مما يبدو عليه , عمل سينمائي يجعلك إرتدادك للوراء لمشاهدة الصورة بتمعن تكتشف كم هو بسيط و عفوي و يبدو ما يحدث فيه ضرباً من الأحلام و الفانتازيا , لكنك عندما تقترب أكثر و تتمعن فيه ترى أن هذا الفيلم لديه غذاء روحي عجيب من الإيمان بالقدر , و السعي وراء المصير , و مواجهة مصاعب الحياة , و الأمل , و التفاؤل , و الثقة بالنفس , و الحب , الكثير و الكثير من الحب الذي لا يشترى بالمال و لا تستطيع كل الظروف الصعبة التي يواجهها المرء في حياته من زعزعة ثقته و إيمانه بما في قلبه , من النادر جداً أن ترى فيلماً ينهج في جوهر قصته نهجاً يبدو فانتازياً و مبالغاً بإمكانية حدوثه لكنك لا ترى ذلك النهج يطغى أو يسيطر على المشاهد بل يتركه أسيراً له و مفتوناً به و متعلقاً و مهتماً بما يحدث لبطله , جزئيةٌ شاهدتها بقوة في فيلمين كبيرين : Forrest Gump لروبرت زيميكس , و Amelie لجان بيير جونيه , و جاء فيلم داني بويل الآن لينضم إليها ..

عن رواية هندية رائجة بعنوان ( Q&A ) للكاتب و الدبلوماسي الهندي فيكاس سوارب يأتي الفيلم الذي تدور أحداثه في مومباي الحديثة عام 2006 لكنها تعود أكثر من 10 أعوام إلى الوراء لتسرد تاريخ أبطاله الثلاثة : جمال و سليم و لاتيكا , البداية تكون بتهمة غش توجه لفتى حي الفقراء جمال مالك بتهمة التلاعب و الغش في البرنامج التلفيزيوني الشهير الذي حقق فيه حتى الآن 10 ملايين روبية و بقي له سؤال واحد لينال الجائزة الكبرى , و لأنه ما من أحد فعلها قبله كما يقول مقدم البرنامج كان لابد لشكوك منتجي البرنامج و مقدمه أن تتصاعد تجاه فتى فقير جداً يفعلها للمرة الأولى , في غرفة التحقيق لا يجد الضابط إجابة على أسئلته , لا يجد أسماء ساعدت الفتى في فعلته أو إعترافات بحصوله على معلومات من مصادر مجهولة , لكنهم يجدون تاريخاً يروى , و كأنما كل إنسان على وجه الأرض هو تاريخ متنقل على قدمين , جمال مالك له قصة , قصة يجب أن يرويها منذ بدايتها , قصة ساهمت أغلب تفاصيلها في منحه المعلومات الكافية ليجيب على أسئلة البرنامج رغم ضئالة المعلومات العامة التي لدينا , ضئالة تصل به لطلب رأي الجمهور في سؤال عن شعار جمهورية الهند , سؤال بكل بساطة لم يقدر لجمال مالك أن يعرفه لأن بيئته مدقعة الفقر التي نشأ فيها جعلت همومه محصورةً بالبقاء حياً في مجتمع لا يرحم , جمال مالك يسرد على الضابط المحقق القصة التي وقفت وراء كل سؤال من الأسئلة التي وجهت له في البرنامج , و هذه القصص المترابطة معاً تسرد على المشاهد قصة هذا الفتى الفقير منذ طفولته البائسة مع شقيقه سليم و حتى هذه اللحظة التي يتابعه فيها أكثر من 90 مليون هندي ..

بداية سليم كانت في حي الفقراء في مومباي , كتل متراكمة فوق بعضها البعض من أحياء الصفيح , كان يدير فيها عمله مع شقيقه الأكبر سليم في تأجير حمامات لقضاء الحاجة , هنا بدأ جمال و سليم رحلتهما التي قادتهم في دربين متباعدين لاحقاً , هذه المرحلة من الفيلم يقدمها داني بويل بحيوية تبعث على الإنشراح رغم قسوة ما تقدمه , شيء يظهر فيه تأثره الواضح بالتحفة البرازيلية City of God للمخرج البرازيلي فيرناندو ميريلليس , من هذه اليوميات البائسة لجمال في عمله هذا تمكن الشاب من الإجابة على السؤال السينمائي في البرنامج , و من هذه اليوميات أيضاً بدأ داني بويل برسم الصورة السلبية لشخصية شقيقه سليم الذي يسرق من جمال فرحته بصورة أميتاب باتشان الموقعة و يبيعها , و هي جزئية سيعمل داني بويل على تكثيفها لاحقاً ..
داني بويل في السؤال التالي يقدم صورة أخرى من أوجه العملة المتعددة في المجتمع الهندي المتباين , التعصب الديني , التعصب الذي فتك بحي الفقراء في مومباي عندما هاجم الهندوس حي المسلمين و أحرقوه و فتكوا بسكانه وذهبت والدة جمال و سليم ضحية لذلك أمام عيني ولديها , هنا وجد الولدان نفسيهما وحيدين فقيرين منعزلين , وهنا كان يجب لكليهما أن يكون سنداً للآخر في مجتمع مادي لا يرحم , و هنا أيضاً إلتقوا بلاتيكا التي فقدت في الهجوم ذاته عائلتها , ضموها إلى حياتهم و أطلقوا على أنفسهم إسم ( الفرسان الثلاثة ) رواية أليكساندر دوما التي قرأوها في الصف , لاتيكا تجد مكاناً لها في قلب جمال , و تبادله المشاعر ذاته , في ظل جمود واضح تحمله مشاعر سليم و ربما غيرة خفية مما يجري أمامه ..

داني بويل ينجح حتى هذه المرحلة في تقديم شخصياته بطريقة تجعلهم قريبين من قلوبنا , ليس لفقرهم فحسب , بقدر ما هو للطريقة الحيوية للغاية التي يسير بها داني بويل فيلمه , و التي تجعل المشاهد مهتماً و شغوفاً تجاه معرفة التالي , و متنقلاً بسهولة و يسر بين إجابة سؤال و آخر , مانحاً لسيناريو سيمون بوفوي الحيوي جداً قوة داخلية غير محسوسة , أنت تثار فعلاً بكل ما يحدث , تراقب , تتأمل , تنتظر , وهي جزئية مهمة لأي فيلم سينمائي خصوصاً في الثلث الأول منه و الذي يحاول دائماً خلق التواصل بين أحداثه و مشاهده ..

ما يستحق النظر بعناية إليه هو ليس فقط مقدار الإهتمام بالتفاصيل الذي يوليه النص لتقديم أحداثه ( رغم مسحة الفانتازيا فيها ) بل تمكن داني بويل من ترويض تلك التفاصيل كما يجب , و هي نقطة مهمة و محورية في أي عمل , يمكن أن يقوم عليها نجاحه أو فشله , فالتوجيه السلبي تجاه شخصية سليم على سبيل المثال ليس توجها مطلقاً تبنى الأحداث على إفتراض وجوده فحسب , بل هو توجيه يبدو من خلال التفاصيل التي ترافقه و كأنما ينبع من شخصية سليم ذاتها , لك أن تتأمل دور البطل الشرير الذي يحب سليم دائماً أن يلعبه , و هو الدور الذي يكاد يفتك بشقيقه جمال عندما يطلبه المجرم الذي يستغل فتيان الحي في التسول ليقتلع له عينيه , شخصية سليم سلبية نعم , لكنها ليست سلبية للدرجة التي قد يقود بها شقيقه إلى الهلاك و دون مقابل أيضاً , سليم و رغم إستدعائه لجمال هنا , إلا أنه يبدو و كأنما إستيقظ و أحس بخطأه فينقذه من براثن العصابة و يهرب معه برفقة لاتيكا التي يتخلى عنها في الحظة الحاسمة مكتسباً نقمة شقيقه عليه بسبب مافعل ..

النص يكتسب غناه الحقيقي بتصويره لموزاييك المجتمع الهندي و ذاكرته البانورامية و كم الحضارات و الثقافات التي تعاقبت عليه , هذه الجزئية تمثل منتصف رحلة جمال و سليم , المرحلة التي عملا فيها معاً كدليلين سياحيين في تاج محل , الصرح الأثري الذي لا يعرفان عنه في الواقع أي شيء و يظنانه فندقاً عندما يرونه أول مرة , و هي مرحلة رغم أنها تبدو جافةً نوعاً ما ربما بسبب إحساس داخلي لدى المشاهد بأنها مرحلةٌ إنتقالية تربط مرحلة إنفصالهما عن لاتيكا ثم مرحلة لقاءهما بها , إلا أنها لا تفقد الفيلم إيقاعه ولو بمقدار ذرة , جمال و سليم يتذوقان لأول مرة طعم الغنى و رائحة الدولارات , و هي نقطة تزيد من تعميق الهوة بين الشقيقين بسبب وجود شرخ واضحة في طريقة تفكير كليهما , سليم يعتبر النقود هي منبع القوة الأول و بها يمكنه أن يفعل أي شيء و نصل إلى أي مرتبة , و جمال يعتقد بأن القوة الحقيقية هي قوة داخلية نابعة من كون نفوسنا حية و غنية و راضية و أن الشيء الذي يمكننا أن نفعله و المرتبة التي يمكننا أن نصل إليها يبقى قدراً لا مهرب منه , و مصيراً لا رجعة عنه ..

الشقيقان يعيدان الإلتقاء بلاتيكا , لكنها عودة تحمل جرحاً عميقاً لجمال الذي تسرق منه لاتيكا أمام عينيه بالقوة من قبل سليم و تتركه راضيةً كيلا تسبب له المزيد من المشاكل , ليبدأ رحلةً جديدة من العذاب و البحث عنها و إستعادتها , علاقة سليم بلاتيكا تذكرني بالمثلث الشهير الذي قدمته تحفة سيرجيو ليوني العظيمة Once Upon a Time in America حول الرفيقين الذين يقع أحدهما في الحب فيحاول الآخر أن يفرقه عمن يحب قبل أن يستحوذ هو نفسه عليها , هذا المثلث موجود هنا أيضاً لكن ليس بذات البناء أو التكثيف , لكنه يصل بوضوح , فملامح التعامل السلبي لسليم مع لاتيكا بدأت منذ أن لمحها أول مرة عقب المجزرة الهندوسية ثم رفض إيواءها في المطر , قبل أن يهب لنجدتها مع جمال و ينقذها من العصابة و يقتل زعيمها ثم يسرقها من شقيقه عندما أصبح عضواً مهمة في عصابة أخرى منافسة كمكافأةٍ له , علاقةٌ ربما تزيد أكثر فأكثر في تعميق الصورة السلبية لسليم , لكن ما يهمنا هنا هو ذلك الحب الذي لم يمت و تلك العاطفة التي لم تتوقف في قلب جمال تجاه لاتيكا , عاطفة ساهم الإختيار الممتاز للممثل الطفل الذي لعب دور جمال في المرحلة الأولى من الفيلم في جعلها حقيقية و صادقة , هذا الطفل أظهر جمال بصورة حيوية قريبة للغاية من القلب , أظهره محبوباً فعلاً , و ذو روح حية , و يعتمد عليه , أو كما يقول أشقاؤنا المصريون ( جدع ) , و عندما تمر الأحداث تبقى صورته و صورة ولعه بلاتيكا ماثلة أمامك كمشاهد و مانحة منطقية أكثر للدافع الذي مازال يحرك جمال طوال قرابة عقد من الزمان تجاه فتاة تعلق بها منذ كان طفلاً ..

في المرحلة الأخيرة من الفيلم يطل نص سيمون بوفوي و إخراج داني بويل على الهند المعاصرة , على الثورة الصناعية و العمرانية فيها , يقول سليم لجمال ( الهند أصبحت الآن مركز العالم , و أنا في مركز المركز ) , هذه الصورة البانورامية الرائعة التي تناولها النص في سرده للهند خلال الأعوام العشرة الماضية , جعلت من قصة جمال مالك التي تسافر عبر هذه السنوات العشر في بيئات و تنوعات مختلفة من الهند أقرب إلى ( فوريست غامب هندي ) , و ما يستحق النظر له بعين الإهتمام هو أن داني بويل ينجح في فعل ما فعله روبرت زيميكيس حيث روض فانتازية نصه بطريقة يجعله ملهماً و مغذياً للروح بطريقة مدهشة , داني بويل و على طريقة المسحة الفانتازية الموجودة في أغلب الأفلام الهندية يبدو و كأنما يقول بأنه حتى إفتعالية الأفلام الهندية و تلك الملامح الفانتازية في السرد التي تطغى عليها يمكنها أن تصنع فيلماً عظيماً , هذا فيلم للتاريخ , للمشاهدة , للذاكرة ..

في الهند المعاصرة يلتقي جمال بلاتيكا مجدداً في مشهد دراماتيكي مؤثر , لكنها تسرق منه مجدداً من قبل سليم الذي يمنعها من الرحيل معه في اللحظات الحاسمة , هنا يبدو النص و كأنما يعمل على رش البهارات النهائية على الأبطال الثلاثة : روح جمال المحببة , لؤم سليم و حقارة ما فعله بشقيقه , و الحب الذي لم يمت في قلب لاتيكا رغم أنها إعتقدت ذلك , يدخل جمال مالك مغامرة ( من سيربح المليون ؟ ) لسبب بسيط ( لا أعرف إلى أين أخذوها , دخلت العرض لأنني واثق بأنها ستشاهده ) , كل تلك التفاصيل كانت لتبدو ضرباً من الفانتازيا و سيلاً لا يتوقف من الحظ و المصادفات لو لم يتمكن إخراج داني بويل الممتاز من السيطرة عليه و ترويضه حتى في أكثر لحظات الفيلم فانتازيةً كتلك التي يحرر فيها سليم لاتيكا في اللحظات الأخرى من حياته و يمنحها سيارته و هاتفه لكي تتمكن من العثور على جمال مجدداً قبل أن ترد على إتصاله عندما قرر الإستعانة بصديق , لحظةٌ على فانتازيتها وجدت لها إخراجاً عبقرياً جعل القلوب تخفق بحق و هي تترقب ما سيحدث رغم أن لاتيكا بكل بساطة لا تجيب أصلاً عن السؤال , لحظة عن قوة الحب و كيف جعلنا داني بويل – و لو للحظة واحدة – نعيشه معهما بدلاً من أن نراقبه , خصوصاً عندما يسألها جمال أثناء مدة السؤال ( أين أنت ؟ ) سؤال على غرابته يبدو صادقاً فعلاً و نابعاً من القلب بفعل أداء حساس و ذكي من ديف باتل و فريدا بانتو ..

جمال في الختام إنتصر لروحه , القلب الذي عانى الويلات في سنوات عمر قليلة لكنه بقي حياً ينبض بالحياة و الأمل و التفاؤل , و بالحب , ظل طوال حياته يبحث عن الغنى الداخلي لنفسه و مؤمناً بأن كل شيء آخر يحيط بذلك هو قدر و مصير لا مهرب منه , يغامر بـ 10 ملايين روبية في إجابةٍ لا يعرفها لأنها يعرف بأن المكتوب مكتوب , و أنه لو كان له أن يخسرها الآن فقد خسرها قبل دخوله إلى البرنامج , و لو كان له أن يكسب لاتيكا الآن فقد كسبها منذ آواها أول مرة من المطر , فيلم رائع عن القدر و المصير الذي لا مهرب منه , و الذي بتسليمنا به يمكن أن نتكيف مع كل عقبات حياتنا , طالما أننا لم نخسر معها أرواحنا , و طالما ما زال قلبنا ينبض بالحب ..

فنياً يتألق تصوير أنتوني دود مانتل و موسيقى أي آر رحمان في خلق جو بديع من الحيوية الطاغية في الفيلم , يكاد يكون لكل مرحلة من الفيلم طريقة تصويره الخاصة و فلتره الخاص و موسيقاه الخاصة خصوصاً مع تقديم الفيلم لترجمة اللغة الهندية مكتوباً ضمن كادر الصورة لمنح اللقطة المزيد من الحيوية , كل هذا يسانده مونتاج من العيار الثقيل من كريس ديكنز يتطلبه سيناريو بمثل هذا التعقيد السردي , كريس ديكنز يخلق إحساساً من التوحد و الإنصهار في مراحل العمل بطريقة لا يبدو فيها العمل مجزءاً أو مروياً بطريقة القصص , بل يدعم وحدة النص و يقدم صورة متماسكة و أنيقة في ترابطها و تداخلها ..

Slumdog Millionaire واحد من الإشراقات الحقيقية في سينما 2008 , و تتويجه بعد 3 أيام بسبع جوائز أوسكار هو الأقرب إليها ( كأفضل فيلم و مخرج و سيناريو مقتبس و تصوير و مونتاج و موسيقى تصويرية و أغنية ) سيجعلها لحظة إنتصار حقيقيةً لداني بويل الذي ألهب أكف المصفقين هذا العام بواحدٍ من نخبة النخبة في إنتاجات 2008 ..

التقييم من 10 : 10