الخميس، 26 مارس 2009

Gran Torino

كتب : عماد العذري

بطولة : كلينت إيستوود , بي فانغ
إخراج : كلينت إيستوود


والت كاوالسكي مقاتل سابق في الحرب الكورية مازال مطارداً بالرعب الذي عاشه في تلك الحرب , يعيش الآن في أحد الأحياء الهادئة في مدينة ديترويت , تنتهي ربما آخر الإضاءات الروحية في حياته بوفاة زوجته , و يبدأ روتين حياته البائسة الذي يبدو عديم المذاق خصوصاً بالنسبة لرجل ما زال يعيش في الخمسينيات عندما عمل في شركة فورد للسيارات و خاض بطولاته القتالية في حرب الكوريتين , لكن حياته تبرق من جديد دون إرادته مع تعرض أحد جيرانه من أقليات الهمونغ الآسيوية للمضايقات من قبل أحد أقاربهم المنضمين لإحدى العصابات , والت كوالسكي يطرد العصابة من حيه و ينهي هذه المشكلة , لكنه لم يدرك بأن علاقته بجيرانه النازحين ستصبح رحلته التي إنتظرها طويلاً نحو الخلاص من تاريخه الدامي ..


الفيلم الثاني لكلينت إيستوود خلال عام 2008 لم يبتعد كثيراً في مستواه الفني عن فيلمه الأول , بل لا أبالغ إذا ما إعتبرت بأن هذا الفيلم لم يتفوق أبداً على فيلم كلينت إيستوود الآخر Changeling على عكس ما رأى الكثيرون , يفتتح كلينت إيستوود فيلمه هذا في الكنيسة , مشهد يودع فيه الرجل زوجته و رفيقة دربه , هذا المشهد يبدو ممتازاً في جزئية و سيئاً في جزئية أخرى , جزئية الإمتياز التي يقدمها كلينت إيستوود في هذا المشهد آتية من مسحة الغموض الذي يلف الشخصية مقارنة بطبيعتها التي سنكتشفها لاحقاً , هناك إحساس خاطيء ينتاب المشاهد في كون الرجل إنساناً متديناً خصوصاً بأنه يشمئز من أحفاده الأطفال الذين يستهزئون بالدين و يلوثون روحانية الكنيسة و هو شعور لا نلبث لاحقاً أن نكتشف أن الرجل لا يعدو كونه إنساناً ساخطاً على الأجيال الصاعدة و على مقدار الإنفلات الذي أصابها , و أن علاقته بالكنيسة هي أسوأ بكثير مما يبدو عليه المشهد الإفتتاحي , الغموض ذاته نلحظه في ترسيم علاقة الرجل بزوجته , النص و كأنما يتعمد ألا يقدم حقيقة ما مثلته زوجته بالنسبة له , فلا نشاهد مشاهد عاطفية أو وداعاً ممزوجاً بالحسرة , لكن هذا الغموض ما سيلبث أن يتكشف عندما نراقب حياة الفراغ الواضحة التي سيعيشها الرجل بعد رحيلها , جزئية الغموض التي يلف بها النص شخصية والت لا تلبث أن تنسف بنهج المباشرة الذي يعمد إليه النص في الحوار الذي يجري ضمن الكنيسة بين ولديه و يسرد على لسانيهما حال الرجل و تاريخه , هذه مباشرةٌ لا أحبذها و تبدو أقرب إلى التلقين الذي لا يتناسب مع الطريقة التي عودنا كلينت إيستوود أن يقدم شخصياته بها ..

لا يستغرق الفيلم وقتاً طويلاً قبل أن نقرأ والت كوالسكي من خلال حياته اليومية , عنصريته تجاه جيرانه الآسيويين , علاقته السيئة بالكنيسة , كرهه لكل ماهو وافد و دخيل على المجتمع الأمريكي : كرهه لسيارة اللاند كروزر التي يمتلكها إبنه , إحتقاره لطريقة الذبح لدى جيرانه و لتقاليدهم , في الواقع لا تبدو شخصية والت كوالسكي بعيدةً كثيراً عن شخصية فرانك دن في Million Dollar Baby علاقته الروحية المعقدة , علاقته الفاترة مع أولاده , الوتر المقطوع بينه و الكنيسة , و تذمره الدائم من كل ما يحيط به , و لا يحاول كلينت إيستوود ( رغم قوة أداءه ) خلال هذه الفترة من الفيلم صنع تميز أدائي حقيقي فعال يمكن أن يصنع فارقاً حقيقياً بين الشخصيتين , الوضع يختلف لاحقاً عندما تنقلب الشخصية , فالإهتمام الذي يبديه كوالسكي تجاه جاره تاو ينهج نهجاً مغايراً لذلك الذي يبديه فرانك دن تجاه ماغي فيتزجيرالد , كلينت إيستوود يتفهم جيداً أن شخصية كوالسكي لا تحتمل مطلقاً إنجرافاً عاطفياً تجاه كفاح صديقه الذي يحاول مساعدته كحال ذلك الذي حدث مع فرانك تجاه ملاكمته , هذا التفهم بالذات هو ما صنع القوة الحقيقية في أداء كلينت إيستوود في هذا الفيلم ..

علاقة والت كوالسكي بالكنيسة تبدو واضحة و مرسومة بدقة , الرجل يعتبر أن الدين ليس لأمثاله بل لفاقدي الأمل و من يؤمنون بالخرافات , و ربما تبدو زيارة القس المتكررة دافعاً له لإيضاح نظرته , الرجل لا يعرف عن الحياة و الموت الذين يذكره بهما القس سوى شيء واحد : قتل رجالاً كثيرين في كوريا , قتل فتيةً في السابعة عشر بالمجاريف , صورة الموت إنطبعت في عينيه إلى الأبد , و ملأت حياته بالكثير من التشويش , تشويش منبعه جهله حتى هو نفسه مالذي يريده من حياته , هل يريد إكمالها كما هي بالصور ذاتها التي ما زالت تطارده منذ خمسين عاماً ؟ أم هو يبحث عن الخلاص الذي لا يبدو بأنه سيأتي ؟ هذا الحوار عن الحياة و الموت مع قس الكنيسة رغم أهميته إلا أن المشهد لا يخلو من تصنع خصوصاً بأنه ينتهي و كأنما إقتنع والت كوالسكي - المتذمر دائماً - بكلام القس ..

العلاقة ذاتها ما تلبث أن تتضح أكثر من خلال فكر والت كوالسكي الذي يسيِّر حياته , عندما يتصدى للعصابة و ينقذ جاره و يأمرهم بالإبتعاد عن مرجه , يواجهه قس الكنيسة عقب هذه الحادثة ( لماذا لم تتصل بالشرطة ؟ ) فيرد ( لقد صليت لكي يظهروا فلم يستجب أحد ) , و كأنما جزء من حنق الرجل و تذمره الدائم نابع من جوهر العقلية التي يعيش بها , والت كوالسكي حل مشكلة العصابة بطريقة كوريا , مازال يعيش في كوريا , بعقلية المحارب الذي لا يعرف سوى حل واحد للشعور بالأمان : بندقيته العتيقة , رجل يرمي كل أعباء حياته وراء ظهره , يزيحها من طريقه و يمضي , لكنه يتناسى بأن كل شيء أزحته من طريقك أصبح خلفك , و أن الماضي الذي تخلفه وراءك لا يموت , يعيش حياته بعقلية المحارب , ذات المحارب الذي ما زالت ذنوبه تطارده في حياته , دون أن يجد طريقاً مقنعاً يمكن أن يخلصه منها , والت كوالسكي يخرج سيارته الغران تورينو 1972 التي كانت هدف عملية السرقة و يقف ليتأملها بنظرات العجوز المنهك , و كأنما ويليام موني يأخذ إستراحةً لدقائق , ويليام موني و والت كوالسكي و فرانك دن يعيشون المأساة ذاتها : وطأة الثقل الذي يحملونه بسبب ماضيهم الذي يرفض أن يطاوعهم و يرحل للأبد ..

مشكلة الإصطناع التي تعتري النص أحياناً تتكرر لاحقاً في الآلية التي يحاول بها تأسيس علاقة كوالسكي بجيرانه بعدما رفضهم أكثر من مرة , و المشهد الذي ينقذ فيه كوالسكي إبنتهم من عصابةٍ زنجية ترسخ هذا , و كأنما يمعن النص في رسم صورةٍ فسيفسائية لمحيط والت كوالسكي بطريقة تجعل هذه الصورة الفسيفسائية بالذات هي من تصنع الحدث ( ذات النقطة التي أنتقدها في Crash ) , فتاة الهمونغ تتعرض مع صديقها الأبيض لتحرش من عصابةٍ زنجية في مشهد أقرب للفقاعة التي تولد فجأةً في سياق الأحداث ثم تنفجر , بإنفجارها تصبح علاقة والت كوالسكي أخيراً جيدة بجيرانه الهمونغ الذين نزحوا إلى أميركا من فيتنام حيث أستهدفوا و قتِّلوا ..

بزوال هذه الفقاعة ( المفتعلة بشكل صارخ ) يبني النص علاقة الرجل بمجتمع الهمونغ المجاور بطريقة جيدة , هو يصور بطريقة مقنعة مقدار الكرم الكافي لتغيير شخصية عنصرية مثل والت كوالسكي , و الطريقة التي يتعامل بها جيرانه مع بطولاته و كم الهدايا و الإغراءات و اللطف و حسن التعامل الذي يبدونه تجاهه خصوصاً في حفل الغداء الذي يحضره في منزلهم يبدو مقنعاً إلى حد بعيد بإمكانية أن تلين شخصية كوالسكي عن بعض معتقداتها عن العصرنة و الحداثة و الدخلاء الأجانب , هذه المرحلة و المرحلة التي تليها تعزز بقوة توجهاً كوميدياً واضحاً كان يظهر في الفيلم في مراحله السابقة من حين لآخر , هو يبدو و كأنما ينهمر في هذه المرحلة البنائية , خصوصاً في الطريقة التي أصبح يروق فيها للولت كوالسكي إستقبال الهدايا من جيرانه , أو بالطريقة التي ينفذ بها عقوبة تاو الذي يجب أن يكفر عن فعلته , تبدو جملة كوالسكي ( إذهب و عد الطيور فأنتم جميعاً جيدون في الرياضيات ) بقدر ظرافتها تصويراً للحاجز المرسخ بين الشرق و الغرب , الصورة المسبقة المبنية في ذهنية كل منهما , لكن دعوة النص لكسر هذا الحاجز من خلال علاقة كوالسكي بجيرانه و بمجتمعه تبدو مصطنعةً في بعض أركانها , لك أن تتأمل زيارة كوالسكي للطبيب حيث نشاهد هناك موظفة إستقبال محجبة و طبيبة صينية !! , هذا الإسراف المبالغ به في تقديم موزاييك المجتمع يخلق سذاجة لا تتناسب برأيي مع نوعية نصوص كلينت إيستوود ..

الإفتعال في النص يتكرر و يتكرر و يتكرر في الطريق نحو الخاتمة , و لا أدري لماذا أسرف النص في تصوير مدى أهمية الغران تورينو لكوالسكي و مقدار ما تمثلها له , إذا كان سيمنحها بكل بساطة لتاو الذي يريد أخذ صديقته للسينما , هناك إصرار عجيب لدى النص في تصوير كوالسكي كرجل يبحث عن الخلاص و التكفير , لكن النص يتناسى أن يمنح قبل كل شيء منطقية لذلك التكفير و للآلية التي سيتم بها , و نمط العلاقة التي يبنيها و يعززها النص بين كوالسكي و تاو ( وهي أقرب لعلاقة التابع و المتبوع ) تفقد هذه الخطوة منطقيتها خصوصاً مع الأهمية التي تمثلها السيارة لكوالسكي و التي يمكنه أن يقتل من أجلها , هذه الإفتعالية تكتمل في ذروة الفيلم مع قرار الرجل المجنون مواجهة العصابة , قرار لا يبدو أقرب للإنتحار , بل هو إنتحار بحد ذاته بالطريقة التي يقدم فيها الرجل نفسه أضحيةً دون ثمن , خاتمة لا تخدم أي شيء في الفيلم لأن الشخصية لم تقدم و لم تتطور بطريقة تحتمل نهايةً مأساوية كتلك , قبل أن تأتي وصية الرجل لتكمل الإفتعالية في الختام ..

في إعتراف كوالسكي للقس في ذروة الفيلم يسأله القس ( كيف هو شعورك عندما تقتل رجلاً ؟ ) فيرد كوالسكي ( الأسوأ منه هو شعورك بمنحك ميدالية لقتل طفلٍ أرد الإستسلام ) , فيلم كلينت إيستوود الأحدث ( و أنجح أفلامه في تاريخ شباك التذاكر الأمريكي ) فيه الكثير و الكثير الجيد , و فيه أداء ممتاز من محارب هوليوودي عتيق إسمه كلينت إيستوود , لكن هذا الفيلم حاول أن يأكل بيديه , فضاع فمه بين يديه , إصراره على التكثيف المبالغ به للموزاييك المحيط ببطله المتذمر و في الوقت ذاته إصراره على بناء شخصية بطله بحدودٍ و ملامح واضحة , جعلت محاولة التقريب بين الطرفين صعبةً و لم يكن النص ذكياً كفاية ليوازن هذا التقارب فإنزلق أحياناً في نهج الإفتعالية وصولاً لخاتمةٍ غير مرضية أراد ربما أن يحاكي بها خاتمتيه العظيمتين في Unforgiven و Million Dollar Baby , فيلم عن الذنب , عن الماضي , عن القوقعة التي نصر على أن نعيش فيها , لكنه رغم ذلك لم يخدم هذه الجزئيات كما عودتنا أفلام العجوز السبعيني ..

التقييم من 10 : 7