الجمعة، 31 يوليو 2009

Terminator Salvation

كتب : عماد العذري

بطولة : كريستيان بيل , سام وورثينغتون , برايس دالاس هوارد
إخراج : ماك جي


على الرغم من كل شيء , تبقى سلسلة Terminator واحدةً من أكثر السلاسل تغلغلاً في ذاكرتي السينمائية , ربما هو جيلٌ بأكمله ذلك الذي نشأ على نظرات أرنولد شوارزنيغر النارية في الجزئين الأوليين منها و الذي فصلت بينهما أعوامٌ سبعة , و على الرغم من إحساس المرء بأن القيمين على السلسلة لن يتوقفوا عن إضافة أجزاءٍ أخرى منها كلما سنحت لهم الفرصة , بفعل المنافذ القصصية التي يتم إضافتها في كل فيلمٍ من السلسلة , إلا أن مقاومة مشاهدة جزءٍ آخر منها يبدو أمراً من الصعب تحقيقه , نعم هو فيلمٌ عن المقاومة , لكنك لن تحصل عليها فيما يخص مشاهدته ! ..

الإصدار الرابع من سلسلة الخيال العلمي الشهيرة , يأتي إمتداداً لما يحدث طوال أكثر من 48 عاماً من الأحداث , منظومة الدفاع الآلي Skynet التي تسيطر على كوكبنا تبحث عن الرجل الذي أقض مضاجعها و حول مستقبلها إلى جحيم , جون كونور , أرسلت له من يقتل والدته قبل أن تنجبه عام 1984 , ثم أرسلوا له من يقتله في سن الثالثة عشرة , ثم جعلوه هدفاً للمرة الثالثة في يوم الدينونة عام 2004 , و الآن سيستهدفونه من جديد في عام 2018 , الآن و قبل 14 عاماً من مقتله : جون كونور هو الزعيم الميداني للمقاومة البشرية .

بداية الفيلم تبشر بالكثير , ربما بسبب الفجوة الجديدة التي تفتحها في البنية القصصية للسلسلة , في عام 2003 نشاهد الدكتورة سيرينا كوغان المسئولة في أنظمة سايبردين تقوم بزيارةٍ إلى سجن ولاية كاليفورنيا لإقناع سجينٍ محكومٍ بالإعدام يدعى ماركوس رايت بالتبرع بجسده للأبحاث العلمية عقب إعدامه للتكفير عن ذنوبه , مقدمة بعيدة جداً عن الأحداث الرئيسية , و هو أمرٌ من الجيد الإستهلال به , بعد عامٍ واحدٍ من ذلك كانت منظومة الدفاع الآلي Skynet تسيطر على كوكب الأرض عقب تمردها النووي المدمر الذي عرف حينها بيوم الدينونة , قصتنا ستكون في عام 2018 حيث أسطورة مقاومة الروبوتات جون كونور الناجي من ثلاث محاولات إغتيال إرتجاعية إحداهن في يوم الدينونة ذاته يقود حملةً على قاعدةٍ تابعةٍ لسكاي نت , و هناك يكتشف الرجل مجموعة من البشر المحتجزين بغرض إستخدامهم لتطوير روبوتات فائقة الإنسانية , لكن كتيبته بأكملها تنسف في إنفجارٍ نووي , و رجلان فقط يخرجان من الحطام , كلٌ في طريقه : جون كونور , و ماركوس رايت !

باكراً يخبرنا ماك جي وكتاب النص جون دي برانكاتو و مايكل فيريس بأننا تجاوزنا الخط النفسي الذي سرنا عليه في أفلام السلسلة الثلاثة السابقة , يوم الدينونة قد حدث الآن , و جون كونور تولى بالفعل قيادة المقاومة الميدانية بينما قادته الكبار يقيمون في غواصة نووية آمنة بعيداً عن سيطرة سكاي نت , لكن المؤسف هنا هو شعورنا بأن الغرض الذي يهدف إليه الفيلم يبدو تائهاً منذ البداية , و عدم شعورنا بقوة الخصم على الرغم من كل تجهيزاته هو إحساس لا يخطئنا , البنية القصصية للحبكة تبدو بسيطةً هنا , و تصبح أكثر بساطةً بسبب تعامل ماك جي معها , الأمر الذي حولها إلى معركة محسومةٍ تقريباً من قبل طرف ما طال الزمان أو قصر , ماك جي يفشل في إشعارنا بأي قلق أو خوف على أبطاله , وهذا أمرٌ لا يخدم عمله في هذه المرحلة المبكرة .

الجنرال آشداون ( يؤديه مايكل آيرونسايد في أول عملٍ أشاهده فيه بعد Scanners ) يعلن إكتشاف المقاومة لذبذبة إتصالٍ سرية قادرة على تعطيل آلات سكاي نت , و يخطط لشن هجومٍ على قاعدة سكاي نت خلال أربعة أيام رداً على قائمة القتل الجديدة التي وضعها أعداؤهم , في القائمة يوضع جون كونور ثانياً , وراء كايل ريس , الرجل الذي أرسله جون كونور - بعد ذلك بأعوام – عبر الزمن لينقذ والدته - قبل إنجابه - من هجوم الآلات كمحاولةٍ إستباقية للتخلص منه , كايل ريس أنقذ سارة كونور و أصبح والد إبنها جون .

قادة المقاومة لا يستوعبون جيداً أهمية كايل ريس بالنسبة لما يحدث , و مع وجود جون كونور في وضعٍ آمن , فإن تأجيل العملية الأهم من أجل إنقاذ مواطنٍ مجهول يدعى كايل ريس تبدو أمراً غير مبرر , جون كونور يصر على تأجيل الهجوم لإنقاذ كايل ريس , و مع إصطدام رأيه بالرفض يبعث الرجل برسائله الصوتية إلى كل رجال المقاومة في العالم , رسالة تصل إلى إحدى قفار لوس أنجلوس , حيث يختبيء ثلاثة أشخاص بعيداً عن أعين سكاي نت , ماركوس رايت و كايل ريس و رفيقته الصامتة ستار , الإرسال يحدد لهم هدفاً يسعون نحوه , لكن مسيرتهم يعترضها هجوم عنيف من سكاي نت يؤدي لإحتجاز كايل ريس و ستار و العشرات الآخرين من البشر .

في هذه المرحلة من الفيلم ينجح ماك جي في رفع وتيرة الإثارة في فيلمه , و تحول الأنظار من مطاردة جون كونور إلى التكثيف على جبهة لوس أنجلوس يلهب حبكة الفيلم و يغذيها على الرغم من كل شيء , و لن نستطيع في هذه المرحلة أن نهتم بأي شيءٍ آخر سوى ما نشاهده , و هو أمرٌ يعد ممتازاً لنصٍ كهذا يفقد عمقه الإنساني منذ البداية , و بالتالي تكون محاولة رفع رتم الإثارة الآن على حساب أي شيء آخر أمراً جيداً بالنسبة له .

لكن .. ما يلقي على هذا الفيلم بعض المسئولية ضمن أفلام السلسلة هو كونه يتعامل بالذات مع الفترة التي أعقبت الإنفجار النووي , و ليست الفترة التالية مباشرةً بل الفترة التي أعقبته بـ 18 عاماً , و مع ذلك لا يحاول النص أن يجهد نفسه في شرح الظروف الجديدة و العالم البديل الذي نشأ بعد يوم الدينونة , الطريقة التي يعتاش به الناجون , ماذا يزرعون و أين يسكنون , كيف يحصلون على الوقود , كيف يصنعون مستلزماتهم , كيف يسيرون حياتهم , أنت ترى عالماً يحيا لكنك لا تستوعب تماماً كيف يحيا خصوصاً مع كل هذا الدمار الذي تسببه الحرب الطاحنة بين المقاومة و الروبوتات , النص يحاول فقط أن يقدم لك الواقع الجديد لكنه لا يرهق نفسه و لا يستنزف وقته في شرحه و بالتالي يفقد وتره الإنساني باكراً جداً , لأنه يخسر إهتمام مشاهده تجاه الإنسان فيه , و يحاول الإلتفات منذ البداية في التأسيس لمغامرة أكشن لا تؤتي ثمارها كما يجب .

ماركوس رايت ينجو مما يحدث و ينقذ إحدى قائدات طائرات المقاومة و تدعى بلير ويليامز , التي تقوده إلى قاعدة جون كونور ليعالج من لغمٍ مغناطيسي , و هناك يكتشف رجال كونور أن ماركوس رايت هو آلةٌ بأعضاء بشرية فائقة , أكثر تفوقاً من أي جيلٍ آخر من المدمرين الذين أنتجتهم سكاي نت , لكن المثير أن ماركوس رايت على قناعةٍ كاملة بأنه أنسان و ليس آلة , و مع إصرار جون كونور على إحتجاز الرجل لثقته بأنه مجرد محاولةٌ أخرى لقتله , تنقذ بلير ماركوس في تصرفٍ يبدو غايةً في الإسفاف خصوصاً مع كونه يأتي من إمرأةٍ خبيرة و متمرسة و تعرف كل حيل سكاي نت , ماركوس – الذي يبدأ إنقسامه العاطفي و تشويشه بالتجلي في هذه المرحلة - يجد طريقه نحو مقر سكاي نت , الوجهة ذاتها التي ذهب إليها جون كونور لينقذ والده المستقبلي , ماركوس ينقذ كونور و يتحالفان معاً لتعطيل دفاعات سكاي نت و إنقاذ كارل ريس , ماركوس يفعل كل ما بوسعه , لكن حقيقة كونه جزءاً من مؤامرةٍ ذكيةٍ للغاية للقضاء على جون كونور و كارل ريس معاً تفتك به , و عندما ينتصر ماركوس في الذروة يكون هذا لأن نصفه البشري قد إنتصر , و عندما يفقد جون كونور قلبه في الختام يمنحه ماركوس قلبه كنوعٍ من الخلاص , الخلاص الذي لم يجده كبشري وجده أخيراً كآلة , تنازل عن بشريته من أجل إنقاذ البشر ..

و على الرغم من هذا البعد الإنساني للحبكة و الذي يبدو كنزوةٍ قصيرة إلا أن الفيلم في ذروته يحصل على قشته اللازمة لقصم ظهر البعير , حيث يبدو النص مشوشاً بين خلق التكثيف المطلوب على شخصية جون كونور , وهي هدف السلسلة منذ البداية , أو الإغراق في صنع بعدٍ عاطفي في قصة ماركوس رايت الذي يريد الإنتقام ممن فعل به هذا , الفيلم يبقى على ضياعه منذ البداية , و كاتبا النص يعجزان حتى عن مجاراة الجودة المتواضعة لنصهما السابق في Terminator 3: Rise of the Machines , يبدو الفيلم و كأنما هو في مفترق طرق : هل أريد مغازلة العواطف ؟ أم أريد إرضاء البصر؟ طالما هو عاجزٌ عن التوفيق بينهما في حبكةٍ كهذه , الفيلم للأسف يعجز عن التمسك بأيٍ من الجزئيتين , فلا عواطفنا تجاهه تكتمل , و لا إثارته ترتقي لتلامس طموحاتنا و ما إنتظرناه منه , و مرحلة الصراع في مقر سكاي نت على الرغم من إثارتها تبدو إهتزازاً مثالياً عنيفاً في ذروة الفيلم , ومحاولة إلقاء الثقل عليها لإعادة التوازن لمشاهد الأكشن الباهتة في الفيلم تبدو كمحاولة آخيرة غير مجدية تماماً , شاهدنا الأمر و كأنما هو قصةٌ تعاد و نعرف تماماً كيف ستنتهي , و لن تجدي معها محاولة رش بهارات لا مذاق لها على الحبكة خصوصاً و أنت تدرك مسبقاً بأن خصومك هنا هم مجرد آلات لا يمكنها التفكير بطريقةٍ إنسانية , لذلك وجب على صناعه أن يدركوا جيداً أن عملهم يفتقر أساساً لمذاق الإثارة البشري ( الذكاء و الحوار و العواطف البشرية ) الذي كان يجسده وجود آرنولد شورازنيغر , فعلى الأقل كان للروبوت ملامح و ردود فعلٍ تحاكي البشر , في هذا الفيلم الوضع مختلف , آلات سكاي نت غاية في المعدنية و جوهرها لا يختلف عن مظهرها في شيء , و بالتالي كان حرياً بالقائمين على العمل لتعويض ذلك صنع فيلم أكشن من الطراز الرفيع في كل مفاصله عوضاً عن تأجيل ذلك إلى المرحلة الختامية منه , كنوعٍ من الترميم لمشاهد الأكشن المملة و المكررة التي صنعها الفيلم ( بإستثناء مشهد واحدٍ ربما ) , هناك الكثير من الأكشن في هذا الفيلم , لكن هناك القليل جداً من الإثارة في هذا الأكشن .

ما يبدو باعثاً على الأسى أحياناً أثناء مشاهدة هذا الفيلم , هو ذلك الإحساس القوي الذي يسيطر علينا : أول فيلم في السلسلة يقدم آلةً بقلبٍ بشري , هو أول فيلمٍ بلا روح في هذه السلسلة , مهما تسمرت أمام الشاشة و ذكرياتك تداعبك مع السلسلة التي شكلت جزءاً مهماً من مشاهداتك السينمائية المبكرة , مهما فتنتك صورة الأرض المبادة التي يقدمها الفيلم , مهما أقنعت نفسك بأن أداءات هذا الفيلم هي أفضل من تلك التي قدمت للفيلم الذي سبقه , إلا أنك لن تستطيع الهروب من حقيقة أن هذا الفيلم عديم الروح , مجوف جداً على صعيد بعده العاطفي لدرجة من الصعب أن تتعاطف مع أي شخصيةٍ فيه حتى و إن كان تعاطفاً تجاه الوضع الذي تعيشه , حتى عندما يبقيك ماركوس رايت متأملاً لتيمة Metropolis الشهيرة عن الآلة التي رفضت الإقتناع بأنها ليست بشرية , يبقى هذا التأمل مسمراً عند حدوده , يرواغك قليلاً بفعل أداءٍ مجتهد من سام وورثينغتون ( ذو الوجه الصلب مع نبرةٍ عاطفية خفية ) , يبقى الفيلم أقرب إلى لعبة فيديو عملاقة , تعيشها أكثر من كونك تشاهدها , لكن عواطفك معها تبقى في مكانها , و تبقى مقتنعاً بأنه لن يصيبك شيء من كل ما يجري حولك حتى عندما تظهر عبارة Game Over في الختام !

تقنياً يبقى هذا الفيلم أفضل بكثير من سابقه , تجنب ماك جي العمل كثيراً على المؤثرات الخاصة و تقنيات الـ CGI ( أو الصور المولدة بالحاسوب ) و خلق بالمقابل جواً حقيقياً من الوحشة و الفناء , خدمه قبل كل شيء تصوير يستحق التقدير من شين هيرلبوت , البيئة الرملية و المسحة الفضية للصورة أعطت صورةً حقيقية للعالم الذي يعيش على بقايا إنفجاراتٍ نووية متتالية , ذات المسحة التي شاهدناها في Mad Max أو سنشاهدها في The Road قريباً , عزز هذا بعضٌ من إستعراض العضلات في بعض اللقطات المدعومة بالمؤثرات الخاصة كتلك التي تدخل إلى طائرة هيلكوبتر , أو تلك التي تصنع مطاردة الجرارات اللاهبة .

و على الرغم من أن الأداءات تتفوق بشكل بسيط على الأداءات في الفيلم الذي سبقه , إلا أن هذا لا يعود في الواقع إلى البراعة الأدائية بقدر ما يعود للمستوى الأدائي الباهت في الفيلم الذي سبقه , في هذا الفيلم يقدم كريستيان بيل أداءاً أحادي البعد بشكل سافر , يبدو بيل و كأنما قد تحول بذاته إلى آلة , و لا يكون الصراخ الذي يملأ به هذا الفيلم بصوته المبحوح كافياً للإرتقاء بشخصية جون كونور إلى عمقها الإنساني , عواطف الرجل و الأبعاد الأخرى لشخصيته تبدو مهمشةً و بعيدةً عن الإنسانية التي يفترض أن تملأها , بالمقابل يجاهد سام وورثينغتون – الذي كان مقترحاً من قبل عراب السلسلة جيمس كاميرون و هو الذي سيقوم ببطولة فيلمه المنتظر Avatar - ليجعل شخصية ماركوس رايت حيةً بتشويشها و ضياعها على الرغم من فشل النص من جعلها قريبةً من المشاهد بالشكل الذي تستحقه و على الرغم من لهجته الأسترالية التي تنزلق من حينٍ لآخر , أنتون يلشين ( الذي شاهدناه أيضاً هذا العام في Star Trek ) يقدم شخصية كايل ريس برهافة حس مدروسة , يرسم بساطة المراهق الذي وضع و نشأ في هذه الأوضاع المأساوية لكنه يمتلك أيضاً شجاعة المقاومين , أو على الأقل لديه الرغبة ليثبت إمتلاكه لشجاعة المقاومين , لا يعرف كثيراً كم هو مهم بالنسبة للبشرية , لكنه يعرف جيداً كم هو مهم بالنسبة لنفسه , و إن كان النص لم يذهب بعيداً في بناءها أو رسمها كما يجب و لا أستطيع أن ألومهم كثيراً هنا , برايس دالاس هوارد تبدو أفضل من كلير دينس في الجزء الثالث من السلسلة على الرغم من مساحة الدور المحدودة , و إن كانت بعض الأخطاء التقنية على تفاهتها قد جعلت الكيمياء بينها و بين كريستيان بيل صعبة التقبل : إعذروني فمن الصعب أن أستسيغ أن أرى كريستيان بيل بوجهٍ معجونٍ بزيت التشحيم و العرق بينما تبدو برايس دالاس هوارد و كأنما هي خارجةٌ للتو من غرفة الماكياج على الرغم من أنها الشخص الثاني في القيادة الميدانية للمقاومة ! , تفاصيل صغيرة لكنها حرمتني الكثير من الإنسجام مع ما أشاهده .

الفيلم الرابع للسلسلة الشهيرة فيلمٌ مهم في بعده البصري , يقدم المرحلة الزمنية للأحداث بالصورة التي لطالما تخيلها الكثيرون , لكنه لا ينجح كثيراً في تجذيرها كنوع من الدفع المؤثر في الشخصيات التي تعيشها , قد يحبطك في الختام رؤية مجموعة من الشخصيات تفتقر للروح البشرية , على الرغم من أنها تعمل في الأساس على إنقاذ الروح البشرية !

التقييم من 10 : 6