السبت، 23 يناير 2010

A Prophet

كتب : عماد العذري

بطولة : طاهر رحيم , نيلز آريستروب
إخراج : جاك أوديار

واحدٌ من أهم المنجزات السينمائية هذا العام والفيلم المرشح لثلاث عشرة جائزة سيزار والفائز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان كان السينمائي الدولي لمخرجه الفرنسي جاك أوديار في عمله السينمائي الخامس. يعرض أوديار قصة مالك الجبينة ، شاب فرنسي من أصولٍ عربية ، في التاسعة عشر من عمره ، يرسل إلى السجن بمحكومية ست سنوات ، حيث يختبر هناك كل ضعفه وخوفه وقلقه من المستقبل في صراع غابٍ يدور ضمن أسوار السجن ، ويتدرج ضمن المناصب الصورية لذلك السجن ويكتشف بأنه يمتلك فرصة للنجاح فيه أكبر بكثير من تلك التي يمتلكها خارجه.

قبل هذا العمل كان جاك أوديار قد حقق مسيرةً محترمةً من خلال أربعة أفلامٍ فقط إستطاع من خلالها وضع إسمه ضمن أهم المخرجين الفرنسيين. أفلامه السابقة Read My Lips و A Self Made Hero وضعته على الخارطة ، بينما قوبل فيلمه الرابع The Beat That My Heart Skipped بحفاوةٍ كبيرةٍ من قبل النقاد عند عرضه عام 2005 ونال ثمان جوائز سيزار (المعادل الفرنسي للأوسكار) منها أفضل فيلم ومخرج وسيناريو ، ثلاثتها كانت من نصيب أوديار شخصياً.

في هذا الفيلم يحقق أوديار معادلةً سينمائيةً صعبة : تحقيق التوازن بين معالجةٍ عميقةٍ للشخصية ودراسةٍ سلوكيةٍ للعنف المتولد في السجون وإسقاط واقع المؤسسات الحكومية على المجتمع الفرنسي الهجين بطيف قوس قزح الذي يشكله في الوقت الذي يصنع فيها فيلم إثارةٍ في المقام الأول. الكثيرون يقارنون هذا الفيلم بالعمل الإيطالي الممدوح العام الماضي Gomorrah ، كلاهما حاول فك المعادلة ذاتها مع إختلاف الحبكة ومسرح الأحداث. 

في الإفتتاحية ستطغى النكهة التقليدية للملحمة من خلال استثمار العناصر التقليدية للحكاية حيث محكومية والحراس والقضبان. مدعومةً بموسيقى ملحمية الطابع من أليكساندر ديسبلا تراقب كاميرا ستيفان فونتاين المحمولة مخففة الإهتزاز شخصية الفيلم الرئيسية مالك طوال ساعتين ونصف في محاولةٍ لصناعة واقعيةًٍ مروضةٍ تغني ملحمية العمل ولا تخفف من إثارته. جاك أوديار يبقى وفياً للتصوير بالكاميرا المحمولة لكنه لا يقدمه مهزوزاً أو لاهثاً كما تعودنا عليه ، كاميرا ستيفان فونتاين تحافظ على درجةٍ عاليةٍ من الثبات تحترم علاقة الجفاء الواضحة بين الملاحم والكاميرات المحمولة. لا يستهلك جاك أوديار وقتاً طويلاً ليهيء للإنقلاب العنيف الذي يحدث لبطله ، فيكثف تركيزه - بفضل مونتاجٍ ممتاز من جولييت ويلفنغ - على الضغط النفسي الذي يتعرض له هذا الشاب الغر في مجتمعٍ شديد القسوة يسبقه بفارق سنين ضوئية في عالم الجريمة. في البداية يشعر مالك بالقهر على أحذيته المسروقة ، ثم بالقهر المضاعف عندما ترفض مطالبه بوضعه ضمن سجن المسلمين ، قبل أن تحدث النقطة المحورية للحدث عندما يلتقي عصابةً إيطاليةً من جزيرة كورسيكا تحاول إستقطابه من أجل تصفية سجينٍ عربيٍ يدعى رايب ، مالك صار الرجل المثالي للمهمة لمجرد أنهم سمعوه يتحدث مع رايب في الحمام. اللافت هنا أن النص يستنزف كل جهود مالك للتنصل من هذا الوضع الصعب الذي وضع فيه وهو تنصّل يبدو حقيقياً ومقنعاً ويضيف شيئاً في الصورة الكبيرة لعالم مالك الجديد في السجن عوضاً عن أن يكون مجرد تمهيدٍ سطحيٍ للإنقلاب. يحاول مالك الحديث إلى مدير السجن لكنه يفشل بسبب البيروقراطية ، ثم يحاول التحدث إلى المراقب فيتعرض لمحاولة خنق كتهديدٍ له ، ثم يضرب رجلاً بدون سبب كي يوضع في الحجز الإنفرادي ويبتعد عنهم لكنهم يكتشفون خطته. يدرك مالك في الختام أبعاد الغابة التي يعيش فيها ويجد أن ملجأه الوحيد من القتل على يد العصابة الكورسيكية هو العصابة الكورسيكية ذاتها فيقرر القيام بعملية التصفية ، وفي عملية التصفية يقدم جاك أوديار ما أعتبره واحداً من أفضل مشاهد الإنقلاب التي شاهدتها ، لوهلة لم أستطع أن أراوغ مايكل كورليوني و هو ينتقم في المطعم. بختام متوالية الأحداث هذه لا يشعر المشاهد فقط بأن مالك قد حصل على خلاصه من ذلك الضغط النفسي الذي مورس عليه ، بل سيشعر بأن شخصاً آخراً قد ولد في هذه اللحظة.

لا يتناسى النص أيضاً وضع مالك في مواجهةٍ مع حقيقة كونه مسلماً وذو أصولٍ عربية ، وهو من خلال بعض المشاهد التي يعرضها عن بعض الإهانات التي يتعرض لها العرب والمسلمون في السجن علاوةً على الفوقية التي يتعامل بها أفراد العصابة الإيطالية يكون قادراً على جعلنا نشعر بالفارق الذي يشعر به مالك وسط هؤلاء القوم : أنت لست منهم ولا يمكنك في يومٍ من الأيام أن تكون منهم ، أنت مجرد أداة ، وسيلة للقيام ببعض الأعمال القذرة ، وعندما تفقد قيمتك سيتخلصون منك. وعلى الرغم من كونه يبقى (خنزيراً) في نظر أبناء دينه لأنه يصادق أفراد العصابة الإيطالية إلا أن مصادقة مالك لرياض في الثلث الأول من الفيلم تجعله على تماسٍ مباشرٍ مع أصوله وهو مدخل مثالي للتركيز على النسيج الذي يشكل المجتمع الفرنسي اليوم يحاول من خلاله أوديار أن يقدم مقاربةً كتلك التي قدمها فيلم السعفة الذهبية العام الماضي The Class حيث خليطٌ من أبناء المجتمع الفرنسي في مؤسسةٍ حكوميةٍ واحدة تعرض للتنوع العرقي للبلاد. من خلال هذه المقاربة يقدم أوديار دراسةً سلوكية و نوعاً من الهجاء لطبيعة العلاقات المتشكلة بين أبناء المجتمع الفرنسي اليوم ، حيث يقف الفرنسي في مفترق طرق بين تنكره لأصوله من أجل اندماجٍ حقيقي لا يبدو بأنه سيتحقق وبين إيمانه بأن التنوع العرقي للمجتمع الفرنسي اليوم حقيقةٌ لا يجب الشعور بالعار تجاهها. في مفترق الطرق هذا تتغلب المصالح المؤقتة على الصورة الطوباوية لمجتمع الوحدة الوطنية في فرنسا حيث (صراع غاب) يصادق فيه القوي الضعيف حين يحتاجه ثم لا يتورع عن أكله حين ينتهي من مصلحته. التكثيف على هذه المقاربة يؤسس ضمنياً لنية مالك إنشاء عالمه الخاص ضمن هذا السجن فنراه يعمل كموزعٍ للطعام ويتعلم لغة الكورسيكيين ويعمل في التجسس أحياناً ثم يبدأ مع صديقه جوردي تجارة الحشيش قبل أن يتفق مع لوشياني زعيم العصابة الإيطالية على إستغلال أيام التسريح التي ينالها للقيام ببعض الأعمال في الخارج. يثق أوديار كثيراً في الثلث الثاني من فيلمه بكاميرا فونتاين ومونتاج ويلفنغ فيحمل عليهما تفاصيل صعود مالك في السجن و دون سياق حبكةٍ واضحٍ أو مباشر. يسير إزدهار أعمال مالك وثقته بنفسه بالتوازي مع الضعف التدريجي الذي يتعرض له لوشياني في الحقبة التي تلت إطلاق سراح رجاله من السجن ، ومن خلال ذلك يعرض أوديار ودون مباشرة آلية صناعة الجريمة في فرنسا المعاصرة حيث أشخاص مستضعفون إقتصادياً وعرقياً وإجتماعياً يجدون أنفسهم في بيئةٍ غير سليمة وضمن مجتمعٍ لا يرحب بهم فتكون النتيجة المزيد من العزلة و إيثار المصالح الشخصية !

من خلال تلك المقاربة يحدث إنتقالٌ - إنفجاري أولاً ثم متدرج لاحقاً - لشخصية مالك الجبينة بين واقعين ، هذا الإنتقال محمولٌ بالكامل على طاهر رحيم. لو كان الأمر بيدي لرشحته – دون تردد – لأوسكار أفضل ممثل لعام 2009 ولمنحته الجائزة أيضاً. طاهر رحيم موجودٌ في كل مشهد ، روح مالك الحقيقية تنسل عبر ملامح وجهه قبل أن نلتقطها في حدثٍ أو تفصيل ، عمق الشخصية متأثرٌ بأداءه وليس فقط مترجماً من خلاله وفي كثيرٍ من المشاهد تكون نظرات عينيه كافية لإعطاء النص كل ما يريد. أداء مالك لا يصور فقط الإنتقال التدريجي لمالك من شابٍ ذي أصولٍ عربية بمحكومية تصل إلى ستة أعوام إلى رجلٍ يسيطر بذكاء على خيوط اللعبة في السجن , بل يرسم من خلال ملامح وجهه وحدها كيف يتخلص مالك - مع كل محنةٍ تصيبه - من جزءٍ من خوفه ليصبح من السهل على المتلقى فهم وتقبل رجلٍ يتجاوز حلمه الطبيعي بمغادرة السجن بعد ستة أعوام ليصبح البقاء بحد ذاته هدفاً له في هذا الكيان المسعور ، تدرجٌ إحترافي مدروس يستحق كل الإحتفاء الذي ناله.

بعيداً عن قيمة تلك المقاربة تبقى دراسة السلوك الإجرامي لدى مالك هي محور الثلث الثاني من الفيلم. تبقى موازين الربح والخسارة موجودة ويقظة تماماً كما تبقى زيارات شبح رايب إلى زنزانته من حينٍ لآخر صورةً لـ (نقطة التحول) التي لا تفارقنا أبداً. مالك يفعل في السجن تقريباً كل ما يحلو له ، أصبح يدرك جيداً كيف يدير الأمور ، تزدهر موارده المادية ، يتعاطى المخدرات حقناً ، يمارس الجنس ، ويستمر بالقيام ببعض العمليات لصالح لوشياني مع بقاء هاجسه الخفي تجاه دينه وأصوله موجوداً. عندما نضع هنا صورة رايب إلى جوار رياض ورجال العصابات العربية التي واجهها مالك في عملياته يصبح من السهل علينا فهم أن مالك على الرغم من محاولته الإنعزالية بقي في الأخير مرتبطاً بأصوله ، قتله لرايب ومصادقته لرياض (في العلاقة الإنسانية الوحيدة التي شكلها ربما) واستغلال لوشياني له في عملياته الخارجية كلها أحداثٌ مرتبطةٌ بأصوله العربية ، وعلاقة مالك بأصوله ومرجعيته الدينية تبقى معه طوال الفيلم دون أن تطفو على السطح لتحول الفيلم إلى نكتةٍ سياسيةٍ سمجة أو مقاربةٍ دينيةٍ واضحةٍ ومباشرةٍ حتى وإن حاولت الإختباء وراء المعنى الرمزي الديني لرحلة مالك المقدّم بفجاجة حتى في اسم الفيلم ذاته ، وهذا ربما ما أقدره أكثر من غيره في هذا الفيلم. أوديار يمنح سطح فيلمه مقاربةً دينيةً ميثولوجية للإبتلاء بمرجعياته المختلفة حيث رحلة بطله / نبيه مالك من الإضطهاد إلى التمكين لكنه يذهب في العمق أبعد من ذلك بكثير ليعرض لمواطنٍ فرنسي معاصر يتدرج من إنعزالية مجتمعه عنه إلى إنعزاليته عن مجتمعه منتقداً من خلاله الواقع الراهن للمجتمع الفرنسي ونوعية العلاقات التي تشكلت بين أطيافه. اللافت هنا أن أوديار يحقق ذلك دون أن يهز إيقاع الإثارة التي يبني عليها فيلمه في أي مرحلة ، يلتقط من خلال الصورة كل شيء ، يغني ملحمية الرحلة بالتفاصيل ، ولا يتعمد إثارتك لكنك تثار شئت أم أبيت بعالم الوحوش المتصارعة الذي يقدمه ممثلاً بمشاهد عنفٍ إنفجارية لعل أفضلها ذلك الذي نشاهد فيه مالك يقتحم فجاةً سيارةً مملوءة برجال عصابةٍ منافسة ويقتلهم جميعاً مختتماً إياه بنظرة نشوةٍ في عيني بطله الراقد أسفل الجثث. جاك أوديار – حتى و إن كان هذا هو الفيلم الأول الذي تشاهده له – سيثيرك و ينال إعجابك ، عظمة التضمين الإجتماعي والهجاء الذكي والدراسة السلوكية موضوعةً تحت سطح الرمزية الدينية لقصص الإبتلاء في قالب فيلم إثارةٍ قد يبدو تقليدياً لوهلة.

لطالما كانت أفلام السجون معشوقةً وقريبة من القلب : مكانٌ صغير ، فيه طرفان : سجناء وحراس ، بتنوعاتٍ مختلفة وصراعاتٍ مختلفة ومصالح مختلفة وبعض الأبعاد النفسية والتطورات الدرامية , من أجل ذلك يتذكر الناس بسهولة أعمالٍ مثل The Shawshank Redemption و Midnight Express و Papillon . جاك أوديار يقدم كلاسيكية سجونٍ جديدة فيها الكثير من السينما ، فيلمي المفضل لعام 2009 .

التقييم من 10 : 10


0 تعليقات:

إرسال تعليق