الأربعاء، 17 فبراير 2010

Up in The Air

كتب : عماد العذري

بطولة : جورج كلوني , فيرا فارميغا , آنا كيندريك
إخراج : جيسن ريتمان


يقف رايان بينغهام أمام جدول المواعيد في المطار , ثم ينظر في ساعته , يستريح قليلاً , قبل أن يسمع النداء الداخلي بالصعود إلى الطائرة , يستقلها , و يسافر آلاف الأميال , من ولايةٍ إلى أخرى , ليدلف في الأخير إلى حجرة مكتب , و يجلس أمام موظفٍ قضى جزءاً كبيراً من حياته في وظيفته , يصافحه , يبتسم له , قبل أن يخبره ببساطة بأن شركته قررت التخلي عنه , و يقدم له تصوراً عن الحقوق التي سينالها من جراء هذه العملية , و الفرص التي ما تزال متاحةً أمامه ليبدأ حياةً جديدة , في وظيفةٍ أخرى , و يخبره بأن الحياة لا تنتهي عند نقطةٍ معينة , و أن عليه ألا يلتفت إلى الماضي لأن هناك الكثير في المستقبل ينتظره , يرى أحياناً بعض الدموع , و يستمع أحياناً أخرى إلى بعض الكلام البذيء , و نادراً ما يقابل بالصمت , لا يصافح الموظف في الختام , فقط يأخذ حقيبته و يمضي , تاركاً مصير عائلةٍ كاملة وراءه , يعود إلى المطار ليقف ذات الوقفة التي وقفها منذ ساعات , يسافر آلاف الأميال إلى مدينةٍ أخرى , من أجل هذا يدفعون له , و من أجل هذا هو أسطورةٌ في مجاله .

العمل السينمائي الثالث للمخرج الشاب جيسن ريتمان هو عملٌ سينمائي محترم , واحدٌ من قلةٍ من الأفلام التي أمتعتني بحق هذا العام , عملٌ يأتي في ذروة الأزمة الإقتصادية العالمية ليقدم هجاءاً إجتماعياً مظلماً – لكن بروحٍ منعشة – للإنعكاسات و التأثيرات التي أحدثتها هذه الأزمة على حياة الملايين , جيسن ريتمان للمرة الثالثة بعد Thank You for Smoking و Juno يبدو و كأنما يحمل هموم بيئته على كتفيه , و يبدو بعد ثلاثة أعمالٍ قدمها و كأنما هو فرانك كابرا الجديد , الوفي لعصره , و المخلص لبيئته , و المجسد لهموم أمته , و يرسخ إسمه بقوة كواحدٍ من المخرجين القلائل في سنه الذين إستطاعوا أن يصنعوا لأنفسهم بصمةً مبكرةً جداً , و مع هذا النسق التصاعدي لمستوى أعماله , و ترشيحين مبكرين جداً لأوسكار أفضل إخراج حققهما خلال 3 أعوامٍ فقط و أصبح بهما أصغر مخرجٍ على الإطلاق ينال ترشيحين للأوسكار , يمكننا أن نذهب بخيالنا بعيداً و نحن نتأمل المدى الذي يمكن أن يصل إليه هذا الـ ( فرانك كابرا ) المعاصر .

عن روايةٍ لوالتر كيرن يقدم جيسن ريتمان أفضل سيناريو مقتبس شاهدته هذا العام , و سيكون الأمر نوعاً من العبث بالنسبة لي إذا لم أشاهد جيسن ريتمان يتوّج بأوسكار أفضل سيناريو مقتبس هذا العام , بطل هذا السيناريو هو رجلٌ يعشق حالات البطالة , يستلذ بصناعتها , ربما لا يحب مهنته بالمعنى التقليدي للحب , لكننا لا نلبث أن نكتشف بأنها قبل كل شيء ( حياته ) , نعم بطلنا رايان بينغهام يعيش حياةً مؤطرةً بشدة تمثلها مهنته فقط , هذه المهنة هي كل شيء في حياة الرجل , هو أسطورةٌ حقيقيةٌ فيها , و هو غير مستعدٍ للتفريط فيها من أجل أي شيءٍ آخر , رايان بينغهام أربعيني يعمل لشركةٍ للموارد البشرية , يسافر يومياً آلاف الأميال ليقوم بطرد موظفٍ ما لشركةٍ ترغب بذلك , لأن أرباب العمل – بكل بساطة – لا يجرؤون على القيام بهذه المهمة , رايان بينغهام رجلٌ خدرته مهنته , و قوقعته , لا يدقق في حقائبه لأنه يستقل الطائرة أكثر من مرةٍ في اليوم الواحد , هدف الرجل في هذه الحياة هو الوصول إلى عتبة العشرة ملايين ميل من السفر جواً , رقمٌ لم يبلغه حتى أولئك الذين ذهبوا إلى القمر , و إنجاز لم يحققه سوى 6 أشخاصٍ فقط , و عندما تقتنع بأن هذا هو الهدف الأسمى لرجلٍ أربعيني , توقن تماماً بأن الرجل يعيش حياةً مجوفةً و خاليةً من أي معنى حقيقي , هذا إذا أمكن إعتبارها حياةً في الأساس .

في محاضراته يرى رايان بينغهام بأن عملاً كهذا يحتاج إلى تجميدٍ تام للعلاقات الإجتماعية , رايان بينغهام يرى بأن العلاقات الإجتماعية تتناقض في جوهرها مع روح العصر و سرعة العصر , و من أجل إكتمال الصورة تظهر ناتالي كينر , شابةٌ طموحةٌ في الثالثة و العشرين من عمرها , تقتحم مجاله , و تتسلم مهامها في شركته , و تقدم إقتراحها لتطوير العمل , من خلال نظامٍ ألكتروني لطرد الموظفين عبر الإنترنت و من خلال دائرة إتصالٍ مغلقة , نظام هدفه – كما هو الهدف الذي يسعى إليه بينغهام على الدوام – هو خفض النفقات , يبدو السحر و كأنما إنقلب على الساحر : شركةٌ لطرد الموظفين و تخفيض النفقات تحاول التخفيض من نفقاتها !! , نظام سيجعل صانع البطالة الأول في البلاد مهدداً بفقدان وظيفته , تحولٌ يجسد باكراً في الفيلم روح العصر التي يبحث عنها جيسن ريتمان في هذا النص , هذا العمل الذي يأتي في ذروة الأزمة الإقتصادية ليراقب الأثر الذي أحدثته على أرقام البطالة في الولايات المتحدة يحاول منذ البداية ملامسة روح العصر من خلال ظهور ناتالي كينر , الفتاة الكومبيوترية التي تبدو نسخةً بشريةً لفرضيات رايان بينغهام عن العلاقات الإجتماعية من خلال نظامها الإلكتروني الذي سيجسد – نظرياً على الأقل – النظرة الخالية من التواصل العاطفي للمجتمع الأميركي كما يراه رايان بينغهام , تقنية ناتالي كينر تلامس روح العصر باكراً جداً في الفيلم : العصرنة و التطور و ثورة الإنترنت في عقدٍ قدم للبشرية الفيس بوك و اليوتوب و بلوغر و ويكيبيديا .

هذا التصوير لا يتوقف عند ناتالي كينر فحسب , رايان بينغهام يقيم علاقةً عاطفيةً مع إمراةٍ ناضجةٍ تدعة أليكس , إختارها ربما لأنها لا تختلف عنه كثيراً , أليكس سيدة أعمالٍ تسافر كثيراً بطريقةٍ مماثلةٍ له , و لا نحتاج بظهورها لأكثر من مشهدٍ واحد لنعرف لماذا يتفق هذان الشخصان , يجلسان معاً لعقد مقارنةٍ بينهما حول البطاقات الخاصة بالزبون الدائم التي حصل كل منهما عليها من سفرياته المتعددة , يمارسان الجنس , ثم يضعان جهازي اللابتوب مقابل بعضهما البعض لتحديد موعد لقاءهما المقبل !! , إذا كان لرايان بينغهام أن يقيم علاقةً جنسيةً مع إمرأة , فإن أليكس هي الخيار الملائم .

مع هذا التطور الذي طرأ في العمل , يطلب رايان بينغهام من رئيسه في العمل إرسال موظفته الجديدة ناتالي كينر معه في جولةٍ مطولة ليعلمها الفارق الذي لم تستوعبه بعد , بين أن تطرد رجلاً أمامها , أو تطرد رجلاً عبر شاشة الكومبيوتر , هنا بالذات - و بإنسيابية لا أدري كيف أبدعها جيسن ريتمان – ينزلق رايان بينغهام – دون أن يدرك - في الدرب الذي يبدو مناقضاً تماماً لما يتشدق به , رايان بينغهام يحاول إقناع ناتالي كينر بأن الطرد عبر شاشة الكومبيوتر هي بدعةٌ غير موفقة , ينقل لها تجربته الحياتية عن معنى الجلوس أمام شخصٍ و إخباره بأن حياته ستنقلب إبتداءاً من هذه اللحظة , عن معنى التواصل الإنساني الذي يحدث في هذه اللحظة و الذي لا يمكن الحصول عليه عبر شاشة الكومبيوتر , الرجل الذي ألغى قيمة العلاقات الإجتماعية في حياته , يكتشف – دون أن يدري – بأنها هي الركن الأساسي لوظيفته , جيسن ريتمان ينسل بشخصية بطله من بعدها الأحادي في البداية إلى طبقاتٍ متعددة يغنيها هذا النص البديع : نشاهد هنا شخصيةً لطالما إبتعدت عن إنسانيتها و عن قيمة التواصل الإجتماعي في حياتها , تواجه شخصيةً كومبيوترية تحاول تجسيد روح العصر في هذه المهنة , و كي تنجح في المواجهة تجد نفسها – لا إرادياً – شخصيةً إنسانية ترى في بعد ( التواصل الإجتماعي ) لهذه المهنة ركناً أساسياً لا يمكن تعويضه , قبل أن يكتشف رايان بينغهام أن هذه الشخصية الكومبيوترية التي أمامه هي بشريةٌ أكثر مما يتصور , نص جيسن ريتمان يمتلك غنى لا يمكن تصوره على صعيد تطور الشخصيات , غنى لم أشاهد مثيلاً له على هذا الصعيد في سائر أفلام العام , بإستثناء A Prophet , نشعر بها تنزلق ضمن هذا الوضع لتقدم لنا وضعاً معاكساً تماماً للدواخل المفترضة لكل شخصية , دون أن ندرك تماماً كيف تمكن جيسن ريتمان أن يفعلها بهذه الطريقة .

الفيلم يتبنى تعدد الطبقات من خلال المعالجة أيضاً و ليس فقط من خلال تطور الشخصيات , هو يتعرض لتيمة ( خرّاب البيوت ) التي يقدمها أيضاً هذا العام فيلم أورين مورفرمان The Messenger , عن شخصٍ تلتقيه مرةً واحدةً في حياتك , لكنه يغير حياتك للأبد , لكن بطريقةٍ مغايرة رايان بينغهام ليس ويل مونتغمري , رايان بينغهام يرى في محاضراته بأن عمله ليس له ذكريات , من خلال نظرية العزلة الإجتماعية التي يعتمدها في حياته , و على الرغم من أن بينغهام يدرك الفقاعة التي عزل نفسه فيها إلا أنه لا ينزعج منها , رايان بينغهام على عكس ويل مونتغمري يستمتع بما يفعله , و تماماً كما فعل راندي روبنسون في رائعة دارين أرونوفسكي The Wrestler العام الماضي يحاول رايان بينغهام أن يخلق لنفسه عالماً خاصاً ضمن هذه الفقاعة , و لا يكون من الصعب علينا إدراك أن هدف بينغهام في الوصول إلى حاجز العشرة ملايين ميل هو في الواقع ناتجٌ عن فراغ القوقعة التي يعيش فيها , , يريد أن يصنع بذلك أمراً ممتعاً في عالمٍ غير ممتعٍ يعيش فيه , و هو أيضاً على خلاف ويل مونتغمري لا يمتلك ماضياً سيئاً ليهرب منه , حياته الفارغة ليست نوعاً من الهروب أو نوعاً من العقدة من أمرٍ ما , ماضي رايان بينغهام كان سعيداً , و عائلته تحبه , بينغهام لا يهرب من شيء و هذه هي مأساته , يعتبر أن هذه الحياة التي يعيشها هي بحد ذاتها طريقٌ إختطه لنفسه , و يمكنه أن ينجح فيه , و يصبح أسطورةً من خلاله , و يمكن أن يجد فيه الكثير من المتعة , حتى لو كانت هذه المتعة تتلخص في بطاقةٍ بلاتينية يحصل عليها لتخطيه العشرة ملايين ميل , و عندما يجد في أليكس حياةً بديلة كان هذا لأن الفقاعة بحد ذاتها قد إنفجرت , إنفجرت بظهور النظام الكومبيوتري لناتالي كينر , ناتالي كينر التي وجد فيها رايان بينغهام مخلوقاً بشرياً أكثر مما كان يعتقد , جعلته – كرد فعلٍ لنظامها الكومبيوتري - يفكر أكثر بالعلاقات الإجتماعية في وظيفته , يفكر بإنسانيةٍ أكثر في مهنةٍ غير إنسانية , و تجعله يخبر الحضور في محاضرته بأن العلاقات الإجتماعية هي أهم شيءٍ في حياتهم , تهزه من خلال فكرة الزواج التي يرفضها , و الموت وحيداً دون أحدٍ إلى جوارك , ناتالي - على خلاف ما تظهر - شابةٌ مشرقةٌ كثيراً من الداخل , تحلم بالزواج في سنة الثالثة و العشرين , و تطمح للإنجاب و الإستقرار , و تستغرب من هشاشة الحياة التي يتشدق بها هذا الرجل الذي يدعي خبرته و حاجة مهنته للتواصل الإنساني , على الرغم من أنه غير موجودٍ في حياته , قبل أن تنسفه في أفضل مشاهد الفيلم عندما تسأله عن جدوى الحياة التي يعيشها بعيداً عن الآخرين , و تعري حياته المزيفة التي يعتقد بأنها مليئة بالسحر و المتعة , و تندهش لحجم الفراغ الذي يولده بقاء المرء بعيداً عن شيءٍ يحبه و يألفه و يشتاق إليه , و عن معنى أن يكون هناك شيء حقيقي في حياتنا , ناتالي تقدم على الواجهة البحرية لميامي الصدمة الأعنف التي تلقاها بينغهام في حياته و هو يرى هذه الفتاة الكومبيوترية - كما خيّل له في البدء – بشريةً أكثر مما يتصور , و على الرغم من أن المواجهة لا تهزه في ظاهرها , إلا أنها أعادت له لاحقاً بعض الحسابات حول سخافة الآمال التي بناها لنفسها , الأمر الذي دفعه لاحقاً ليعتبر في توصيته إلى مديرها الجديد بأن قرار توظيفها سيكون أفضل قرارٍ إتخذه في حياته , و من بين كل هذا بدى بينغهام و كأنما وجد في أليكس تلك الحياة البديلة التي تتحدث عنها ناتالي , هي على الأقل ( و كما تقول له في أحد المشاهد ) الصورة الأنثوية منه , يتدرج بينغهام ( بفضل براعة جيسن ريتمان ) في إلتقاط إحساسه و شعوره الذي لا يقاومه حول إمكانية أن تكون أليكس أكثر من مجرد علاقةٍ عابرةٍ في حياته , هنا يعاني بينغهام ذات العقدة التي عاناها راندي روبنسون العام الماضي , عندما يحاول أن يوجد معنىً في عالمٍ كاملٍ من ( اللامعنى ) بناه طوال السنوات الماضية , يفكر في علاقةٍ أكثر جديةً مع أليكس , و يأخذها لتكون رفيقته في زواج شقيقته , حيث يعيد أواصر الود مع عائلته التي تحبه , يذهب معها لزيارة مدرسته القديمة , يتذكر دراجته , و الأماكن التي كان يواعد الفتيات فيها , يكتشف لوهلة بأن لديه ماضٍ جميل و عائلةٌ ودودة , لكنه أسرف طوال تلك السنوات في محاولة تناسي ذلك , و عندما يحدث المنعطف , تتولد ذات الردة التي تولدت لدى راندي روبنسون , يقطع بينغهام محاضراته كي يعلن لأليكس عن مشاعره , لكنه يكتشف بأنها متزوجةٌ و لديها أبناء كذلك , يقول لها بأنه إعتقد بأنه حياتها الحقيقية , يلومها على ذلك متناسياً بأنه في الأساس لم تكن له حياةٌ حقيقية , و لم يكن هو أيضاً الحياة الحقيقية لأي أحد , حتى شقيقاته , و عندما يتحقق حلمه المنتظر و تأتي البطاقة البلاتينية بعدما قطع العشرة ملايين ميل , يأتيه هذا الحلم في أكثر لحظةٍ يكون قد نسيه فيها و وجد ما يشغل باله و تفكيره , ليرد على تساؤل القبطان ( من أين أنت ؟ ) بعبارةٍ تختزل تماماً بطل جيسن ريتمان ( من هنا ) , نعم , يشير للطائرة .

ما أزعجني كثيراً في هذا العمل هو بعض اللحظات الإفتعالية التي تناثرت فيه , و كان يمكنه بسهولةٍ أن يتجاوزها و لا يقدمها , كتلك التي تبكي فيها ناتالي كينر عند تلقيها خبر إنفصالها عن حبيبها برسالةٍ SMS في هجائيةٍ لذيذة لنظامها الإلكتروني نفذت بطريقةٍ مفتعلة , أو تلك التي تنزلق فيها الكومبيوترية ناتالي كينر – دون مقدمات – بطريقةٍ مجنونة في سهرة Three Dogs Night التي قضاها الرفاق في ميامي , أو تلك التي يحاول فيها رايان بينغهام إقناع خطيب شقيقته بالعدول عن أفكاره , و إتمام هذا الزواج , مشهد يحاول فيه نص ريتمان وضع مباديء بطله على المحك عندما يحاول إقناع الرجل بفكرة الزواج على الرغم من أنه هو ذاته غير مقتنعٍ بها , لكنه لا يقدمه بالطريقة التي يمكن أن يؤثر بها فعلاً , فيبدو المشهد بالنتيجة ساذجاً و خاوياً و دون قيمة .

لكن دعك من هذا كله , فأداءات هذا الفيلم قادرةٌ على تجاوز كل ذلك , جورج كلوني يقدم واحداً من أفضل الأداءات في مسيرته , يضفي على التحولات المفصلية التي تمر بها شخصية رايان بينغهام قيمةً حقيقيةً و يجعلها تصل للمعنى الذي ينشده النص منها , دون أي إنفعالاتٍ فائضة أو حواجز مقيدة , فيرا فارميغا تصنع من أليكس إمرأةً غايةً في الجاذبية و الأنوثة , ذلك النوع القادر على إقناع رجل فقد رغبته في التواصل الإجتماعي في الإنجذاب لها و الرغبة في الإستمرار معها , آنا كيندريك تقدم واحداً من أفضل أداءات العام لشخصية ناتالي كينر , أكثر الشخصيات التي أحببتها هذا العام , إختيار كيندريك موفقٌ للغاية , تشعر في بدايات الفيلم بأن هذه الفتاة مهووسة بالفعل بالتقنية , قبل أن تكشف شيئاً فشيئاً عن كمية الغنى التي تمتلكها روح هذه العشرينية المشرقة , كيندريك تقدم مع كلوني مستوىً عالٍ جداً من الكيمياء , ينقلان لك الصورة التي يتبناها النص عن الفارق بين خبرة بينغهام و حداثة العهد لدى ناتالي , أحياناً كثيرة تشعر بأن هناك ممثلاً واسع الخبرة إسمه جورج كلوني يحاول أن يفرض وجوده أمام ممثلةٍ طموحةٍ إسمها آنا كيندريك !

وراءهم جميعاً وقف إخراج جيسن ريتمان , إيقاعه الذي يتمايل و لا ينحني , موسيقى الكاونتري الجميلة التي تنساب في الفيلم , المونتاجات اللذيذة التي تروض حياة الخواء التي يعيشها بينغهام , القدرة الفذة على الإنتقال من تيمات ( كوميديا المهنة ) و ( أفلام الطريق ) التي يبدو عليها في البداية إلى ( دراما التحول ) ذات المسحة التراجيدية التي يتبناها لاحقاً , ميزان الكوميديا و الجدية الذي يجعل هذا الفيلم رائق المزاج , و ممتعاً , و مثيراً للمشاهد , أمورٌ تستحق التقدير و رفع القبعة قدمها جيسن ريتمان في فيلمه السينمائي الثالث .

أصعب المعالجات في السينما منذ الأزل هي تلك التي تتطرق للواقع الراهن الذي ما يزال يحدث من حولنا , و الإنعكاسات التي تنتج عن هذا الواقع , تحتاج للكثير من الحذر و الدقة لتتعرض لأمرٍ كهذا , هذا الفيلم يناقش إنعكاسات الأزمة الإقتصادية العالمية , و ثورة المعلوماتية في الألفية الجديدة , ليس فقط من منظورها الجوهري كأزمة , أو كثورة , بل من منظورها الإنساني في مجتمعٍ إزدادت فيه التقنية و إنخفضت فيه بشرية الإنسان حتى كادت تتلاشى , و في الختام يقف رايان بينغهام أمام لوحة المواعيد في أحد المطارات , و يقرر إكمال حياته كما بدأها لأنه إكتشف بأنه لم تكن له حياة في الأساس كي يحاول البحث عنها في الخارج , بالنسبة لي : هذا واحدُ من أفضل أفلام العام .

التقييم من 10 : 9