السبت، 25 ديسمبر 2010

Let Me In

كتب : عماد العذري

بطولة : كودي سميت ماكفي , كلوي موريتز , ريتشارد جينكينز
إخراج : مات ريفز


إعادة تقديم فيلم رعبٍ متواضع التكلفة تحوّل إلى كلاسيكيةٍ بمجرد إطلاقه قبل عامين هو أمرٌ ليس بالهيّن , و تحدٍ تبدو فيه ملامح الإستغلال التجاري واضحةً من مسافة أميالٍ خصوصاً إذا ما علمنا أن العمل الأصلي هو إنتاجٌ سويدي , و إعادة التقديم الجديدة هي هوليوودية المنشأ و الهوى , و مع ذلك ليس من الضروري أن تصدق توقعاتنا دائماً , و من الجميل من حينٍ لآخر أن نجد أنفسنا مستمتعين بإعادةٍ سينمائيةٍ جيدة , كما هو الحال مع فيلمنا هذا .

القصة – و التي تقتبس روايةً ناجحةً للكاتب السويدي جون أشفيد لينكفيست كما هو الفيلم السويدي – تحكي قصة أوين , فتىً في الثانية عشرة من عمره معزولٌ إجتماعياً عن بقية زملاءه في الصف أو جيرانه في المنطقة , ربما بسبب حجم الإيذاء و السخرية الذي يتعرض له على الدوام من قبل أقرانه في المدرسة , ذات مساء يلتقي بآبي , الفتاة التي تماثله عمراً و التي إنتقلت مؤخراً إلى المنزل المجاور لمنزله , آبي لا تختلف عنه كثيراً في عزلتها و إنطوائيتها , و في غموضها أيضاً , مع جزئيةٍ إضافيةٍ و جوهرية : آبي لا تظهر إلا ليلاً ! و مع ذلك يجد أوين في آبي مكمّلاً روحياً له , و يأخذ البعد العاطفي بينهما مأخذه , في الوقت الذي تتصاعد فيه الأنباء عن جرائم قتلٍ غامضةٍ تحدث في الجوار .

مات ريفز يبدو في هذا الفيلم و كأنما يقتبس الرواية الأصل أكثر من الفيلم السويدي , ليس لأنه مختلفٌ عن عمل توماس ألفريدسون , بالعكس تماماً هو يجاريه كثيراً إلى درجة التطابق أحياناً في الثيم اللوني و الرؤية البصرية , ريفز و ألفريدسون يقتبسان العمل الأدبي الأصلي كلٌ على طريقته , و ربما من الصعب أن يحصي المرء نقاطاً أساسيةً على مستوى الحدث يمكن أن تشكل فارقاً حقيقياً بين النصين , و مع ذلك يبدأ ريفز فيلمه هذا بطريقةٍ مختلفة عن الأصل لتوليد إنطباعٍ جيدٍ في البداية بأن ما ستشاهده هنا سيكون مختلفاً عما شاهدته هناك , البداية ستكون هذه المرة من منتصف الأحداث تقريباً , في لوس ألاموس بولاية نيو مكسيكو الأمريكية عام 1983 , و ما أن تنتهي البداية و يقلع النص حتى نكتشف بأن ذلك الفارق الحقيقي بين الفيلمين – و أتحدث هنا فقط على مستوى الحدث – هو فارق وهميٌ و لا وجود له , و برغم ذلك التطابق إلا أن روح النصين مختلفةٌ إلى حدٍ بعيد , نص مات ريفز يجرد النسخة السويدية من حياديتها , الحيادية التي شاهدناها بوضوح في تغليب النكهة الشاعرية على كلا المحورين في القصة ( محور الحب و محور الرعب ) , الفيلم الجديد يفصل محوري القصة بوضوح , ربما كنوع من الولاء للتقاليد الهوليوودية المعروفة في صناعة فيلم الرعب , حيث يكثف ريفز النكهة الشاعرية على قصة الحب وحدها , و يغذيها و يهتم بها , و يجرد الجزء المرعب في الفيلم من شاعريته , فيقدمها لنا صارخاً و متوحشاً و قاسياً و فيه الكثير من أفلام الرعب الهوليوودية .

الأمر في الواقع لا يحدث بهذه السهولة , في البداية يحاول ريفز خلق شعورٍ أكبر بالأسى تجاه الأذية المتكررة التي يتلقاها أوين من زملاءه في الصف , يحاول القفز على توقعات الجمهور فيحفر بشكلٍ مكثف و ممنهج في عزلة الفتى و مراقبته لجيرانه و يجعلها أكثر وضوحاً و تأثيراً , لكنه للأسف يجعلها أيضاً أقل منطقية , و على الأقل لن يستطيع المرء تجاهل غياب الوالدين السافر أو غياب الجيران الغريب لساعةٍ كاملة من العرض في عمل مات ريفز هذا , و هو أمرٌ يهز النص بقوة على هذا الصعيد .

إضافةً لذلك يمنح مات ريفز لمحور الحب في الفيلم دفعاً عاطفياً غنياً , من خلال تدعيم الهاجس الرومانسي لدى الطرفين , و توظيف الحميمية التي يقدمها كودي سميت ماكفي و كلوي موريتز للشخصيتين , و التي أنتجت هنا رومانسيةً أكثر حميميةً و دفئاً مما شاهدنا في الأصل السويدي الذي إتسمت رومانسيته بلمحاتٍ من البرود الإسكندنافي المعتاد , ليس هذا فحسب بل أن ريفز يمنح القوة ذاتها للفراق المؤقت الذي يحدث للشخصيتين فيبدو هنا أكثر جماليةً و أقوى تأثيراً .

أجمل ما في العمل أنه يمنح عمقاً أكبر للصورة الغامضة و المريبة لعلاقة آبي بـ( والدها ) , الوالد الذي يعترض على العلاقة التي تقيمها إبنته مع جارهم الخجول , الصورة هنا أوضح بكثير من الأصل السويدي , الوالد ما هو إلا صورةٌ أكبر من أوين ذاته , حبٌ قديمٌ أحبته آبي , و بقي معها طوال هذه السنين , يرعاها و ينفق عليها و يحرص على راحتها , لكنه تقدّم في العمر الآن بينما بقيت آبي على حالها , أوين هو حبها الجديد الآن , الذي سيأخذها من مكانٍ لآخر , و سيصبح الغطاء البشري لها أمام المجتمع , هذه الجزئية منحت قصة الحب بعداً أعمق يضرب في صميم ديمومتها و بقاءها و حقيقيتها و أساها .

في المحور الآخر من القصة ( محور الرعب ) يعتمد مات ريفز على تقاليد صناعة أفلام الرعب الأمريكية , فيوظف موسيقى مايكل جياكينو و أساليب الإضاءة و زوايا و نوعية اللقطات التي يقدمها مدير التصوير غريغ فرايزر في خدمة هذا المحور بطريقةٍ تجعل النتيجة الختامية مستقلةً بحد ذاتها و أقل ولاءاً للأصل السويدي بالرغم من تطابق الثيم البصري / اللوني للعملين إلى حدٍ كبير , من أجل ذلك يعمد ريفز إلى تقديم هذا المحور بصورةٍ أكثر قسوةً و دمويةً و عنفاً , يجرده تماماً من النفس الشاعري الجميل الذي كان طاغياً على لوحات الرعب المرسومة في الأصل السويدي , حقيقةٌ يمكن أن نلحظها مثلاً في مشهد النفق الشهير حيث ترتكب آبي إحدى جرائمها , و هو مشهدٌ يقدمه مات ريفز بلقطة تصوير أقرب , و بكلوس آب ختامي على وجه آبي المتوحش يفقده شاعريته لكنه يمنحه بشكلٍ واضح نكهة فيلم الرعب الأمريكي , بطريقةٍ مماثلة لنا أن نرى مشهد المرأة المصابة التي تحترق عند تعرضها لأشعة الشمس , و الذي يبدو مثالاً نموذجياً أيضاً لإيضاح هذه الفكرة , حيث إنفجاريةٌ أقوى تولد دماراً أكبر لكن بشاعريةٍ أقل .

و على الرغم من أن تجريد الأصل السويدي من حياديته ( الشاعرية ) ولّد عملاً أقل فانتازيةً من العمل الأصلي , لكن هذا لا يعني بالضرورة أن هذه الجزئية ستولد شيئاً أفضل , خصوصاً و نحن نتحدث في الأساس عن فيلم رعب , لكن ما أراه يحسب بالفعل لمات ريفز هنا هو توظيفه الممتاز لإنفجارية الرعب ( المتوزانة في الوقت ذاته مع شاعرية القصة العاطفية ) من أجل القضاء على روتينية ما يتوقعه المشاهد منه , خصوصاً ذلك الذي شاهد العمل الأصلي , و هو أمرٌ جيدٌ بالفعل و يخدم النتيجة النهائية .

في الختام طريقة تقبل المشاهد لهذا العمل تتعلق بنوعية المعالجة التي يميل إليها في فيلم رعبٍ كهذا , جزءٌ منهم سيعجبون بالفيلم الجديد , بإنفجاريته و عنفه و شاعرية علاقة الحب التي يقدمها , و جزءٌ آخر – و أنا منهم – سيميلون أكثر للأصل السويدي , ببروده الظاهري , و دفئه الداخلي , و شاعريته المستمرة و المتدفقة حتى في أكثر لحظاته قسوةً و عنفاً .

التقييم من 10 : 8