الجمعة، 4 فبراير 2011

The King's Speech

كتب : عماد العذري

بطولة : كولن فيرث , جيفري راش , هيلينا بونهام كارتر
إخراج : توم هوبر

توم هوبر , البريطاني الشاب الذي لفت الأنظار إليه بقوة عندما قدم الفيلم المتوّج بجائزة الأيمي لأفضل فيلم تلفيزيوني ( أهم جوائز الأيمي بالنسبة للسينما ) John Adams عام 2008 , و الذي تناول فيه مسيرة الكفاح لثاني رؤساء الولايات المتحدة جون آدامز , و هو الفيلم الذي قاد به ثلاثي البطولة بول جياماتي و لورا ليني و توم ويلكنسون لحصد الجوائز في حفلي الأيمي و الغولدن غلوب لذلك العام , لا يبدو بعيداً الآن عن تكرار ما فعله قبل عامين : شخصيةٌ تاريخية , و حقبةٌ غامضة المعالم , و ثلاثة أداءاتٍ صلبة , و إثنا عشر ترشيحاً تصنع الكثير و الكثير من الآمال في حفل الأوسكار المقبل .

الفيلم يتناول من خلال هذا النص المحترم الذي كتبه ديفيد سيدلر قصةً لا يعلمها الكثيرون عن الملك جورج السادس والد الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا , و عن الفترة الحاسمة التي وجد فيها ولي العهد نفسه أمام لحظةٍ تاريخيةٍ عليه فيها أن يتسلم عرش البلاد خلفاً لشقيقه الذي تنازل عن العرش في سبيل البقاء مع من يحب , اللحظة التي تعلقت بها آمال ملايين البريطانيين نحو قائدٍ مرتقبٍ يلهمهم في أتون الحرب التي يقودُ أدولف هتلر أوروبا بأكملها نحو الإكتواء بسعيرها , و أنْ تكونَ الأملَ لكل هؤلاء لهو أمرٌ مربكٌ بحد ذاته , خصوصاً عندما لا تكون قادراً على بث الأمل في نفسك أولاً , جورج السادس كان يعاني مشكلةً واضحةً مع النطق , نشأت و ترعرعت معه و حرمته جزءاً كبيراً من هيبته و مكانته أمام الأسرة الحاكمة خصوصاً مع كونه ولي العهد الثاني لوالده جورج الخامس , كل الأساليب التي إستخدمها الرجل لتجاوز هذه العلّة باءت بالفشل , لكن بصيصاً من نور يظهر في حياته بوجود ليونيل لوغ , أخصائي معالجة مشاكل النطق الذي يغيّر حياته للأبد .

دون مبالغة هذا واحدٌ من أفضل إنتاجات العام , و مع كل ما قيل عنه , و مع كل محاولات المرء ترك كل تلك الضجة و الأزيز جانباً إلا أنه مع ذلك لن يستطيع تجاهل الجاذبية الشديدة التي يتمتع بها هذا العمل منذ لحظاته الأولى , ربما لأننا إفتقرنا طويلاً لمثل هذه النوعية من الأعمال , أو على الأقل لأعمالٍ تتناول هذه الحقبة و تكون ذات قيمةٍ حقيقيةٍ بالنسبة للمتلقي , سواءاً لنوعية القصة التي ننتظرها منها , أو ربما لجمالية النص التي لا يمكن تجاهلها منذ المشهد الأول , أو لأن توم هوبر يولي عنايةً تستحق التقدير بالتفاصيل , تفاصيل المكان و الزمان , ليس فقط على المستوى المادي و إنما أيضاً على مستوى التواصل بين الشخصيات و البيئة المحيطة بها خصوصاً و هو يقدم هنا شخصياتٍ تنتمي إلى شريحتين بعيدتين جداً على مستوى التفاصيل التي تحيط بهما : قصور آل ويندسور و شوارع لندن التي يقطنها العامة .

و عقب هذه الإنطلاقة الجذابة للنص في التأسيس لنوعية المشكلة التي تواجهها الشخصية الرئيسية فيه , و رسم حدود الحبكة التي تبدو جذابةً بالنسبة لنا خصوصاً من خلال نوعية العلاقة الخاصة التي ستجمع بيرتي بلوغ , تسير الأمور على خير ما يرام منذ المشهد الأول , نتفاعل مع شخصيتي العمل و نغمر في عالمها , على الرغم من وجود نوعٍ من نقص الإتزان يصيب الفيلم في مرحلة وفاة الملك جورج الخامس خصوصاً و أن توم هوبر يصنعها بطريقةٍ مسرحيةٍ فجة : إجتماعهم حول الوالد المحتضر , تصرفات ديفيد , المبايعة , و ثم إنهيار ديفيد و تركه لهم , أمورٌ تحدث بسرعةٍ و بطريقةٍ تجعل تشعر بأنك تجلس في مسرح , يمكنك أن تتجاوزها لكن ربما من الصعب أن تشعر بالإرتياح المطلوب فيها الأمر الذي يخلق نوعاً من نقص السلاسة في مرحلة وفاة الملك خصوصاً مع أهميتها كنقطةٍ جوهريةٍ مهمة في كل ما يحدث , نشعر و كأنما إستخدم توم هوبر الكثير من المكابح بعد الجزء المشوق الذي إفتتح به فيلمه ربما كتمهيدٍ للوصول بنا إلى حقيقية المشكلة التي ترتسم الآن أمام جورج .

و مع ذلك ينجح النص – إلى حدٍ كبير - في المرحلة التالية في خلق الخلفية الدرامية للحدث مستغلاً العلاقة التي أسسها بشكلٍ جيد بين لوغ و بيرتي , نكتشف من خلال هذه المرحلة أن بيرتي ما هو إلا ضحية من آلاف الضحايا اليوميين للعلاقة الغير صحيحة بين الآباء و الأبناء : السخرية , و نقص التواصل , و الإنتقاص , و عدم التشجيع , تفاصيل يسردها بيرتي على لوغ و ينجح توم هوبر إلى حدٍ بعيد من القفز أثناءها على إستهلاكية السرد ربما من خلال الكيمياء الممتازة التي يصنعها كولن فيرث و جيفري راش في بيرتي و لوغ .

من أكثر ما لفت إنتباهي و أعجبني في النص ( الحذق في تطوراته الدرامية , و العبق بكوميديا لذيذة و غير مبتذلة ) هو تمكنه من نقل صورةٍ معممةٍ للوضع القائم حول لوغ وبيرتي فقط من خلال علاقتهما وحدها : الأجواء البريطانية في تلك الحقبة , الثورة الحمراء في روسيا و تبعاتها على مدى عقدين , جنون هتلر المتنامي , و مشكلة العرش البريطاني و إنجراف الأمير ديفيد وراء عاطفته على حساب العرش الذي ينتظره , على مستوى هذه الجزئية بالذات ينجح نص ديفيد سيدلر و إخراج توم هوبر في إخراج المشاهد من قوقعة العلاقة بين لوغ و بيرتي و التي يفترض أن تكون مجرد علاقةٍ بين معالجٍ و مريض إلى فضاءٍ أرحب و أكثر قيمةً و عمقاً و أكثر خدمةً لغنى الشخصيات ذاتها .

الجزئية التي يستحق توم هوبر من أجلها المديح أكثر من أي شيءٍ آخر هي الطريقة التي تمكن من خلالها نقل الحالة التي يعيشها الملك جورج السادس عقب توليه العرش مباشرةً في الثاني عشر من ديسمبر عام 1936 و تجسيد الضغط الرهيب الممارس على الملك أثناء خطبته , التوليفة التي أوجدها من خلال : سرعة الحدث , رهبة الحضور , و صور الأسلاف التي ترتقب ما سيفعله الخلف سليل آل ويندسور , نقلٌ رائع و مدهش لضغط ربما لا يمكن تصوره يعيشه ملكٌ يعاني مشاكل في النطق , عليه أن يلقي خطاب توليه العرش أمام ناظري بطانته , هنا نجح توم هوبر تماماً في رصد الحالة , التحوّل الذي كنا و كأنما ننتظره طوال فترة تشكل العلاقة بين لوغ و بيرتي حانت لحظته الآن , لتبدو نظرة إبنتيه عندما يخاطبنه في يوم ولايته الاول Your Majesty رشة البهارات الختامية على الإنقلاب الذي شهدته حياة ولي العهد الذي أصبح ملكاً .

الجزئية التي تهز النص برأيي و يعجز توم هوبر عن التعامل معها بطريقةٍ تتلافاها هي المرحلة السابقة مباشرةً لتولي جورج السادس عرش بريطانيا , الحالة التي حاول خلقها لتفسير تنازل الملك إدوارد عن العرش , فجاء تصويره كرجلٍ ضعيفٍ منجرفٍ وراء عاطفته , و تصوير عشيقته بطريقة تجعلها أقرب للمومس التي تقربت من رجل السياسة بحثاً عن مجدٍ مستقبلي , على الرغم من أن التاريخ لا يصور إدوارد بهذه الطريقة , بل يميل لإعتباره رمزاً للحب الذي تغلّب على كل شيء و إنتصر حتى على العرش , خصوصاً و أن إستمرارية العاشقين معاً لما تبقى من حياتهما حتى بعد تنازل إدوارد عن العرش كان دليلاً واضحاً على إنتفاء المصالح من تلك العلاقة , الأمر الذي إزدادت مشاكله في الفيلم مع إسناد هذا الدور بالذات إلى غاي بيرس الذي بدى إختياراً ضعيفاً و غير متزن و مستنداً فقط إلى التشابه الشكلي بين الرجلين , خصوصاً إذا ما وضعنا بعين الإعتبار صعوبة الإقتناع بأداء غاي بيرس لشخصية الشقيق الأكبر لكولن فيرث الذي يكبره عمراً , هذه المرحلة بمجملها هي نقطة إنتقادي للنص و الإخراج على السواء , و أجدها برأيي نقطةً جوهرية , خصوصاً و أن تناول مرحلة تحول مهمةٍ في تاريخ بريطانيا كتلك المرحلة كان يمكن أن يكون أفضل و أكثر إقناعاً و إتزاناً مما شاهدت هنا .

أجمل مافي النص ربما أنه لا يجعل النطق هو محوره الرئيسي , يصر على جعلنا نشاهد كلاً منهما يعيش حياته بشكلٍ طبيعيٍ و غير متكلف , مع زوجته و أولاده و بيئته , لكنه يكثف العمل عليه كهدف و لا يزعج مشاهده بتناول التدريبات و الإستراتيجيات التي إتبعها لوغ في المعالجة إلا بالمقدار الذي يحتمله الحدث و مع ذلك يجعلك تشعر تماماً بحجم المجهود الذي بذلك بيرتي في سبيل التغلب على حالته , و في الوقت ذاته يحسب لتوم هوبر تجاوبه مع هذه الجزئية خصوصاً في جعله مرحلة التدريبات و خطط المعالجة تبدو ممتعةً و جذابةً و منعشةً بحق , خدمه في ذلك المونتاج الممتاز الذي وقف وراءه المونتير طارق أنور و العمل المبدع الذي قدمه على مستوى تحريك الإيقاع إرتفاعاً و إنخفاضاً بين النقلات المختلفة للحدث , خصوصاً عندما يصل بالفيلم إلى نبرةٍ هادئةٍ منخفضة لتوليد أكبر مقدارٍ من الضغط في المرحلة التي تسبق الخطاب الختامي للملك , بذات الطريقة التي ولّد بها توم هوبر حالة الضغط التي رافقت خطاب التتويج , ربما هنا بزخمٍ أكبر يتناسب تماماً مع كونها مرحلة الذروة بالنسبة لهذا النص .

و بالحديث عن الذروة فإن أفضل ما فيها برأيي هو توجيه النص لها بحيث لم تصبح مجرد خطابٍ مهم بالنسبة لملك , بل خطاباً مصيرياً بالنسبة لشعبه أيضاً , فمنح قيمةً أفضل لهذا الخطاب ليس على مستوى أهميته بالنسبة للمُخاطب ( و هي حبكة الفيلم الرئيسية ) و إنما على مستوى أهميته بالنسبة للمتلقي أيضاً , الأمر الذي خفف كثيراً من إستهلاكية الذروة إلى حدٍ بعيد .

أداءات الفيلم من النخب الأول , كولن فيرث يتفوق بإمتياز على حقيقة أنه يلعب دوراً مثالياً بالنسبة لموسم الجوائز ( شخصيةٌ مهمةٌ تواجه مشكلةً شخصية ) , يقفز على هذه الجزئية ببراعة ليقدم أداءاً أوسكارياً بحق , نشعر معه بمقدار الإحباط الذي إستعمره على مدى سنواتٍ تعايش فيها مع مشكلته هذه , و في الوقت ذاته تفاؤله الحذر الممزوج بالكثير من الإعتداد بالنفس و النفور من تكسير الحواجز مع ظهور لوغ , ثم قدرته على خلق تدرّج حقيقي في تحسن حالة بيرتي خلال تعامله مع تقنيات لوغ في المعالجة , فيرث كان رائعاً بحق في هذه الجزئية , خصوصاً و نحن نتأمل مقدار الإحترام الذي يخلقه في الشخصية حتى في أقل حالاتها ضعفاً , دعمه دون شك أداءان ممتازان من جيفري راش و هيلينا بونهام كارتر في دورين نموذجيين بالنسبة لموسم الجوائز أيضاً .

بالمجمل ينجح توم هوبر بإمتياز في التصدي لهذا النص الممتاز الذي كتبه ديفيد سيدلر , بدءاً من ضبطه الممتاز للإيقاع و قدرته على خلق توازن يستحق الإحترام بين درامية الحبكة و كوميدية الحدث أحياناً , وصولاً إلى الأداءات الرفيعة المستوى التي قدمها ممثلوه الثلاثة , مروراً بتصوير داني كوهين البديع و لقطاته الأقرب أحياناً إلى لوحاتٍ زيتية خصوصاً تلك الواسعة و المتطرفة المتناثرة في أنحاء الفيلم أذكر منها مشهد اللقاء الأول بين لوغ و بيرتي , دون أن أنسى حركة الكاميرا المحمولة الجميلة المقدمة هنا خصوصاً في مشهدهما الضبابي في المنتزه , و موسيقى الفرنسي الرائع أليكساندر ديبلا الذي يثبت مرةً بعد أخرى أنه واحد من أفضل صناع الموسيقى التصويرية في سينما اليوم , فيلمٌ ممتاز عمّا وراء الصورة البراقة , عن الضعف المختبيء و المتواري دائماً خلف الرغبة الملحة و الدافعة نحو أن نكون أقوى , و عن قيمة العمل الذي يمكن أن يقدمه الفرد مهما كانت قيمته , و مقدار تأثيره في خدمة الجماعة , بالتأكيد هو واحدٌ من أفضل أفلام العام .

التقييم من 10 : 9