الثلاثاء، 18 أكتوبر 2011

Drive

كتب : عماد العذري

بطولة : رايان غوسلينغ ، كاري موليغان ، ألبرت بروكس
إخراج : نيكولاس فيندينغ رافن

أعترف بأن جائزة لجنة التحكيم الكبرى و جائزة أفضل إخراج من مهرجان كان السينمائي الدولي لطالما كانتا أقرب إليّ شخصياً من السعفة الذهبية كبرى جوائز المهرجان لإعتبارات عدة لا تتعلق بجودة العمل الفائز و إنما بمقدار القرب الذي أشعر به تجاه الأعمال التي برزت في كان و كرمت بالجائزتين الأوليين بالمقارنة مع عدد الأفلام التي توجت بالسعفة و وجدتها قريبةً مني على الرغم من إقراري بإمتيازها .

هذا العام كانت لجنة تحكيم المهرجان بقيادة الممثل الأسطوري روبرت دي نيرو جريئةً جداً و هي تسلّم جائزة أفضل إخراج في الدورة الرابعة و الستين إلى فيلمٍ يبدو بالنظرة التقليدية للتصنيف السينمائي فيلم أكشن ، و حقيقةً لا يبدو فيلم المخرج الدنماركي نيكولاس فيندينغ رافن (مخرج Bronson) في الكثير من تفاصيل عمله أبعد عن تقديم فيلم الأكشن المليء بالكثير من المطاردة و حبس الأنفاس ، مع فارق مهم و جوهري : هذا الفيلم يستحق فعلاً جائزةَ إخراجية من واحدٍ أكبر مهرجانات الدنيا .

حبكة الفيلم تقليديةٌ جداً ، على الأقل لا تبدو جديدةً على المهرجان الذي كرّم قبل 35 عاماً فيلماً مثل Taxi Driver يعود مجدداً مع روبرت دي نيرو تحديداً ليكرّم فيلماً آخراً عن الرجل النكرة الذي يحاول الخروج من حياته الليلية التي يبدو فيها للكثيرين (لا شيء) من أجل أن يجد (الشيء) الذي يمكن أن يمنح لحياته تلك بعض المعنى .. بين السطور و في العمق هناك فوارق جوهرية بين هذا الفيلم و الفيلم الذي توّجه المهرجان عام 1976 بسعفته الذهبية .

الفيلم عن درايفر ، سائق سيارات محترف يعمل كدوبلير مخاطر في أفلام هوليوود نهاراً ، و يقوم بدور المخلّص لإحدى عصابات السطو ليلاً ، بين العملين يقع هذا الرجل النكرة ، الذي ظهر من العدم و يبدو أيضاً بأنه يسير نحو العدم ، في الطريق بينهما يلتقي الرجل بإيرين ، المرأة التي تحاول رعاية طفلها الوحيد الذي غيّب السجن والده ، هنا تتشكل علاقةٌ غير واضحة المعالم بين درايفر و إيرين ، نوعٌ من الود الخفي الذي يجعلك مهيأً لأن تفعل أي شيء من أجله ، دون أسبابٍ واضحة ، ربما وجد درايفر في هذه المرأة حباً يستحق الإستمرارية ، و ربما وجد في هذا العائلة ككل البهجة الحياتية الوحيدة ، المهم أن رافن إستطاع إلى حدٍ كبير تقديم هذه الجزئية من النص بطريقةٍ مقنعةٍ جداً ، و تستحق الإشادة إلى حدٍ بعيد .

بداية الفيلم على تقليديتها (لا يبدو من الصعب التنبؤ بأن فيلماً كهذ سيبدأ بتنفيذ عملية) حيث تقديم الشخصيات و الأدوار التي ستلعبها في الفيلم إلا أن هذه التقليدية في التقديم خُدِمت بشكلٍ جيد من خلال إيقاعٍ حيوي و مقلق للموسيقى التصويرية ، و خيالٍ تصويري من أجمل ما شاهدت هذا العام قدمه نيوتن توماس سايغل جعل من خلال عمله ذاك هذه النتيجة السينمائية أكبر بكثير من مجرد فيلم آكشن (بالمفهوم الدوني و ليس التصنيفي للمصطلح) ، من خلال التنوع الممتاز الذي فرضه على الصورة في الفيلم ضمن نسق بصري موحد و مكتمل نشاهد فيه استخداماً يستحق الإطراء للكاميرا سواءً تلك المحمولة أو تلك المستخدمة في التصوير داخل السيارة ، علاوةً على توظيف معمول للظلال و زوايا التصوير و البعد البؤري و الكلوز آب ، كل ذلك ضمن المنظومة اللونية للعمل والتي تستخدم الفلتر الشفقي الذي يميل لتدرجات السيبيا في بعض الأحيان بصورة لا يمكنك فيها إلا أن تتذكر الإنجازات التصويرية العظيمة للمبدع روجر ديكنز ، هذا الإستخدام المكثف على الرغم من وضوحه إلى درجة لا يمكن للمشاهد العادي ألا يعجب به يأتي في الوقت ذاته دون بهرجة بصرية تجعل الصورة تطغى على إهتمامنا بالحبكة و الشخصيات في معظم مراحل العمل ، و إن كان الرهان على ذلك يخيب في بعض المفاصل – على الرغم من قلتها - التي نشعر فيها بأن رافن يحاول إبهار مشاهده بصرياً أكثر من تركيزه على إغناء الأبعاد الداخلية للحبكة و الشخصيات .

في العمق هذا العمل ليس Taxi Driver آخر بأي حالٍ من الأحوال و إن بدى الثيم العام للفيلمين متقارباً ، في جوهر شخصية درايفر لا تبدو عملية (البحث عن الذات) التي تحراها سكورسيزي في تحفته الشهيرة مهمة أو واضحة ، بل ربما على النقيض تبدو شخصية درايفر واعيةً تماماً لما تقوم به ، و راضية تماماً بحياتها ، درايفر (بسترته الجلدية و بالعود الخشبي في فمه و بصمته المريب) إنسانٌ جاء من العدم كما يعرّفه شانون رئيسه في الكراج ، لا يعلم أحدٌ من أين جاء و إلى أين سيذهب ، تماماً مثل الذئب جو يابوكي في عمل المانغا الشهير ، لذلك لم يكن على رافن من خلال هذا النص التكثيف على تبرير عملية الإنقلاب التي تحدث عندما يقرر حماية هذه العائلة و مساعدتها ، لسببٍ بسيط هو أن درايفر شخص يقوم أساساً بالمساعدة على تنفيذ عملياتٍ إجرامية ، هو ليس دخيلاً على الموضوع و لا يتطلب إنقلابه المزيد من الحفر بطريقةٍ ستبدو مزخرفةً و إستهلاكية أكثر من اللازم ، الفيلم يتطرق برأيي لبعد آخر أهم في هذه الشخصيات (النكرة) هو الحرية ، يحاول الإجابة عن سؤال (مالذي يمكن أن نفعله إن تحررنا من قيودنا ؟ إلى أي مدى يمكن أن نذهب في حماية من نحب إن كنا بلا ماضي ، و بلا حاضر ، و بلا مستقبل ؟) ، في هذه الجزئية بالتحديد أقدّر هذا النص جيداً ، و أعترف بأنه منح من خلالها عمقاً حقيقياً للعمل ، على الرغم من أن النص (الذي كتبه الإيراني المرشح للأوسكار عام 1997 حسين أميني) لا يبدو مقنعاً في بعض التفاصيل كلجوء العصابة لمطاردة درايفر بالرغم من أنها كان يمكن أن تنتظره في الكراج الذي سيعود إليه لا محالة (على الأقل كما فعلوا برئيسه) ، أو الإنسحاب الغريب لإيرين من الحبكة في الربع الأخير من العمل على الرغم من أنها كانت بصورةٍ أو بأخرى دافعاً مهماً في تحريك الأحداث ، و هما جزئيتان شعرت معهما بأن النص و كأنما يريد أن يتحول في ذروته إلى عمل أكشن و مطاردات يغازل الجمهور دون إهتمامٍ بمدى سيره و إتساقه مع الخط الذي رسمه من البداية.

بالمجمل يمكن أن نقول بأن Drive هو فيلم المخرج ، لن تهتم كثيراً بدوافع أو تبريرات الحدث قدر إهتمامك بالآلية التي ستشاهد فيها الحدث ، هذا الأمر يبدو جلياً منذ اللحظات الأولى التي نعيش مع بطل الفيلم المهمة التي تعرّفنا بهذه الشخصية ، و التي تنفذ دون أي كلمة تقريباً و دون أي بهرجة بصرية على الرغم من يقيننا بأناقة الصورة التي نشاهدها ، هذا التعريف يعقبه فترة تحضير هادئة ظاهرياً لكنها مبطنة بتوتر داخلي يغني العمل ، يلجأ فيه رافن أكثر من مرة للـ Slow Motion و للموسيقى التصويرية التي تستلهم أفلام الثمانينيات ، يغني كل ذلك عملٌ عظيمٌ على المشاهد التي تنفجر في وجوهنا من حينٍ لآخر كمشهد المطاردة أو مشهد الملهى الليلي في منتصف الفيلم ، مع بعض اللحظات التي راقتني فعلاً كحلم اليقظة في المصعد ، أو مشهد بداية الذروة البديع لدرايفر و هو يقترب من حانة العصابة مرتدياً قناع الدوبلير.

واستمراراً لعلاقة الود التي أكنها للأفلام التي توّجت بجائزة لجنة التحكيم الكبرى أو جائزة أفضل إخراج من مهرجان كان ، أعتقد بأن Drive من خلال النفس الإخراجي العالي لنيكولاس فيندينغ رافن و العمل التصويري المحترم الذي يقدمه نيوتن توماس سايغل ، و أدائين ممتازين من ألبرت بروكس و رايان غوسلينغ (الذي يثبت مرةً بعد أخرى أنه واحدٌ من أفضل أبناء جيله) ، سيكون واحداً من الأعمال التي سأشاهدها أكثر من مرةٍ في المستقبل ، عملٌ إخراجي ممتاز يتجاوز الحواجز التصنيفية لفيلم الأكشن بمفهومه التقليدي ليقدّم بالتأكيد واحداً من أفضل أفلام العام.

التقييم من 10 : 8.5