الجمعة، 30 ديسمبر 2011

Moneyball

كتب : عماد العذري

بطولة : براد بيت ، جوناه هيل ، فيليب سيمور هوفمان
إخراج : بينيت ميلر

بالنسبة لشخصٍ منح العلامة الكاملة لباكورة أعمال مخرجٍ ما ، سيكون الفيلم الثاني في مسيرة ذلك المخرج مرتقباً جداً بالنسبة له ، خصوصاً و هو يجد في مقدمة العمل ممثلاً بنجومية براد بيت ، ونصاً كتبه الأوسكاريان ستيف زيليان و آرون سوركين ، هذا ما كان عليه الحال مع Moneyball ، ثاني فيلم في مسيرة بينيت ميلر بعد مرور ستة أعوامٍ كاملة على رائعته الأولى Capote .

الفيلم الجديد يتناول مقتطفاً مهماً من حياة بيلي بين ، المدير العام لفريق أوكلاند أثليتيكس للبيسبول ، في الفترة التي لفت الأنظار إليها في الدوري المحلي عندما إستطاع مناطحة كبار البطولة بفريقٍ لا تتجاوز ميزانيته ثلث ميزانيتهم من خلال الإستراتيجية الغريبة التي لجأ إليها مطوعاً القوانين الحسابية و الرياضية – المستنكرة – للعبة البيسبول لتقييم أداء لاعبي الدوري و مردودهم و ترجمة ذلك إلى معطياتٍ مالية ، و بالتالي إستغلال الموارد المادية المحدودة للفريق إلى أقصى حدٍ ممكن ، الأمر الذي مكنه من أن يجد لنفسه مكاناً ضمن عمالقة الدوري الأميركي للبيسبول على مدى عقدٍ كامل.

لهواة المقارنة : هذا الفيلم ليس Capote آخر ، على الرغم من أنه يأتي من نفس المخرج ، و يتمحور حول شخصيةٍ حقيقية ، الصورة الكاملة للفيلمين بعيدةٌ تماماً عن بعضها ، في تفاصيل الصورة هناك الكثير من التقاطعات ، فكلا الفيلمين يبتعدان عن الشكل النمطي لمفهوم أفلام السيرة الذاتية ، من خلال كونهما لا يسردان سيرةً أصلاً بقدر ما يسلطان الضوء على فترةٍ هي الأهم في حياة كلٍ من الشخصيتين ، و لو أخذنا هذه النقطة كمحورٍ لمحاولة المقارنة بينهما ستميل الكفة بشكلٍ واضحٍ لصالح Capote لسببٍ قد لا تخطئه العين ولا أبالغ إذا ما قلت بأنه كان سحر الفيلم برمته هو البناء العبقري و الإيغال العميق في شخصية ترومان كابوتي .

في Moneyball لا نجد شيئاً كهذا ، ستيف زيليان و آرون سوركين يقدمان الفكرة ذاتها لكن بطريقةٍ مختلفة ، على خلاف قصة ترومان كابوتي حيث الجريمة و المجرم و القضبان و ترقب المصير ، لا تبدو قصة بيلي بين مغريةً في الواقع ، ولا أكون مجحفاً إذا ما قلت أن أفلام رياضة البيسبول هي أفلام غير مغرية على الأقل ضمن منظومة الأفلام الرياضية ، علاوةً على أن مسيرة بيلي بين على الورق تبدو جافةً و غير ملهمة ، فالرجل لم يحقق أي لقبٍ للدوري المحلي رغم خوضه النهائي أكثر من مرة ، و لم يكن بطلاً عندما كان لاعباً للفريق ، و لم يلفت الأنظار إليه إلا من خلال لجوئه لأتمتة اللعبة و إدخالها في متاهة القوانين الرياضية الجافة ، لو إنطلقنا من هذه الحقائق سنجد بأن ستيف زيليان و آرون سوركين يقدمان بالفعل واحداً من أفضل السيناريوهات هذا العام .

زيليان و سوركين في هذا النص الذي يقتبسان فيه كتاباً حمل الإسم ذاته لمايكل لويس يكثفان جهودهما هنا على محاولة إيجاد المغري ضمن توليفةٍ غير مغريةٍ بالمرة ، يضعان كل حياة بيلي بين في صندوق ثم يخرجان منه فقط ما يرونه مغرياً و جذاباً للمشاهد ، نظرياً بيلي بين رجلٌ بائس ، ترك دراسته الجامعية من أجل أن يلعب البيسبول فلم ينجح في خياره ذاك ، تزوج مرتين ، و يعيش بعيداً عن إبنته ، كما أنه لم يضف الكثير إلى مسيرته عندما أصبح مدرباً بقدر ما لفت الأنظار إليه آنياً في محاولته تحقيق إنجازٍ عظيم بأقل الأدوات المتوفرة ، على مستوى التاريخ لن يتذكر الكثيرون بيلي بين ضمن مسيرة رياضة البيسبول ، و في الواقع هذه ليست خامةً جيدةً لفيلمٍ من هذا النوع ، زيليان و سوركين يعيان ذلك جيداً و يتعاملان معه بذكاء حقيقي ، لا أبالغ إذا ما قلت بأنهما صنعا قصةً برّاقة من اللاشيء ، عندما إنتهى الفيلم سألت نفسي : ما هو الشيء المهم الذي وجدته في تقديم جزءٍ من حياة بيلي بين سينمائياً ؟ .. في الواقع لم أجد شيئاً ، لكنني كنت مستمتعاً في معظم مراحل العمل ، ستيف زيليان و آرون سوركين يدركان بأن الحفر عميقاً في شخصية بيلي بين سيفقد النص مصداقيته على إعتبار أن الجزء الأهم في ما فعله بيلي بين في حياته لم يترافق مع تحولاتٍ نفسيةٍ عميقة بقدر ما دفعته إليه الظروف و الرغبة ، هذا ليس مارك زوكيربيرغ آخر ، والنص يتفهم هذا و لا يذهب أبعد من ذلك ، يحاول بدقة أن يبقى ضمن هذا الإطار ليرسم الصورة الكاملة لبيلي بين الذي يحاول أن يستمتع بكل شيءٍ في حياته ، النص يستخلص المتع الحياتية لدى بيلي و يكثفها في مدة ساعتين من العرض ، يحاول أن يقول بأن هذا العمل لا يدور حول من سيفوز أو من سيخسر ، هذا العمل عن التمسك بالمتع الحياتية البسيطة مع كل منعطفٍ يواجهنا في حياتنا ، هذا هو الطابع الذي حملته حياة بيلي بين ، منذ كان شاباً أنهى دراسته الثانوية و ركض وراء كرة البيسبول مضحياً بحياته الجامعية إلى أن رفض أكبر عرضٍ في تاريخ اللعبة لتدريب الريد سوكس ، مروراً بالقرارات المصيرية التي إتخذها الرجل في مسيرة فريقه ليدفعه إلى القمة.

في الواقع ما صنعه بينيت ميلر من خلال نص زيليان و سوركين من النادر مشاهدته في أفلامٍ من هذا النوع ، المتأمل للأفلام الرياضية يجد ثلاثة خطوط لطالما تكررت إلى درجة أصبحت معها الأفلام الجيدة في الصنف قليلةً و نادرة اليوم : هناك إما أبطالٌ حقيقيون نجحوا ، و إما مواهب خارقة لم تجد الفرصة الحقيقية لتنجح ، أو أنصاف موهوبين إمتلكوا بداخلهم العزيمة الفولاذية للوصول إلى القمة ، هذا الفيلم لا يتناول أياً منها ، الفيلم يضع بيلي بين كمحور لا كشخصية ، يتعامل مع بيلي كرسالةٍ بحد ذاته ، ينتقل معنا إلى الماضي في فلاشباكاتٍ خاطفة ، يندفع بنا إلى حياته الخاصة لنشهد لحظاتٍ حميميةً مع إبنته الصغيرة ، يجعل أمور التفاوض و البحث عن لاعبين بحد ذاتها متعةً للمشاهد ، يبدو و كأنما يصنع عملاً براقاً و ملهماً من العدم تقريباً ، ذكاء النص – إن لم أقل عبقريته – تكمن ( كما فعلت أفلامٌ أخرى مثل Memento و Mulholland Drive و The Wrestler و Unforgiven ) في جعله المشاهد لا يكتفي فقط بأن يتلقى الحالة التي يتناولها النص ، بل يجد نفسه دون أن يدري يعيش ذات الحالة التي يريدنا أن نستخلصها أساساً من حياة بيلي بين : الإستمتاع بما نجد وإستغلال الموارد المحدودة التي نحصل عليها ، موارد هذه القصة قليلة ، و عِبَرُها تكاد لا تذكر ، و مقوماتها بالنسبة لعملٍ سينمائيٍ يتناول رياضةً ما تبدو متواضعة بالمقارنة مع غيرها ، و مع ذلك يستخلص لنا النص كل المتع الموجودة فيها و يجعلها جميلةً و براقةً على الشاشة ، ولهذا أحببت عمل زيليان و سوركين هنا ، و من أجل هذا فقط أتمنى مشاهدتهما مجدداً في حفل الأوسكار هذا العام .

و على الرغم من إعجابي الواضح بالنص إلا أنني شعرت به غير موفقٍ في بعض تفاصيله ، فمحاولة إقحام ماضي بيلي في صراعه مع العقلية القديمة للكشافين على الرغم من ذكائه و قيمته على مستوى العمق إلا أنه جاء سطحياً و توقف عند قشرة الفكرة ، فلا هو تجاهلها و لا هو غاص فيها بحيث تضفي معنىً حقيقياً لوجودها كفكرة ، الأمر ذاته بدى واضحاً من خلال تناول فكرة رومانسية البيسبول ، بيلي يرى هذه الرومانسية كامنةً في الألقاب بحد ذاتها وليس في الأرقام القياسية ، و على الرغم من أنه يحقق فوزه العشرين على التوالي و هو إنجازٌ لم يسبقه إليه أحد ، إلا أنه يرى أن كل ذلك لا يعني شيئاً إذا ما خسر اللقب ، و على الرغم من أن ذلك حقيقي ، إلا أن التكثيف عليه في الثلث الأخير من الفيلم يبدو متناقضاً مع روح العمل عن الإستمتاع بما نفعل دون إعتبارٍ للعواقب ، و هو تناقضٌ يبدو صارخاً عندما نرى بيلي يخسر في الختام لأنه أفقد اللعبة (متعتها) و حولها إلى مجموعةٍ من الأرقام ، الروحانية و الرومانسية التي تحراها النص في شخصية بيلي و نظرته للعبة لم يجدها النص روحانية بالمرة و هو يبرر الخسارة في الختام .  

و مع أن موهبة بينيت ميلر التي لا تخطئها العين في Capote تبدو كافيةً للتصدي لنصٍ كهذا إلا أنني لا أنكر بأني لم أجد بينيت ميلر موفقاً تماماً في إدارته له ، ثقل النص الحقيقي الكامن في إلتقاط تلك المتع يفلت أحياناً من يدي بينيت ميلر ، بيلي بين يستمتع بما يفعله ، لكننا لا نشعر بذلك أحياناً بصورةٍ حقيقيةٍ على الشاشة ، يلتمس الشيء الجوهري و الروحاني للعبة ، لكننا لا نشعر بقربه منه في بعض مراحل العمل ، يبقى هناك حاجزٌ رفيع بين روح الشخصية و ما نحاول أن نستخلصه من مراقبتها ، ربما لأن ميلر يطلق العنان بحريةٍ مطلقة تقريباً لأداء براد بيت ليقود العمل ، و المشكلة في أداءات براد بيت عموماً هو كاريزما الممثل التي تطغى في كثيرٍ من الأحيان – خصوصاً في هذا الفيلم – على الشخصية المكتوبة ، و على الرغم من أن براد بيت يصل بالشخصية إلى بر الأمان من خلال حنكةٍ أدائيةٍ إعتدناها منه ، إلا أنني شعرت في أكثر من مناسبة بأنني أشاهد براد بيت نفسه وليس بيلي بين الذي يؤديه براد بيت ، و التبرير هنا لا علاقة له بالتوحد مع الشخصية بل بالإنفصال عنها .

علاوةً على ذلك بدت العلاقة الشخصية هي من وضعت فيليب سيمور هوفمان في هذا الدور الذي لا يوظف موهبته بتاتاً ، وكأنما بسيمور هوفمان جاء إلى هنا تقديراً فقط للرجل الذي قاده للأوسكار قبل ستة أعوام ، في جميع مشاهد سيمور هوفمان في هذا الفيلم تشعر بأن الرجل مقيد في دورٍ لا يتسع له و واقعٌ ضمن المجال المغناطيسي لجاذبية براد بيت الطاغية في الشخصية الرئيسية و هو أمرٌ آخذه على بينيت ميلر دون شك .

بالمقابل سأكون سعيداً إذا ما شاهدت جوناه هيل يرشح لأوسكار أفضل ممثل مساعد هذا العام ، الممثل الشاب يبدو مصراً على خلع الصورة النمطية للكوميديان التي حملها من نجاحاته في أفلام Suberbad و Knocked Up ، خصوصاً بعد فيلم Cyrus ، جوناه هيل يلفت الأنظار منذ المشهد الأول ، و يقدم أداءاً مدروساً لم أتوقعه منه ، يبدو الوحيد في هذا الفيلم الذي فشل في السقوط ضمن دوامة الجاذبية الهائلة التي يمنحها براد بيت للشخصية فتلغي كل ما حولها ، جوناه هيل في دور بيتر براند موجودٌ بوضوح في كافة مشاهده .

في الختام قد لا يكون Moneyball بين مفضلاتي بنهاية الموسم ، ربما لأنه في الأساس ينطلق لبناء (شيء) من (اللاشيء) و هنا تكمن قيمته ، مع ذلك يبقى الفيلم عملاً متماسكاً و مدروساً من بينيت ميلر ، تخدمه لحظات عدة تعلق في الذاكرة ، و أداءات معتبرة من براد بيت و جوناه هيل ، و نصٌ قيّمٌ بالفعل قدمه الرائعان ستيف زيليان و آرون سوركين.

التقييم من 10 : 8

0 تعليقات:

إرسال تعليق