الأحد، 14 أكتوبر 2012

Gladiator

كتب : عماد العذري

بطولة : راسل كرو ، واكين فينيكس ، أوليفر ريد
إخراج : ريدلي سكوت

أعترف بأن الكتابة عن الفيلم الفائز بأوسكار أفضل فيلم عام 2000 لم يكن من ضمن ما أتوق له ، ربما لم أمتلك الدافع الكافي لأفعل ذلك ، لكنني أعترف بالمقابل أن هذا الفيلم هو أحد أكثر الأفلام التي سئلتُ عن رأيي فيها ، أو طلب مني الكتابة عنها ، ربما لعبارات سابقةٍ كتبتها هنا أو هناك و أظهرت إلى حدٍ ما أنني بعيدٌ عن هذا العمل الذي يبدو مفضلاً لدى الكثيرين ، بالنسبة لي الموضوع أبسط من ذلك : فيلمٌ جميلٌ ، لكن ليس للدرجة التي تجعلنا نبني عليه ما يقال عنه لمجرد فوزه بأوسكار أفضل فيلم .

أخرج ريدلي سكوت هذا الفيلم الذي تجاوزت تكاليف انتاجه المئة مليون دولار بعد سلسلةٍ من الأعمال الدرامية في التسعينيات ، كان البريطاني الكبير بعيداً إلى حدٍ ما عن تقديم ملحمةٍ عن الامبراطورية الرومانية بهذا الحجم ، و حقيقةً فإن أكثر ما أثار اهتمام و ولع المشاهدين بالعمل عند عرضه عام 2000 هو اعادته الاعتبار لأفلام الملاحم التي مجّدت حقبة الامبراطورية الرومانية ، حيث الأباطرة ، و مجلس الشيوخ ، و المعابد ، و المدرجات ، و العبيد ، و المجالدين ، Ben Hur و Spartacus و غيرها ، أفلامٌ عظيمةٌ مرت من هنا في أيامٍ كان لمثل هذه النوعية من الأعمال جمهورها العريض و قيمتها المقدرة ، ريدلي سكوت من خلال ملحمته رفع القبّعة لنوعيةٍ باتت نادرةً جداً في هذا الزمان ، و لا أتذكر حقيقة متى كان آخر فيلمٍ مهم بالفعل عن حضارة الرومان قبل أن يأتي Gladiator .

يحكي الفيلم قصة ماكسيموس ديسيموس ميريديوس الجنرال الروماني الواقف في وجه الخطر البربري القادم من جرمانيا عام 180 ، و أحد أهم المؤتمنين على أسرار الامبراطور ماركوس أوريليوس و أحد أهم المرشحين لخلافته أيضاً ، سرٌ لا يعلمه إلا هو و الامبراطور ، و عندما يفصح الامبراطور عن نواياه تلك لإبنه كوميدوس يقضي الشاب الطموح على رغبات والده و يجعله ينام للأبد ، و يرسل ماكسيموس و أسرته إلى حتفهم ، ماكسيموس ينجو ليجد نفسه أباً لطفلٍ مقتول و زوجاً لامرأةٍ مقتولة ، و عبداً بيع ليصبح مجالداً في كوليزيوم روما ، و ما من أحدٍ سيوقفه عن طلب ثأره .

قصة الفيلم كتبها في البداية ديفيد فرانزوني قبل أن يتعطل المشروع لفترةٍ من الزمن ثم يعاد بحلةٍ جديدةٍ طرأت عليها العديد من التعديلات من قبل ويليام نيكلسون قبل أن ينضم إليه السيناريست جون لوغان لإعادة كتابة النص بصورته النهائية ، و على الرغم من كل هذا الكم من الاهتمام بإعادة كتابة النص و تعديله ، إلا أن نص الفيلم تحديداً هو النقطة التي دائماً ما يثار النقاش حولها عند الحديث عن قيمة العمل ، نص الفيلم الذي يحسب له محاولة اعادة الألق لهذه النوعية من الأعمال لم يكن جريئاً كفاية لتقديم ما هو أبعد من الأساسيات التي لطالما جذبت الجمهور تجاه الملاحم الرومانية ، الحدوتة المؤثرة عن العلاقات المدمرة ، و الحب ، و العبودية ، و المجد ، في الفيلم مزيجٌ واضحٌ من ذلك ، لكن النص يتوقف عند ذلك المزيج و لا يحاول أن يذهب بعيداً بما يتناسب مع عملٍ يخرج للنور في الألفية الجديدة ، و أكاد أجزم بأن لوغان و نيكلسون لم يكونوا يتوقعون عندما كانوا يخطون نصهم هذا بأن يصل الفيلم الى ما وصل اليه ، أمرٌ لم يكن خافياً على أحد بما في ذلك راسل كرو الذين عانى كثيراً أثناء التصوير في تقبل هذا النص و تغييراته المتكررة و حتى في بعض عباراته التي تبدو قادمةً من فيلمٍ ستيني ، النص لم يكن يبحث عما هو أكثر من ملحمةٍ رومانيةٍ براقةٍ ، و بطلٍ ، و مشاهد قتالٍ عنيفة ، و خاتمةٍ مرضية.

عمل هذا النص في الواقع على أخذ شخصياتٍ حقيقيةٍ من التاريخ الروماني و دمجها مع قصته الخيالية ، و لا زلت حتى هذه اللحظة عاجزاً عن تقبل ذلك ، لا لشيء إلا لأنني لم أجد منفذاً لتسويق ذلك في قرارة نفسي ، العمل لم يكن عملاً هزلياً ، و لا فيلماً يقدم التاريخ بطريقة (أفلام الحدس) ، و لا قصةً فانتازيةً مجردة ، الفيلم يعود إلى التاريخ ليقدم جزءاً من قصة الامبراطور ماركوس أوريليوس و ابنه كومودوس التي لم تكن كذلك مطلقاً ، و كومودوس الذي يرسمه الفيلم كصورةٍ مجسدةٍ للإنحطاط و الخبث و الفساد الروماني المستشري و الركض وراء الملذات و الطامح للزواج من شقيقته كان حاكماً محبوباً لدى شعبه ، فاتناً لدى الطبقات الفقيرة منه ، و بعيداً عن الصورة المغلوطة التي يقدمها النص هنا ، صحيح أن هذه الجزئية قد لا تكون مهمةً للمشاهد الباحث عن تقييم الفيلم سينمائياً ، لكنها تصبح مهمةً لمن يعرف ذلك ، و فكرة أن تقوم بتجسيد صورةٍ من التاريخ ضمن قالبٍ من الخيال غير المبرر بنتيجةٍ قد تؤثر في قيمة الحدث التاريخي ذاته هي فكرةٌ لا استطيع أن ادرجها تحت أي مبررٍ سينمائيٍ من أي نوع ، فلا الفيلم ينسج قصته الخيالية الخاصة به بعيداً عن التاريخ ، و لا هو ينسجها ضمن المنطقة الرمادية فيه ، و مهما حاولت غض الطرف عن ضعف النص في تعامله مع هذه الجزئية إلا أنني لا استطيع ان اتجاوزها في تقييمي المجمل للعمل .

بعيداً عن الولاء التاريخي يحاول النص التركيز في عمق قصته على الغوغاء السياسية ، من خلال تصويره المثير للمصارعة على حلبة الكوليزيوم كوسيلةٍ لتفريغ ذلك الكم من الغضب و الغوغائية التي تعتمل في النفوس بطريقةٍ مضبوطة و ضمن جوٍ مروضٍ من التسلية و الترفيه عن النفس ، محاولة اختزال لقيمة التلاقي التي يجسدها مدرج الكوليزيوم بين رجالات الدولة و عامة الشعب و قيمة التأثير المتبادل و القوة و القوة المضادة التي تحكم تسيير الأمور في الامبراطورية ، حيث الشعب يأتي للترفيه عن نفسه و تفريغ غضبه و غوغائيته في رؤية اناسٍ تموت و دمٍ يسال ، ثم تنتظر بعد ذلك قرار الامبراطور الذي سينهي الأمر ، بينما الأمبراطور هناك ، ينظر في عيني شعبه ، يتفهم رغباتهم التي لا ترحم ، و يقرر ، و مع أن النص لا يذهب في هذه الجزئية عميقاً إلا أنه يبقى فيلماً مهماً عن انصياع القوة ، حيث كل المجد و الشهرة و العظمة القتالية تبقى مرهونة في الختام بقرارٍ سياسي ، و القرار السياسي هنا يبقى مغازلاً لتلك الرغبات الشعبية التي صنعت ذلك المجد و تلك الشهرة ، محاولة اختزالٍ جيدةٍ من النص سرعان ما يسلبها جزءاً من قيمته عندما يتعرض للموضوع في مجلس الشيوخ الذي يصطدم بكومودوس في أكثر من مناسبة ، حيث يبدو التصريح بالعبرة أشبه بمحاولة غير ذكية لإعطاء عمق فاعل لهذه القصة الملحمية .

علاوةً على ذلك يحاول النص جاهداً أن يكون مزيجاً من أمور عديدة ، قصةً رومانسيةً خافتة ، و قتالاً دموياً عنيفاً ، و قراءةً نفسية في جنون العظمة ، و عملاً مؤثراً حول رغبة الإنتقام ، و صداماً سياسياً مباشراً بين عقلية الحاكم و رغبات الشعب ، مع السمات التقليدية للفيلم التاريخي ، يعمل النص على أكثر من محور ، و يبقى بعيداً تماماً عن اشباع أي منها ، ابتعاده عن التكثيف على أي منها جعل أحداثه – التي تسرد على مدار ساعتين و نصف – أقرب لأن تروى ضمن سلسلةٍ تلفيزيونية منها الى فيلمٍ سينمائي ، نعم ستشعر بالرضى حالما ينتهي هذا العمل ، لكنه ذلك النوع من الرضى الذي لا يدوم طالما تسأل نفسك عن الجزئية التي شعرت بها فعلاً بعمق هذا النص ، و عندما تجد نفسك بعيداً عن ايجادها قد تصل ربما الى قناعةٍ بأن نص الفيلم كان بحاجةٍ لما هو أفضل من صنع ذلك المزيج في سبيل احياء الملاحم الرومانية ، كان بحاجةٍ لجعل ذلك المزيج مكثفاً و عميقاً في محورٍ ما ، بما يتناسب على الأقل و تقديم ملحمةٍ رومانيةٍ في الألفية الجديدة .

بسبب نص لوغان و نيكلسون يبذل ريدلي سكوت مجهوداً مضاعفاً لإيصال الفيلم إلى بر الأمان ، كان هذا الفيلم العمل الملحمي الثاني في مسيرة سكوت بعد فيلمه الشهير Conquest of Paradise عن اكتشاف أميركا ، لذلك فالرجل كان مدركاً تماماً من أين تؤكل الكتف في أعمال ضخمةٍ كهذه ، سكوت يعمل بإخلاص على خلق التوازن المطلوب في محاور هذا النص المتعددة لخلق مزيجٍ من الملحمة الرومانية المنتظرة و فيلم الأكشن الذي يدر الأموال ، هو ينجح في هذه الجزئية بشكلٍ ملفت ، ينقل الثقل الاخراجي المعتاد منه إلى كل تفاصيل العمل بحيث يبقي الصورة الكبيرة للفيلم براقة و ملفتة و مهمة و قادرة على جعل المشاهد العادي يتغاضى عن أي فجواتٍ يمكن أن يخلفها النص هنا و هناك ، هو يعمل بطريقةٍ فعالةٍ على اعادة احياء روما القديمة بكل تفاصيلها و باهتمامٍ مفرطٍ بواقعية تلك التفاصيل ، فلن تشاهد روما التي لطالما شاهدتها ، حيث السادة و العبيد و المواخير و الجواري ، تبدو الصورة هنا اكثر واقعية و لطافةً مما اعتدنا ، علاوة على ذلك يهتم ريدلي سكوت بتصاميم الإنتاج و المؤثرات البصرية كثيراً ، يبدو عمله على مستوى اعادة احياء الكوليزيوم في روما و تحويله الى ما يشبه ستاداً لكرة القدم أمراً حاسماً في لفت الأنظار تجاه البعد الذي يريدنا سكوت أن نلتفت إليه في النص ، ضخامته ، و هيبته ، و امتلاؤه بالحشود ، و الرهبة التي يصنعها في المقاتلين ، تكاد تشعر حتى بدرجة الحرارة التي تضرب اجساد المجالدين على ارضيته الترابية و كل تلك النفوس في الأعلى تهدر بأسمائهم ، ريدلي سكوت خلق تركيزاً ملفتاً تجاه الكوليزيوم كمسرحٍ للحدث و كمحورٍ لكل شيء ، على الأخص الصراع الذي كان حرياً بالنص التركيز عليه بين السلطة السياسية و الرغبات الشعبية التي لا ترحم .

علاوة على ذلك عمل سكوت بشكلٍ واضح على عصرنة هذه النوعية من الأعمال بصرياً من خلال استخدامه الكاميرا المحمولة و توظيفه للفوكسة العميقة و القطع السريع في مشاهد المعارك ضمن المدرج الروماني ، أمرٌ لم تعتد أفلام الملاحم عموماً و الرومانية على وجه الخصوص أن تقدمه ، و ادارته المقدرة لنجوم فيلمه اثبتت بأنه كان رجل هذا العمل بجدارة خصوصاً مع أداءاتٍ براقة كان يحتاجها النص (البسيط في بناء شخصياته) ليرتقي بها إلى الأفضل ، على الأخص من راسل كرو الذي استطاع في أول أعماله السينمائية المكلفة أن يثبت وجوده من خلال حضوره و كاريزماه أكثر من المقومات الجسدية التي عادةً ما تتطلبها شخصياتٌ كهذه ، (يؤدي) حيث لا يكون الأداء مهماً عادةً ، و واكين فينيكس الذي ينجح برأيي في منحُ عمقٍ غير معمولٍ في النص لشخصية الامبراطور كومودوس بكل التناقضات و الانحرافات التي تحملها ، دون ننسى أداءات كوني ويلسن و ريتشارد هاريس و أوليفر ريد الذي قضى بسكتةٍ قلبيةٍ قبل أن يكمل دوره و كلّف منتجي الفيلم 3 ملايين دولار للعمل على اكمال دوره المتبقي من خلال تقنيات الـ CGI في الحادثةِ التي توّجت الفيلم لاحقاً بأوسكار أفضل مؤثرات بصرية .

الموضوع واضحٌ بالنسبة لي و لا أدري لماذا كنت أتجنب الحديث عن هذا الفيلم ، Gladiator ملحمةٌ رومانيةٌ ثقيلة عن الإنتقام و المجد و الرغبات الشعبية ، حقق الكثير على مستوى اعادة خلق القصص العظيمة التي اعتدنا ان نشاهدها من هذه النوعية من الأعمال ، لكن نصه اخفق عندما استخف بالتاريخ ، و لم يكن ذكياً عندما حاول مزج القليل من كل شيء : الإثارة السياسية ، و الرومانس ، و رغبة الإنتقام ، و التاريخ ، و الأكشن دون أن يتيح الفرصة لنفسه لصناعة عمقٍ حقيقيٍ فعّال في أي جزءٍ منها .  

التقييم من 10 : 7.5