الاثنين، 22 أبريل 2013

La Strada

كتب : عماد العذري

بطولة : أنتوني كوين ، جولييتا مازينا
إخراج : فيديريكو فيلليني

أخيراً فيلليني !! ، حدثتني نفسي كثيراً بالكتابة عن فيلليني ، و كنت في كل مرة أستمع لها أجد في قرارتها رغبةً شديدةً بأن أكتب عن La Strada تحديداً قبل الكتابة عن أي شيءٍ آخر ، لا لأنني أجد فيه أعظم ما قدّم الرجل بقدر رغبتي الشخصية في تلمّس ذلك الحد الفاصل الذي وقف عليه الرجل ذات يومٍ بين الأثر العظيم للواقعية الإيطالية عليه ، و بين العالم الفريد الذي تمرّد من خلاله عليها في عددٍ من كلاسيكياته العظيمة التي بداها هنا مع الفيلم الذي منح الرجل أول أوسكاراته الأربعة .

في هذا الفيلم - الذي حققه فيلليني عام 1954 و توّج من خلاله بأسد فينيسيا الفضي – وصل العبقري الإيطالي باكراً جداً لتشكيل ملامح التمرد العظيم الذي قاده نهجاً و فكراً و روحاً على الواقعية الإيطالية التي وضعته على أولى درجات المجد ، صحيح أن ذلك التمرد أنتج سلسلةً لم تتوقف من الإنتقادات للمخرج الذي لم يكن وفياً بنظر البعض للمدرسة العظيمة التي قدمته للعالم ، و صحيح أن الرجل دفع لاحقاً لتبرير ما فعله و محاولة ربط فيلمه بتلك المدرسة بشكلٍ أو بآخر – و هو أمرٌ لم يرقني كما لم يرق للكثيرين ممن يعشقونه – إلا أن أجمل ما في كل ذلك أنه كان حافزاً قوياً له ليدرك أن ذلك الإختلاف منحه أخيراً الفرصة الحقيقية لرسم ملامح فنه الفريد من نوعه و الناضح بالعبقرية و القائم على الأسلوب القصصي السريالي المختلف جداً و الذي مزج من خلاله الواقعية بالخيال و المباشرة بالرمزية و البساطة بالتركيب و النمطية بالتجريب فيما بات يعرف لاحقاً لدى الكثيرين بـ (الفيللينية) ، و هو النهج الذي بدأ هنا مع La Strada و استمر ليبهر و يضرب بعمق و يؤثر و يعيش مع Nights of Cabiria و La Dolce Vita و و Amarcord .

في عمله الإخراجي الثالث يسرد علينا نص فيديريكو فيلليني و توليديو بينييلي و إنيو فلاياتو قصة زامبانو لاعب الخفة و عروض السيرك المتجوّل الذي يفقد روزا شريكته و مساعدته في العروض فيزور عائلتها لينقل لهم الخبر ، و يأخذ شقيقتها جيلسومينا ليدربها كمساعدةٍ جديدةٍ له في عروضه المتجولة ، طوال رحلتهم تعجز وحشية زامبانو و قسوته في التماس و تقدير رقة و حساسية جيلسومينا التي تركت عائلتها من أجل أن تؤمّن لهم بعض النقود و صارت ترى في زامبانو الآن عالمها كله ، و بالرغم من ذلك تحتفظ جيلسومينا بولائها و محبتها له و برغبتها الصادقة في تغييره و بأملها أن ترى ذلك التغيير واقعاً ملموساً ذات يوم ، لكن رعونة زامبانو لا تجعل تلك الرغبات تستمر للأبد .

ينتمي هذا الفيلم زمنياً إلى المرحلة المتأخرة من أفلام الواقعية الإيطالية الجديدة التي حققت مجدها على يدي روبرتو روسيلليني و لوكينو فيسكونتي و فيتوريو دي سيكا و جيوزيبي دي سانتيس لكنه لا ينتمي لها اطلاقاً لا على الصعيد الشكل و لا المضمون ، فيه يرسخ فيلليني لفنٍ مختلفٍ تماماً ، قائمٍ على مجموعةٍ من الصور المستقاة من التجربة الحياتية الشخصية له ، و التي يعيد تكرارها و تشكيلها و تقديمها كل مرةٍ بطريقةٍ مختلفةٍ بالرغم من قلتها ، و هنا بالذات كانت عظمة فيلليني الذي لم يقدّم الكثير من الصور في تجربته السينمائية الغنية لكنه أعاد تجسيدها و تقديمها لنا كل مرةٍ في حبكةٍ جديدةٍ و موضوعٍ جديد عن الصراع الإنساني الدائم بين الروح و العقل و الجسد ، في كل تلك القصص كان ذلك الإنقسام حاضراً ، كما كان البحر حاضراً ، و كما كان الرجل المعلق بين السماء و الأرض ، و كما كانت المواكب و المهرجين و عابري الطريق ، و كما كانت الرحلة و الطريق موجودين أيضاً ، فيلليني من خلال ما اصطلح عليه لاحقاً بالفيللينية أثبت بأقل قدرٍ من الأدوات عبقرية صانع السينما الذي يستطيع استخلاص الكثير و الكثير من تجربته الحياتية البسيطة في صورٍ تتكرر كل مرة بذات العظمة و بذات القيمة و الأثر .

في هذا الفيلم يدير فيلليني صراعه المعتاد بين الجسد (يمثله زامبانو) و الروح (تمثلها جيلسومينا) و العقل (يجسده الأحمق) على طول الطريق الذي يجمعهم في عنوان الفيلم و الذي هو طريق الإنسان ذاته ، ما يربط هذا المثلث ببعضه يتجاوز المفهوم التقليدي للحبكة ، لا توجد حبكةٌ مكتملة الملامح أساساً لتجمعهم ، و لا يوجد بناءُ شخصياتٍ مكتمل الملامح ليجعل الفيلم ينفذ من تقديم قيمته من خلال الحبكة الى تقديمها من خلال قيمة الشخصيات ، و لا أتذكر حالةً أخرى في تاريخ السينما تحقق التخلي عن القيمة التقليدية للحبكة و عن القيمة التقليدية للشخصيات في آن و تنتج عملاً بمثل هذه العظمة ، هذا نادرٌ جداً ، جيلسومينا نسخةٌ أنثويةٌ من متشرد شابلن ، صورةٌ مجسدةٌ جداً للإنكسار و إنكار الذات ، فتاة تقف بحذر على الحد الفاصل بين البراءة و البلاهة ، شعورها تجاه زامبانو لا يخطيء طريقه الى نفوسنا ، و في الوقت ذاته انكارها لذاتها في مواجهة قسوة زامبانو يكسب تعاطفنا بقوة ، و انجذابها البريء تجاه الأحمق هو تفسير الشعور بالفراغ الذي لم يملأه زامبانو في حياتها ، و مع ذلك فإن نظرتها البريئة للحياة تجعل من حياتها أسهل و أكثر يسراً على خلاف الحياة القاسية و المعقدة لزامبانو ، بالمقابل فإن الأحمق المتأرجح ببراعة بين السماء و الأرض في عروضه البهلوانية – كحال مشهدٍ مماثلٍ في إفتتاحيتي La Dolce Vita و - يبدو جذاباً جداً و مختلفاً في تفكيره و طريقة تعاطيه مع الحياة و هذا يروق لجيلسومينا ، يقدم لها ذات الغذاء الذي يقدمه العقل للروح ، و يلبي لها ذات الإحتياجات التي تفتقر اليها ، على خلاف زامبانو الذي تبدو ثنائيته مع جيلسومينا صورةً نمطيةً لتناقض الأنوثة و الذكورة و لمقدار الإختلاف في الارتباط الواضح لجيلسومينا بعالمها الداخلي و لزامبانو بعالمه الخارجي الذي يؤكده فيلليني من خلال مشهد الطفل المعزول في الحجرة ، و إحتياجات زامبانو التي نراها هنا هي الإحتياجات الدائمة للجسد : الأكل و الشرب و الجنس و النوم ، تماماً كحال احتياجات الروح و العقل اللتين نجدهما في احتياجات جيلسومينا و الأحمق ، العقل يخبر الروح في حوار بديعٍ بين الأحمق و جيلسومينا : كل شيءٍ له غاية حتى هذا الحجر ، جيلسومينا تعي ذلك ، لكنها لا تستطيع التمرد عليه أو رفضه ، و على طول الحدث يستثمر فيلليني من خلال هذا المثلث إلى أقصى ما يمكن الرمزية الواضحة لشخصياته الثلاث : الجسد و الروح و العقل ، العقل هنا هو بهجة الروح و غذائها الدائم ، و الجسد هو سجنها الأزلي ، الروح لا تستطيع مفارقة الجسد لكنها تحاول قدر المستطاع أن تجعله يتغير ، تحاول أن تجعله أقرب ، أن تغير غرائزه و طريقة تفكيره بإحتياجاته ، و أن تجعله أقرب من الشيء الذي جذبها في العقل ، يصور فيلليني من خلال انقسام جيلسومينا بين زامبانو و الأحمق الصورة الأزلية لإنقسام الروح بين العقل و الجسد ، لذلك تبدو مرحلة الدير مرحلة تنقيةٍ للروح مما ألمّ بها ، أشبه بعالمٍ مؤقتٍ بديل لعالمها الراهن ، و بالمقابل من ذلك الإنقسام يثير الأحمق غضب زامبانو بطريقتين : مباشرة من خلال استفزازه و السخرية منه ، و غير مباشرة من خلال محاولة لفت نظر جيلسومينا و أسر اهتمامها ، صورةٌ واضحةٌ و مباشرةٌ جداُ للصراع الأزلي لدى الإنسان حول الروح ، التي اما ان تنصاع لنداء العقل أو لرغبات الجسد ، هذا الصراع يحسم لصالح الجسد في الكثير من مراحله ، يفسد الجسد الروح من خلال ضرب زامبانو لجيلسومينا و تركها في منتصف الطريق و التعامل القاسي معها و فرض سطوته عليها و حتى محاولة اجبارها على السرقة ، لوهلة تتمزق جيلسومينا بين زامبانو و الأحمق دون أن يبحث هذا الإنقسام – كما يحدث في الفيللينية – عن أي نتيجة لذلك بقدر ما يبحث عن الأثر الذي يمكن أن يحدثه هذا الصراع على الأطراف الثلاثة فيه ، و بالطريقة ذاتها يكابر الجسد كثيراً بالرغم من حاجته الملحة للروح ، حياته بدونها لا تعدو كونها سلسلةً لا تنتهي من الأفعال المكرورة و الملذات الشخصية ، مع ذلك يولّد قتل زامبانو للأحمق ردةً عنيفةً تتفوق بقوة على تلك البراءة التي تطبع جيلسومينا و لا تستطيع معها القفز على بهيمية زامبانو ، فنراها تخاف عليه كعادتها ، تريد حمايته كعادتها ، لكنها لا تستطيع أن تسامحه على غير عادتها ، هنا بالذات يبدو تصرف الجسد أشبه بفتيل التخلي عن الروح من خلال تدمير العقل ، لا تعود الأمور بينهما كما كانت أبداً ، و زامبانو لا يدرك ذلك الا عندما يفقد جيلسومينا للأبد عند الختام .

و بالرغم من القيمة العالية و الواضحة لرمزية الشخصيات التي يقدمها فيلليني هنا و يدرج على تقديمها في أفلامه اللاحقة أيضاً ، إلا أن النص لا يحاول أن يبقيها فقط ضمن اطارها الرمزي الصارخ فيقوم أيضاً بحرمانها من التطور التقليدي للشخصيات ، و هذا ما يزيدها قيمةً و معنى ، شخصيات فيلليني هنا لا تتطور تطوراً حقيقياً ، بمعنى أنه لا يوجد تأثيرٌ جوهريٌ للحدث على قيمتها كشخصيات ، هي تبتعد عن التطور و تميل لأن (تتضح) و (تنضج) و (تصبح أكثر اتساقاً مع قيمتها الرمزية) بذات الطريقة التي ستطبع شخصيات فيلليني اللاحقة ، و مردّ هذا في الواقع يأتي من كون هذه الشخصيات بالرغم مما يربطها ببعضها تبقى شخصياتٍ بسيطةً تسير في اتجاهٍ واحدٍ منذ البداية و حتى الختام ، تناقضاتها الذاتية قليلة و مباشرة ، حتى زامبانو بالرغم من سوءه إلا أن سوءه ذاك ليس معقداً كحال شخصيتي جيلسومينا و الأحمق أيضاً ، علاوةً على ذلك لا يحاول النص أن يجعلنا نغوص في شخصياته و نعرف عنها أكثر مما تعرف هي عن بعضها البعض ، و المثير أن هذا يكون كافياً ، و ما نراه فيها هو فقط ما يعتقد فيلليني بأننا بحاجةٍ لأن نراه ، لا أكثر و لا أقل ، نراها تبتعد عن راحتها - كحال تلك الشخصيات التي اعتاد الرجل تقديمها - و تسعى بسذاجةٍ نحو عالمٍ جافٍ و قاحلٍ و لا مشاعر فيه ، و تخاف على طول الخط من الحب و تهرب منه و تراوغه و تجد ألفةً في تفسيره تحت أي مسمىً آخر بدافعٍ من بساطتها و وضوح خطها ، و لذلك تتجلى جمالية و عظمة هذه الشخصيات ضمن هذه الحبكة في الميزان الدقيق و العبقري جداً بين حقيقية الشخصيات و رمزيتها ، يحقق الفيلم معادلةً نادرةً جداً في تاريخ السينما و من الصعب تذكر مثالٍ يضاهيها في قوتها لكيفية تحقيق قيمةٍ دراميةٍ مهمةٍ من خلال القيمة المجردة للشخصية و تحقيق الشيء ذاته بنفس القيمة و المقدار من خلال المنظور الرمزي لها ، دائماً و أبداً تغلّب أحد الشقّين على الآخر.

و بالرغم من أن هذا الفيلم يجسّد نظرياً انفصال فيلليني عن الواقعية الجديدة ، لكنه من منظورٍ آخر يتصل بها ، ربما يبتعد عنها مادياً لكنه يبقى قريباً منها على الصعيد الروحي ، و لو اتفقنا بأن الواقعية الإيطالية الجديدة انطلقت من المجتمع إلى نقد المجتمع و تصوير طبقاته البائسة و واقعها المؤلم بصورته الصارخة ، فإن جزءاً من تلاقي فيلليني و افتراقه في آنٍ عنها يكمن في كونه تجرد من عملية النقد تلك من خلال تصويره للإنسان في صورته الأكثر عمومية و كسره لحاجز الزمان و المكان الذي كان سمةً أساسيةً في افلامها ، بالرغم من أنه لم يتخلَ اطلاقاً عن طقوس الواقعية الايطالية المعتادة في تأكيد قيمة الميزانسين و في إدارة الممثلين أيضاً ، و ربما أتاح له ذلك تجاوز مرحلة التأمل في الشخصيات التي يقدمها الى مرحلة مشاركتها و تلقيها و تفهم الطريقة التي تنضج بها ، بمعنى انه استغل طقوسها الظاهرية في التمرد عليها و الاختلاف معها ، و من هذا المنظور تحديداً أرى هذا الفيلم كما يراه الكثيرون غيري نقطة تحولٍ في التشبع بالروح الطاغية لحكايات الواقعية الإيطالية الجديدة و التحرر منها في الوقت نفسه دون أن يثور عليها ، و توجيه الدفة نحو عوالم اخرى مختلفة من خلال التأسيس لقصص حالمةٍ أكثر ، و شخصياتٍ أغرب ، و نتيجةٍ بصريةٍ أكثر هلوسية و غرابة أصبح من خلالها أكثر سريالية و اختلافاً في أعماله اللاحقة .

عندما وصلت الى هذا الجزء من الكتابة أدركت لماذا كنت استشعر نوعاً من الرهبة في الكتابة عن La Strada ، يشعرني هذا الفيلم بحالةٍ من التيه في حصر مكامن عظمته على الأخص في نص فيلليني الإستثنائي ، و في رمزيته الصارخة ، و في ميزانه الموضوع بين تلك الرمزية و بين القيمة المجردة للشخصيات ، و في تصوير أوتيللو مورتيللي ، و في موسيقى نينو روتا التي لا تنسى ، يتوج كل ذلك أداءان عظيمان من أنتوني كوين الذي يثبت في كل فيلمٍ ظهر فيه لماذا كان هذا المكسيكي العظيم واحداً من أكثر الممثلين عالميةً في زمانه ، و من جولييتا مازينا – زوجة فيلليني لأكثر من نصف قرنٍ حتى وفاتها – و التي تحيك من خلال هذه الصورة الأنثوية من متشرد شابلن نسيجاً دقيقاً جداً عن المعاني العظيمة المنسلة من ثنائية زامبانو و جيلسومينا التي ترسم أمامنا على الشاشة و تثبت من خلالها أنها أكثر ممثلةٍ في تاريخ السينما كله قادرةٌ على مزج الكوميديا بالتراجيديا في انفعالٍ واحدٍ و تعبيرٍ منفرد دون الشعور بالتصنع و الإبتذال ، كل تلك العجينة الفريدة من نوعها أنتجت فيلماً من خوالد الفن السابع عن رد الفعل المتباين تجاه شعور الارتباط و التعلق بالآخر ، و عن أثر العزلة و الوحدة على ذلك ، و عن طريقة تقبل كلٍ من الروح و الجسد لفكرة الانجذاب للآخر ، و عن عدم القدرة على التعبير عن دواخلنا و عما نشعر به بالرغم من حاجتنا لفعل ذلك ، و عن اللحظة التي نقرر فيها التخلي عن براءتنا لنواجه تحديات الحياة ، و عن صراعنا الذاتي بين الإستياء من الآخر و الحاجة الدائمة لوجوده بالقرب منا ، ضمن منظومةٍ رمزيةٍ لا تتكرر بذات النفاذ و التأثير حول مثلث الروح و العقل و الجسد الذي يحكم كينونتنا و إنسانيتنا منذ الأزل .

التقييم من 10 : 10


هناك 4 تعليقات:

  1. عظيم جداً استاذ عماد .. تحيّاتي لك

    ردحذف
    الردود
    1. شكراً يا محمد على متابعتك .. أطيب التحيات

      حذف
  2. فعلاً فيلم "الطريق" من الأفلام العظيمة والخالدة
    مراجعة رائعة.. شكراً لك
    *مراجعاتك تروق لي كثيراً, عميقة ورائعة.. أنا من أكبر متابعينك.

    ردحذف
    الردود
    1. شكراً نوف .. هذا من ذوقك و لطفك .. شكراً للمتابعة

      حذف