•   شخصيات تختبىء وراء إدراكها
  • أريدك أن تصنع فيلماً عن معاناتي
  •  بركات الحضارة
  •  أشياؤه المفقودة
  •  كل الحيوانات تخرج ليلاً
  •  اللحظات المختلسة
  •  الفن والحب والحياة
  •  عن أحياءٍ لم يعودوا يحيون وأمواتٍ لا يموتون أبداً
  •  روسيا بوتن في شتائها الثاني عشر
  • أفكاره ومشهديته تجعله يستحق المشاهدة
  • الإضافة من خلال الحذف

السبت، 23 مايو 2015

The Story of the Last Chrysanthemums

كتب : عماد العذري

بطولة : شاتورو هاناياغي ، كوكيتشي تاكادا
إخراج : كينجي ميزوغوتشي

ميزوغوتشي مثل بيرغمان ، إحتاج لفترةٍ طويلةٍ كي يجد المنفذ الحقيقي لروح السينما العظيمة التي قدمها للعالم. عندما قدم فيلمه هذا كان قد حقق مسيرةً من ثمانيةٍ وخمسين فيلماً لا نتذكر منها اليوم سوى فيلمين أو ثلاثة. و ما زالت تلك المرحلة توصف – ككتلةٍ واحدة - بـ (المرحلة المبكرة) في سينما ميزوغوتشي بالرغم من غزارة انتاجها. هذا الفيلم تحديداً هو ما رسم الصورة الختامية المكتملة لسينما ميزوغوتشي فكراً و إخراجاً .

حقق ميزوغوتشي هذا الفيلم عندما تم تعيينه كمستشارٍ للفيلم الوطني مطلع الحرب و أرسل إلى منشوريا مغادراً ستوديوهات توهو التي شاركته حقبة نجاحاته المبكرة. افتتح به ثلاثيةً أرادها عن المسرح الياباني ، و اعتبره في أكثر من مناسبة أول فيلمٍ أخرجه تماماً كما أراد. هذا بحد ذاته منح الفيلم جزءاً من ألقه و قيمته التي اكتملت بقدوم كلاسيكيات ميزوغوتشي اللاحقة .

نص يودا يوشيكاتا يعرض علينا هنا حكاية كيكونوسوكي أونو ، ممثل كابوكي في طوكيو أواخر القرن الثامن عشر يعيش نجاحاً متذبذباً قائماً في الأساس على شهرة والده بالتبني. يقع الشاب في حب أوتوكو مربية شقيقه الرضيع وسرعان ما تعارض العائلة فكرة ارتباطه بها أو حتى قربه منها. كيكونوسوكي يصر على رغبته فيتم نفيه وتجريده من اسمه ليبدأ رحلة إثبات وجود و إثبات موهبة في مسارح البلاد الأخرى .

الورق يبدو بيئةً مثاليةً لعملٍ من أعمال ميزوغوتشي ! يقدم الرجل هنا سبراً مبكراً وربما هو الأهم في مرحلته المبكرة للفوارق الطبقية وقمع الشخصية الأنثى ، موضوعٌ لطالما عشقه وأرّقه وساهم حتى بتكوين شخصيته وهو الذي تركت حياة شقيقته المقربة فيه بالغ الأثر . أذكى ما في النص هو تجنبه هنا التعامل مع بُعد التفرقة الجنسية منفرداً ، يمزجه بتفنن مع بُعد التفرقة الطبقية حتى على مستوى كل جنس . القمع الذي يحدث هنا لا يحدث فقط تجاه الأنثى ، بل يخضع لقواعد وشروط البيئة التي ينتمي لها ويتدرج وفق المدروج الإجتماعي الذي يدير تلك البيئة . في هذه الحكاية هناك أنثى تساهم في اضطهاد أنثى ، وهناك ذكر يساهم في اضطهاد ذكر. والد كيكونوسوكي تغيّر تجاهه بمجرد ولادة إبنه البيولوجي ، تجاهَله و بدأ الإستماع أكثر للإنتقادات التي توجّه لأداءه بمجرد أن حصل على وريثٍ من نسله . بالمقابل لا تعدو أوتوكو أن تكون مجرد (مرضعة) في نظر الزوجة . نص يوشيكاتا يجعل التعقيدات الإجتماعية ظاهرةً في الحكاية قبل أن يجعل لقاء هذين البائسين والعاطفة التي تجمعهما محركاً للحدث .

حكاية الحب لاحقاً تضرب في عمق فكر ميزوغوتشي ولا يمكن النظر لها بعيداً عن أعماله اللاحقة . هو هنا لا ينتصر للأنثى كأنثى . حول كيكونوسوكي نرى عدداً من الغيشا تتنافسن على الظفر بقلوب الرجال ، تبدو حكاياهن حقيقية ، لكن كيكونوسوكي لا يعيرهن اهتماماً وينأى بنفسه عن أن يكون سلعةً بأيديهن . الحب في منظور ميزوغوتشي يتجاوز صورته العاطفية الخام . عملياً لا تتجاوز (المربية) أوتوكو هنا دورها الموضوع بين قوسين . تجردها الحكاية من خامها العاطفي وتكثف في علاقتها بكيكونوسوكي نوعاً من الرعاية والتوعية والتوجيه أكثر من التكثيف على جانبها الرومانسي. لوهلة لا يبدو الحب استغلالياً على مستواه العاطفي ، فكلا الطرفين وجد في الآخر انتصاراً روحياً : وجد كيكونوسوكي من ينظر له كممثلٍ موهوب بعيداً عن أصله وعائلته وشهرته ، ووجدت هي من يعاملها كإنسانةٍ لا كخادمة. هنا ملعب ميزوغوتشي الذي يعشقه ! تحديهما وأصرارهما على البقاء معاً والإعتماد على الذات لا يعني هنا (شيئاً أفضل) وهذا ربما هو أجمل ما في الحكاية ، كلاهما سيعاني الكثير نتيجة قراره .

مع ذلك لا يكتمل مسعى ميزوغوتشي تماماً هنا. كيكونوسوكي يبقى ابن العائلة وتبقى أوتوكو مجرد خادمة ! هذا الشعور لا يمكن نكرانه حتى وهما يعيشان حياتهما معاً في أوساكا. صحيح أن بطل ميزوغوتشي (الذكر) يقف دائماً على مسافةٍ من الإنتصار الكلي للحب مهما كانت إيجابية شخصيته ، وصحيح أن أنثى ميزوغوتشي دائماً ما تقدم الحب ولا تحصل على الرد الذي يليق به ، إلا أن النبرة الإستشهادية العالية للأنثى هنا قللت في نظري من عمق الحكاية. يبدو ميزوغوتشي هنا وكأنما يستلذ بسحق أنثاه. نراهما في أوساكا على حافة الإنهيار ، ومع ذلك فشعور الإستسلام لا يراودها بل يراوده هوَ ، وهو تفصيلٌ يقلل من حقيقية الشخصية خصوصاً مع نصٍ سلب الحكاية مبكراً بُعدها الرومانسي مستعيضاً بصورةٍ مختلفة من (المساندة) و (الشراكة) و (رفقة الدرب). يضيع النص وهو يقترب من نهايته في وقوفه بين القصة التقليدية للإيمان بالموهبة والإنتصار لها في الختام ، وبين قصة التفرقة الإجتماعية التي حركت ذلك. نراه يمنحنا جزءاً من هذا وذاك دون أن يشبع أياً منهما درامياً. يستبدل ذلك بكمٍ هائلٍ من التكثيف الميلودرامي على أوتوكو التي سحقتها عاطفتها و ولائها تجاه كيكونوسوكي ، وصولاً بالطبع إلى نهايةٍ ميلودراميةٍ جداً ، وهو شيءٌ ربما أدركه ميزوغوتشي هنا وتعامل معه بشكلٍ أفضل في أعماله اللاحقة .

وراء الكاميرا يبدو ميزوغوتشي هنا المكافيء الأسيوي للنمساوي جوزيف فون ستيرنبيرغ في تلك الحقبة : صورته الأنيقة وكاميراه المتدفقة وعمله العظيم على التكوين وإدارة الميزانسين بصورةٍ سابقةٍ لعصره. ميزوغوتشي برأيي كان أعظم في تطوير سينماه بينما بدى ستيرنبيرغ في تلك الحقبة وكأنما قدم كل ما لديه. في هذا الفيلم تحديداً لا يمكن القول بأن نقلةً نوعيةً قد حدثت في سينما ميزوغوتشي ، هذا التعبير لن يكون دقيقاً. ميزوغوتشي هنا يبدو وكأنما يعيد اكتشاف الشيء الذي يريده من السينما. لغته البصرية العظيمة تعيد هنا اكتشاف نفسها وترتص عناصرها بجوار بعضها لتقدم شيئاً ناضجاً جداً قياساً لما قدم ميزوغوتشي في الأعوام الماضية. الحركة القطرية للكاميرا المتدفقة ، واللقطات الطويلة ، واهتمامه الفائق بالمكان (الشارع ، البيت ، الغرف ، المناظر الطبيعية ، المسرح) وطريقة توليفه مع الحالة العاطفية لشخصياته التي يوجدها النص. لقاء كيكونوسوكي بأوتوكو لأول مرة يحصل في الشارع ، مشهدٌ خارجي في لقطةٍ ألمانية استراقية تنظر للطريق من الأسفل في مسارٍ طويلٍ يستغرق خمس دقائق ، تراقبهما من الخلف وتقترب منهم على استحياء – و كأنما تتآلف معهم – حتى تصبح في مستواهم وتسبقهم أحياناً. بينما على النقيض تُزرع بذرة الشك تجاه هذه العلاقة في مشهدٍ داخليٍ يجري في المنزل مع لقطةٍ طويلةٍ مدتها خمس دقائق تستثمر ادارة ميزانسين بارعة من ميزوغوتشي. يواجه كيكونوسوكي والده في مشهدٍ آخر عظيم : لقطةٌ طويلةٌ من ست دقائق تلتقط نبرة الصرامة في قرار الأب ، قبل أن تنتقل الشخصيات إلى غرفةٍ مقابلة لتتناقش بـ (صرامةٍ أقل) ثم تعيدنا إلى الأب ليلقي حكمه الأخير دون أن نراه. يبدو المكان نفسه جزءاً من العاطفة التي تلف الشخصيات وتحكم علاقتها ببعضها. بالمقابل يتجنب ميزوغوتشي الكلوز آب لسببين برأيي : من جهة لسببٍ تقني هو العمر الحقيقي للممثل شاتورو هاناياغي البعيد عن عمر الشخصية (و هو شيءٌ لا يفلح في اخفاءه علاوةً على المسرحية الواضحة لأدائه التي تضفي على الشخصية بروداً لا يليق بها) ، ومن جهةٍ لسببٍ فني هو التخفيف من حدة الميلودراما والاستبكائية حيث الكلوز آب هو سلاحها البصري الأول. نقلةٌ لا تخطئها العين في إدراك (الأبعاد التعبيرية للصورة) قياساً لفيلمٍ يابانيٍ أنتج في الثلاثينيات .

في هذه الكلاسيكية يصل ميزوغوتشي إلى مستوى جديد وغير مسبوق من توليف الشخصيات والحدث مع الأبعاد المكانية والزمانية للحدث. يترجم ذلك بصرياً من خلال عملٍ مكثف على اللقطات الطويلة والحركة التدفقية للكاميرا عبر الجدران ، وبراعةٍ واضحة في تكوين الصورة ، ومدى غير اعتيادي تصل إليه ادارة الميزانسين سينمائياً. كل هواجس الرجل البصرية على مدى مسيرته المبكرة تحولت هنا إلى أدواتٍ فعالةٍ بالغة الأثر والمعنى ، وفتحت الباب على مصراعيه أمام ما أصبح من السهل وصفه لاحقاً بـ (سينما ميزوغوتشي) .

التقييم من 10 : 8.5



0 تعليقات:

إرسال تعليق

free counters