•   شخصيات تختبىء وراء إدراكها
  • أريدك أن تصنع فيلماً عن معاناتي
  •  بركات الحضارة
  •  أشياؤه المفقودة
  •  كل الحيوانات تخرج ليلاً
  •  اللحظات المختلسة
  •  الفن والحب والحياة
  •  عن أحياءٍ لم يعودوا يحيون وأمواتٍ لا يموتون أبداً
  •  روسيا بوتن في شتائها الثاني عشر
  • أفكاره ومشهديته تجعله يستحق المشاهدة
  • الإضافة من خلال الحذف

الأربعاء، 16 سبتمبر 2015

A Hard Day's Night

كتب : عماد العذري

بطولة : جون لينون ، بول مكارتني ، جورج هاريسون ، رينغو ستار
إخراج : ريتشارد ليستر (1964)

عندما أطلق هذا الفيلم كان محاولةً ذكية من منتجيه لإستغلال قوة البيتلز الضاربة في حينه ، و كان ضربةً إنتاجيةً عبقريةً في زمانها. محاولة القبض على توهج الفريق الغنائي الأعظم في ذروة بداياتهم قبل أن يتحوّلوا إلى رمزٍ لجيلٍ بأكمله. كان منتجوهم يريدون وضعهم على الشاشة الكبيرة دون قداسة و دون الهالة المحيطة بهم. أن يضخوا في صورتهم على الشاشة ما قدموه للآخرين من خلال أغانيهم : الشباب و الروح و التمرد و الجنون ، فحققوا فيلماً يشبههم .

صوّر ريتشارد ليستر الفيلم في 45 يوماً و بميزانيةٍ لم تتجاوز نصف مليون دولار ثم أطلقه خلال أقل من 100 يومٍ من تصويره. أخرجه و قام بمونتاجه مستثمراً ماضيه الجيد كمخرج إعلانات. و هو ماضٍ يخلق بصورةٍ أو بأخرى إحساساً واضحاً لدى المشاهد بأن هذا الفيلم يروّج البيتلز و يقدّمهم لجمهورٍ أوسع أكثر من حقيقة أنه يستغلهم. و في الواقع هو ينجح على الصعيدين معاً .

الحكاية كتبها آلون أوين ، يطارد من خلالها البيتلز خلال استعدادهم لتصوير مجموعةٍ من أغانيهم لصالح التلفيزيون البريطاني. كوميدياه تنبع في المقام الأول من حكاياه الجانبية. من خلالها يخلق النص شيئاً مختلفاً يمزج من ناحيةٍ كوميديا الأخوة ماركس حيث التوازي الحاصل بين علاقتهم ببعضهم كإخوة و الطرافة التي ينشرونها من حولهم على الشاشة ، و من ناحيةٍ أخرى روح أفلام الموجة البريطانية في ذروة حركة الشباب الغاضب في الستينيات .

عنوان الفيلم جاء من تلاعب لفظيٍ لعضو الفرقة رينغو ستار في إحدى ليالي العمل الشاقة ، راق لجون لينون و بول مكارتني و سرعان ما أصبح عنواناً للفيلم و الأغنية التي يفتتح بها ريتشارد ليستر فيلمه هذا على صورةٍ للفريق يهرب في الشارع من مجموعةٍ من معجبيه (الحقيقيين في الواقع). لا نحتاج للكثير من الوقت لنشعر بالحميمية تجاههم ، و هي حميميةٌ يستثمرها أوين جيداً و هو يصوغ حكاياته الجانبية ليصنع كوميديا الفيلم : مواقفهم في القطار ، الإختلاف بين مديريهم شيك و نورم عن فارق الطول بينهما ، المفارقات المستمرة لمحاولة إبقاءهم ملتزمين بما هو مقررٌ لهم ، والأهم محاولة إبقاء جد بول مكارتني بعيداً عن المشاكل. يعمد أحياناً إلى الكوميديا الجسدية ، و أحياناً إلى التلاعب اللفظي ، و في كثير من الأحيان إلى كوميديا الموقف. و اللافت أن عملية التآلف بين الحدث و الحوار و عمق النص و الشخصيات المكتوبة و الأداءات المقدمة لها تصنع هارموني من نوعية السهل الممتنع. أنت تستمتع جداً بما تراه دون أن تتمكن تماماً من القبض على سبب تلك المتعة .

في العمق يجسد أوين في أبطاله صورة ثلاثية الأبعاد لـ (الشباب) ، الخلود و الإحساس بعظمة الأبدية فيهم. أن ما هم عليه سيستمر للأبد. صورةٌ لا تخطئها العين و هي تراقبهم ينشرون كل هذه الحياة من حولهم ويقدمون لجمهورهم أغانٍ عاشت للأبد. رؤيتهم اليوم و رؤية ما صاروا إليه لاحقاً تغني ديمومة الفيلم. رؤية طفوليتهم و جنونهم ، ردودهم الساخرة على أسئلة الحفلة التي أقيمت على شرفهم ، لينون و هو يعبث في الحمام ، مكارتني جالساً برفقة جده ، جورج يجد نفسه بالخطأ في وكالةٍ لتصميم ملابس المراهقين ، و رينغو يتجوّل في المدينة باحثاً عن (الحياة)! يحصلون على أنفسهم جداً على الشاشة : كاريزما لينون و جنون مكارتني ، الشخصية الهادئة في جورج و المحبوبة في رينغو ، هذا التفصيل يخدمه بالتأكيد الموهبة التمثيلية اللافتة التي يتمتعون بها. أصعب الأدوار برأيي هي تلك التي يؤدي فيها الممثل (ذاته) من خلال نصٍ مكتوب. حضور البيتلز هنا كوميديٌ فعلاً وهو شيءٌ يندر الحصول عليه مع مغنيين بمثل نجوميتهم. لوهلة تشعر بأنهم كانوا ليشكلوا فريقاً كوميدياً عظيماً لو وجدوا النصوص التي تناسبهم (بالرغم من ظهورهم فعلاً في أربعة أفلامٍ لاحقة). هم جيدون بمفردهم كممثلين بعيداً عن إسم الفرقة التي صنعوها. و الفيلم دون شك إستثمر ذلك ليلعب دوراً هاماً في كسر الرهبة تجاههم. هم هنا ليسوا مجرد نزعة شبابٍ طائش تأثر بها الملايين ، و إنما رسالةً مبطنةً على كونهم جيلاً مختلفاً في رؤيته و طريقة تعامله مع الحياة. و إستخدام ريتشارد ليستر للسينما فيريتيه هنا هو ربما الإستخدام الأجمل منذ نظريات دزيغا فيرتوف و روبرت فلاهرتي. كاميراه تستكشف من خلال أبطاله تفاصيل الحياة و العالم الذي يحيون فيه و يتمردون عليه. ترصدها و تواجهها و تقدمها بصورةٍ مختلفةٍ أبطالها الكاميرا المحمولة و القطع الموزاييكي و المسحة التوثيقية للحكاية. كاميرا ليستر تتنقل جيئةً و ذهاباً بين واقعية الصورة و تعبيريتها. في احد المشاهد يقرر مدير الفرقة بناءً على رغبة مخرج العرض ابقاء الفريق في غرفة الملابس لنصف ساعة. تسير الكاميرا معهم في الممرات ، تخنق إطارهم البصري ، ثم تراقبهم وهم يراوغون ليجدوا منفذاً للخارج و يفرّون إلى صورةٍ مجنونةٍ لأغنيتهم Can’t Buy Me Love. في موضعٍ آخر يبدأ ليستر الأغنية من شاشة المخرج (كنايةً عن الصورة التي نعرفها عنهم) قبل أن ترتفع الكاميرا لنشاهدهم على طبيعتهم. يفعلها مجدداً في أغنيةٍ أخرى إبتداءاً من كاميرا التصوير التلفيزيوني. الصورة هي انعكاسٌ بصريٌ لهم. تعدد زوايا اللقطات في كل مشهد و النفس اللاهث الذي يصنعه المونتاج (المتأثر بشكلٍ بديهي بالموجة الفرنسية) ، قطعه المتناوب بين لقطةٍ ثابتة و لقطةٍ متحركة ، بين لقطةٍ واسعة أو متوسطة و لقطة كلوز آب ، بين لقطةٍ من الأسفل و أخرى من الأعلى ، ثم محاولة ترقيص الصورة مع كل أغنية ، كل ذلك ينتج فيلماً يشبه أبطاله : حيوي و مبهج و مجنون و شاب ، حتى وهو يتجاوز الخمسين من عمره الآن .

ثم هناك الروح العظيمة لأغانيهم على الشاشة. أغانيهم هي العمق الحقيقي في هذا العمل لأنها كانت بالغة التعبير عنهم و بالغة التأثير في الآخرين. مشاهدة الفريق الغنائي الأعظم على الإطلاق يغني مجموعةً من أجمل أغانيه على الإطلاق في فيلمٍ سينمائيٍ من ساعةٍ و نصف ، ذلك وحده قد يكون مرضياً للكثيرين. يمكن الجزم لو أن كل فريقٍ غنائيٍ حصل على فيلمٍ كهذا لعاش للأبد. الفيلم قادرٌ على إحياء روح البيتلز في أجيالٍ كثيرةٍ لم تعاصرهم ، و ربما لم تفكر حتى بالإستماع لهم. في كل عصر هناك فيلمٌ يحقق النقلة الشعورية للإحساس بالفرق بينه و بين العصر الذي سبقه. النقلة التي يمكن لأجيالٍ لاحقة أن تفهمها عندما تشاهده. هذا ما يفعله هذا الفيلم لعصره. و بالرغم من أنه يتناول فرقةً تحولت إلى رمزٍ لعصرها إلا أنه فيلمٌ صالحٌ لكل العصور .

التقييم من 10 : 9

0 تعليقات:

إرسال تعليق

free counters