الأربعاء، 12 نوفمبر 2008

Eastern Promises

كتب : عماد العذري

بطولة : فيغو مورتينسن , نعومي واتس , فانسان كاسل , آرمين ميلر ستال
إخراج : ديفيد كرونينبيرغ

الفيلم السينمائي الخامس عشر للكندي الكبير ديفيد كرونينبيرغ , في الحبكة مراهقة روسية مهاجرة تدخل إلى مستشفى لندني لتضع مولودها في حالة نزف خطيرة , القابلة آنا خيتروفا ( الروسية الأصل أيضاً ) تتسلم الطفل عقب وفاة والدته , لكن قصة الأم لم تمت معها لأنها تركت وراءها مفكرة صغيرة , آنا تصمم على تسليم الطفل لأهل والدته مستعينة بمذكراتها المكتوبة بالروسية , لكنها تجد بطاقة مطعم محلي تقرر زيارته على أمل معرفة ما تريده , مالك المطعم جبل الجليد الروسي ذو العينين الزرقاوين و الإبتسامة اللطيفة سيمون يعرض على آنا أن يترجم لها المذكرات , لكن آنا تكتشف أن سيمون ليس بالرجل الذي يبدو عليه في الظاهر , الأمر الذي أشعرها بالخوف على الطفل عندما تكتشف أن المطعم السيبيري الأنيق ماهو إلا واجهة لامعة لأحد أذرع المافيا الروسية فوري في زاكوني

كرونينبيرغ يؤكد بهذا الفيلم ريادته في مجاله و يصنع من العقد الرابع في مسيرته كمخرج عقداً مميزاً في الفكر السينمائي للرجل (بل هو الأكثر تميزاً ) , و ينقلب بصورة عنيفة من أبعاد رعب الجسد ( أو رعب المادة ) كمنفذ نحو رعب الروح , ليلامس بإحترافية أستاذ رعب الروح ذاته في ثالث عمل له خلال الألفية بعد سبايدر و تاريخ من العنف , لكنه يبقي هنا على تيماته المفضلة وحتى على تلك التفاصيل المختلفة التي جلبها من مسيرته ونثرها في هذا العمل , وعشاقه الحقيقيون سيشعرون بحميمية عالية و هم يشاهدون إقتباساته البصرية هنا لحاملٍ يملأها الذعر مما سيحدث , أو لرجل يذبح , أو عندما يشاهدون الدراجة البخارية , أو حتى عندما يشاهدون الدم , الكثير من الدم , و إذا أردت أن تعرف لماذا لقب الرجل بـ( بارون الدم ) فعليك أن تشاهد المشهدين الإفتتاحيين لهذا العمل , و ما سيثيرهم أكثر هنا هو إبقاء الرجل لألق تيمته الأساسية ( الجسد كرمز بصري للتحول ) التي تتفجر هنا بصورة هي الأفضل لها منذ عقد على الأقل ..

الكاتب ستيفن نايت يتعرض مجدداً للأٌقليات المهاجرة في لندن بعد نصه الرائع في أشياء جميلة قذرة لكن من خلال منفذ آخر : في فيلم ستيفن فريرز كانت الأعمال التجارية للأقليات ستاراً لعصابات التجارة بالأعضاء , الأمر هنا مختلف قليلاً فالعصابات هنا تتاجر بالآدميين من خلال ذراع من أذرع المافيا الروسية تستوطن لندن وتستجلب المراهقات الروسيات إلى بلاد الضباب من خلال ( وعود شرقية ) بمستقبل رغيد بعيداً عن أرض الوطن .. النص يتحدى المشاهد بطريقة مستفزة في معرفة الخطوة التالية و الحدث القادم , إلا أنه لا يفلت من برود غريب يلف أحداثه التي ما تلبث أن تتصاعد رغم كل معوقات النص والفضل بالطبع يعود لقدرة كرونينبيرغ على موازنته بغرض تقديم عمل ينفذ في العمق بقدر كونه إثارةً محترمة , فرغم الحاجز الواضح الذي يعيقنا عن الإهتمام بالعصابة و بما تفعله وما تخفي وراءها إلا أن للمشاهد أن يلاحظ كيف تمكن كرونينبيرغ من خلق شعور متوازن بين صغر العصابة (3 أشخاص في ظاهرها ) و قوتها و عظمة نفوذها و علاقاتها , يضاف لهذا عمله العبقري على البعد البصري من خلال إحداث التأثير المطلوب للصورة دون أن يبهرجها , أمر نتأمله في التناقض البصري الواضح بين باب المطعم الروسي الجليدي وما يحيط به في تصوير للبرود البريطاني و بين أجواء المطعم الروسي الداخلية الدافئة و الحميمية , التضاد بين البيئة التي تحتضن الجيل الثاني من المهاجرين (بما فيهم آنا خيتروفا نفسها ) و الحميمية و الدفء الذي يجذبهم نحو الوطن الأم ( مُختَزَلاً في هذا المطعم السيبيري الدافيء ), هذا التناقض بين عالمين يفصل بينهما باب صغير يقدم تصويراً لكيف يمكن أن يخفي ذلك الحاجز كل ذلك الزخم ( البصري و الفكري ) , جزئية حققها عمل تصويري رائع ( أعشقه ) من بيتر سوتشسكي الذي يبدو هنا في أفضل حالاته , خصوصاً في مشهد عملية الوسم ذو السكون الأفلاطوني مقدماً صورة كرونينبيرغ الأثيرة ( لقاء الجسد بالتقنية كسبيل نحو التحول ) أو في مشهد قتال الساونا الذي لا يمحى من الذاكرة , وعلى خلاف المفهوم السلبي الدائم لإستخدام أسلوب الراوي ( المعتبر كنقطة عجز في أي نص ) فإن كرونينبيرغ يجعل من صوت الراوي ذو قيمة فنية أفضل و أكثر تأثيراً , أمر تؤكده قدرته على كسب تعاطفنا تجاه تاتيانا من خلال صوتها المنكسر ولهجتها الإنجليزية الروسية , نعومي واتس تقدم دورها بحميمية عالية تحس بصدق أداءها رغم عدم إمتلاك الشخصية المساحة الكافية في التحولات الدرامية التي تحدث , فانسان كاسل يقدم أداءاً مقدراً لدور كيريل الإبن القوي من الخارج الهش جداً من الداخل , آرمين ميلر ستال عظيم في هذا الدور لرجل تملأ الإبتسامة وجهه المشرق وهو يحاول إبقاء عالمه كما هو ويرد بحزم وشراسة تجاه أي محاولةٍ لتدميره , فيغو مورتينسن يقدم دون أدنى شك الدور التتويجي لمسيرة مشرقة لهذا الممثل خلال هذا العقد .. الخامس على قائمتي لأفضل أفلام 2007

التقييم من 10 : 9

0 تعليقات:

إرسال تعليق