الخميس، 11 ديسمبر 2008

There Will Be Blood

كتب : عماد العذري

بطولة : دانيال داي لويس , بول دانو , ديلون فريزير
إخراج : بول توماس أندرسون

عن رواية لأبتون سينكلير يأتي العمل السينمائي الخامس للمخرج الشاب بول توماس أندرسون , و يطل علينا بأفضل إفتتاحية لفيلم خلال 2007 يرسم ببراعة من خلالها مقدار المشقة التي تكبدها الرواد في صناعة النفط مطلع القرن الماضي و هم يسيرون بأميركا نحو عصر التحولات العظيمة , مشهد تنقيب صامت عبقري فعلاً و كافٍ تماماً لنتعرف بشكل واضح على الخصلة الأهم التي تزين شعر بطلنا دانيال بلينفيو ( الطموح ) , رجل لديه هدف و سيستخدم كل الطرق الممكنة وغير الممكنة ليحصل عليه , تشعر بعناده , بإصراره , برباطة جأشه , بإرادته , و الأهم بوحدته , هذا رجل يرسم حلمه لوحده و يسعى نحوه بمختلف الوسائل .

بعد قليل نتعرف على الرجل عن قرب : دانيال بلينفيو شخصية بانورامية للغاية , ربما هي واحدة من أكثر الشخصيات بانورامية في الألفية الجديدة , مزيج صلب و مقدم بعناية من الطموح و الثقة و الطمع شديد الثقة بنفسه , عذب اللسان رغم ملامحه الصخرية و فكه المنحوت و عيني الصقر التي تخلق رهبة من نوع خاص تجاهه , جرأته , لباقته , عنفه , شخصيته , سحره , قدرته على حل كل المشاكل التي تعترضه , علاقته مع إبنه المتبنى لا تنبع من حب بقدر ما تنبع من إستغلاله لكسب إحترام الآخرين و كسب ثقتهم , لكنه عندما يتخلى عن إبنه الذي يصاب بالصمم نتيجة إنفجار في أحد آبار النفط يفقد إحساسه الحقيقي الوحيد بالبشر , دانيال بلينفيو رجل جاء من مكان لا يعرفه أحد , لا يحب أحداً , و لا يريد لأحد أن يكون مقرباً منه , هذه الكراهية تنبع في الواقع من إدعائه أنه لم يجد ما يحبه فيهم , توماس أندرسون يبدو و كأنما تروقه هذه الفكرة فيعمد على ترسيخها , فأنت لا ترى شخصية في الفيلم يمكن أن تسحرك أو تكون قريبة منك , رجل يفتقد للمعنى الحقيقي الذي يتشدق به في خطبه ( حس العائلة ) , يغريه هذا الحس عند ظهور أخ غير شقيق له , يشعر الرجل بأن شخصاً كهذا بقرابته العائلية به و بضعفه و إستكانته هو الوحيد الذي يمكن أن يكون مقرباً منه , لكنه يقتله عندما يكتشف زيف إدعائه , بلينفيو يكتسب مع إزدياد ثرواته و نفوذه فساداً في نفسه , يتدرج الرجل نحو كره حقيقي للجنس البشري , أحياناً تشعر بأن بلينفيو لا يحب حتى نفسه , شعورٌ ينبع من إحساسه بدونية البشر بالنسبة له , تماماً كما لو أنك تشاهد جيك لاموتا منقباً عن النفط , لكن بلينفيو يفوق لاموتا بكثير في هذه الجزئية .

لكن الرجل لا يبدو وحده في الصورة , غريمه لا يقل عنه طموحاً , إلي سانداي يطمح لإمبراطورية من الأتباع الدينيين لكنيسته التي يود بناءها , الرجلان يشتركان في الشيء ذاته , كلاهما يستغلان الآخرين لخدمة مصالحهما , و كلاهما يبدءان من اللاشيء , و يعتمدان على لسان عذب و قدرة إقناع للوصول إلى ما يطمحون إليه , و كأمر طبيعي لا بد من إصطدام الثروة مع الدين , إسقاط صارخ على أميركا مطلع القرن و حجم الإنقسام الذي حدث فيها و لا يزال , يدخل بلينفيو ( في مشهد لا ينسى ) إلى الكنيسة ليحصل على قطعة أرض , ثم يعود سانداي إلى قصر بلينفيو ليحصل على الدعم لكنيسته في ختام الفيلم , بين المشهدين خلاصة صراع دام لأكثر من عقدين , بين الرجلين تبرز أمريكا التناقضات : السعي المجنون نحو المال و السلطة و القوة و الواجب المفترض في إقناع نفسها بما لا يعقل قبل أن تسعى نحو إقناع الآخرين , توماس أندرسون يصنع في بلينفيو صورة بانورامية فريدة و مجنونة , هذا الجنون هو ما حول إنتقادي لنهاية الفيلم في مشاهدتي الأولى له إلى إعجاب واضح بها في المشاهدة الثانية , تقديم توماس أندرسون لهذه الشخصية التي تنحدر تدريجياً نحو العزلة و كره البشر يجعل أي نهاية أخرى سوى الجنون غير منطقية , كما يقول روجر إيبرت ( لا يمكن لأي نهاية أخرى أن تكون بديلة في هذا العمل ) , لحظة الإنتقام التي تنبع من جنون الرجل هي النهاية الأفضل لهذه الملحمة , صورة ربما مستقبلية للصراع المتطرف بين المال و الدين في أمريكا المعاصرة.

دانيال داي لويس يقدم واحداً من أعظم الأداءات التي قدمتها سينما الألفية الجديدة , قدرته على أسر المشاهد منذ المشهد الأول ( علماً بأنه يظهر في جميع مشاهد الفيلم بإستثناء مشهد واحد لعائلة سانداي ) من خلال نبرة صوته و النغمة المدروسة بعناية شديدة و التي تتراوح بين القدرة على الإقناع و الإخافة , لم أشاهد منذ زمن أداءاً قادراً على أن يستولي على إهتمام المشاهد طوال ساعتين و نصف كما يفعل أداء داي لويس هنا.

ثنائية مصمم الإنتاج جاك فيسك و المصور روبرت إلزويت عظيمة , تخلق إحساساً حقيقياً بأميركا مطلع القرن , هناك لقطات في هذا الفيلم تتكلم , تشعرك بمقدار العزلة التي يعيشها بلينفيو , تقدم بيئتها و حقبتها بصدق يفوق معظم أفلام الألفية حتى تلك التي توجت بجوائز أوسكار في هاتين الفئتين , موسيقى غرينوود قد لا تكون خارقة أو إستثنائية لكنها بإختصار مميزة جداً , و لا تغادر الذاكرة .. جداً.

الإنحراف الواضح الذي أحدثه توماس أندرسون على مسيرته التي بنيت في أربعة أفلام سابقة على أحداثِ حقبٍ معاصرة يؤتي ثماره هنا , و يثبت فعلاً المكانة الرفيعة التي يحتلها الرجل ضمن بقية أبناء جيله , There Will Be Blood كلاسيكية سينمائية ملحمية حفرت مكانها فعلاً في مسيرة السينما التي تتناول أمريكا مطلع القرن , الرابع على قائمتي لأفضل أفلام 2007.

التقييم من 10 : 10


0 تعليقات:

إرسال تعليق