الأربعاء، 22 أبريل 2009

Vertigo

كتب : عماد العذري

بطولة : جيمس ستيوارت، كيم نوفاك
إخراج : ألفريد هيتشكوك

جون سكوتي فيرغسون محقق سابق في شرطة سان فرانسيسكو تقاعد عن العمل بسبب حدث لها تعرض عندما فقد أحد زملاءه ، الذي سقط من شاهق ، بسبب عجزه عن مد يد المساعدة له. جون سكوتي فيرغسون لم يتقاعد فقط بل أصيب برهاب المرتفعات (أكروفوبيا) ، واختصر حياته في قضاء بعض المتعة في أشياء يحبها أو مشاركة الأفكار مع صديقته القديمة (وخطيبته أيام الجامعة) ميدج وود. بعض هذا الروتين تكسره موافقته على مهمة خاصة لصالح صديق قديم يدعى غيفن إليستر يوكله بمراقبة زوجته التي يعتقد أنها واقعة تحت رحمة واستحواذ شخصية ميتة. تتعقد الأمور عندما يشعر سكوتي بحميمية وانفتان بالشقراء الحسناء، ويتحول عمله من مجرد مهمة إلى عملٍ خاص في إعادة التوازن لحياة المرأة التي سحرته ، وبعد أن ينقذها من محاولة انتحار يجد نفسه واقعاً في حبها ، قبل أن تفاجئه وتفاجئنا التطورات الناشئة التي تحدث في هذه القصة الغامضة ، التي تحمل في كل جنباتها وفي كل لقطةٍ من لقطاتها بصمة لا تخطئها العين إشتهر بها ملك الإثارة والغموض المتوج، سير ألفريد هيتكشوك. 

في هذا الفيلم يصل ألفريد هيتشكوك إلى مفخرته الحقيقية و المأثرة السينمائية التي ربما ستبقى عالقةً في أذهان من عشق أفلامه أكثر من غيرها ، فيلم عظيم عن الإستحواذ والرغبة والهوس ، فيلم عن الحب و عن قوته المدمرة ، غوص حقيقي في الإنهيار الساحق الذي يصيب الرجل تجاه صورة المرأة المثالية التي أحبها. ورغم أن بعض عناصر الحبكة وتفاصيل الإثارة التي قدمها الفيلم تبدو بسيطة مقارنة مع ما نراه اليوم ، إلا أن الإثارة والغموض بالذات عُرفت على الدوام بين كل الأصناف السينمائية بأنها وليدة زمانها وابنة حقبتها ، وأن ما يمنح هذا الفيلم كل هذا الخلود والإحتفاء هو أنه ذهب أبعد من غموضه وإثارته ليسبر جوهر الحب والصورة المثالية له أبعد من معظم الأفلام الرومانسية التي شاهدناها أو نشاهدها. 

ما يثيرني دائماً في هذا الفيلم بالتحديد بين أفلام هيتشكوك هو إمساك العصا من منتصفها وتحقيق اتزانٍ غير اعتيادي بين المحاور الثلاثة (الإثارة ، واللغز ، وقصة الحب) ضمن معالجة سيكولوجية تغلفها بنيةٍ Dream-like منحته خلوده وتعدد قراءاته. في إفتتاحية الفيلم يبدو هيتشكوك بسيطاً للغاية وهو يقدم العقدة التي ستدفع سكوتي للتقاعد من سلك الشرطة. محاولته الفاشلة مساعدة زميله في أحد المطاردات التي قادت لوقوعه وموته. هيتشكوك يبدو وكأنما يتعمد أن يظهر هذا المشهد كمشهد تأسيسي فقط ، بطريقة لا تجعل هذه المطاردة بطريقةٍ أو بأخرى مهمة للمتلقي. عقدة الأكروفوبيا التي يدرجها النص هنا ربما لا تبدو تلك العقدة الجوهرية التي ستسيِّر أحداث الفيلم ، وبإنتهاء الفيلم لا يشعر المشاهد بأنها تمتلك ذلك التأثير حتى في مشهد الإنتحار الذي يمكن أن ننسبه إلى أي شيء آخر عوضاً عن أن ننسبه للأكروفوبيا. هذه العقدة تمد النص والشخصية بغنىً حقيقي على مستوىً آعمق فارضةً subtext أغنى يتخطى محورية الحوادث التي تشكل مفاصل حياتنا إلى الآثار العميقة التي تخلفها. 

الفيلم يتتبع الآثار التي تشكلها بعض الحوادث المهمة في حياتنا ، معتبراً الدوار والأكروفوبيا واجهةً لهذه النتائج ، ثم ينجح تمامًا في منتصف الفيلم من الهروب بمشاهده من تلك العقدة ونسيانها مسلّما ظاهر الصورة إلى سكوتي الذي يقع في حب مادلين نتيجة لمراقبته لها ولإقترابه منها. وقوع سكوتي في حب مادلين هو (نتيجةً) لإغواءها له وربما لشعور داخلي بالذنب تجاه الجرح الذي سببته له بتعلقه بإمرأةٍ مزيفة. الفيلم في سطحه وفي باطن طبقاته المتعددة يتعامل مع النتائج أكثر من إهتمامه بالحوادث. أنت لا تهتم بالآلية التي يراقب بها سكوتي هذه المرأة (ومصدر إهتمامك الوحيد ربما نابع من كونك تشاهد في الواقع فيلم اثارةٍ وغموض). لا تهتم بالمقابل بالطريقة التي تنكسر بها شخصية مادلين تجاه هذا الشخص الذي أصيب بالهوس تجاه مراقبتها (أو بمعنى آخر مراقبة القالب الذي صنعته في شخصية جودي). أنت تهتم في الواقع بالطريقة التي يغوص فيها هيتشكوك في جوهر عملية الإستحواذ التي أصابت سكوتي ، في جوهر الحب الذي ضربه والنابع في أساسه من الصورة المثالية للمرأة التي تحب والتي وجدها في جودي (أو مادلين). هيتشكوك باكراً جداً يخبرك بأنه لا يهتم بالحوادث قدر إهتمامه بالنتائج.

بالمقابل يبدو هذا الفيلم أفضل أفلام هيتشكوك على صعيد التمهيد لإثارته (جزئية لا يضاهيه فيها سوى Psycho). منذ المشاهد الأولى تخبر المصممة والرسامة ميدج وود صديقها سكوتي بأن صدمةً عاطفية ستكون كافية لإخراجه من حالته ومعالجة الأكروفوبيا التي أصابته , هذه المباشرة تبدو مقترنةً بالمهمة التي يوكلها له صديقه السابق في فترة الدراسة الجامعية غيفين أليستر الذي يعمل الآن في صناعة السفن لصالح أسرة زوجته الثرية , مراقبة زوجته الخاضعة لسيطرة وإستحواذ شخصية ميتة لا نلبث نكتشف بأنها جدة والدتها. هذا التتابع المبكر لا يؤسس فيه هيتشكوك للشخصية والدوافع فحسب كما هو متوقعٌ في فيلم Three acts بل يوظف ميزانسين الحركة الأولى من الفيلم في إحكام بنية الـ Dream-like التي غذى بها روح فيلمه ومنحته خلوده وتجدده. مرحلة المراقبة هي واحدة من أفضل مقطوعات الإثارة والترقب التي صنعها هيتشكوك في مسيرته.

في جميع أفلام هيتشكوك التشويقية هناك الكثير من (حسن الظن) أو (سوء الظن) يقودان عملية التشويق , وتركيز هيتشكوك على هذا الوتر يبدو في ذروته هنا , وهذا الوتر بالذات هو ما يمهد للمشاهد - في هذه المرحلة المتأخرة من الفيلم - لمشاهدة مفاجأةٍ من العيار الثقيل , وكأنما هي لعبة أعصاب , حيث يعمد السيناريو في الذروة – وبدافع من الشعور بالذنب تحمله مادلين - لفك بعض الغموض في الأحداث لمشاهده , وعوضاً عن مواجهة مباشرة قد تبدو غير منطقية بين سكوتي ومادلين , يسرد علينا السيناريو ما حدث في رسالة إعتراف خطية تكتبها مادلين لسكوتي ثم لا تلبث أن تمزقها ربما بسبب رغبتها أن تعيش بكذبتها , أن تبدأ بحبه من جديد في شخصيتها الجديدة (الحقيقية) , لكن الأمور لا تسير بهذه البساطة. سكوتي تعرض لردةٍ عاطفيةٍ بسبب ما حدث له , توقفت عاطفته عند الصورة المثالية (والوهمية) التي رسمها لجودي , وعندما إلتقى سكوتي بمادلين أراد إستعادة جودي في ذات المرأة التي صنعتها. صورة للتعلق بالحلم أو بالوهم , الإستحواذ الذي يصيبنا تجاه الصورة المثالية التي تأسرنا , تلك العاطفة التي لا تموت عندما يبدو الحب الأول صورةً مثالية لمن يحب فيرفض - لا إرادياً - التوافق مع أي صورةٍ أخرى. سكوتي رجل يريد صناعة إمرأته المثالية (وهي طبعاً شقراء غامضة وفقاً لتقاليد هيتشكوك!!) وهي تيمة طرقها جورج بيرنارد شو في رائعته الشهيرة Pygmalion , وتكررت أكثر من مرة بتيمات ومعالجات مختلفة كما في فيلم برايان دي بالما Obsession أو في فيلم كينيث براناه Dead Again , لكن المأساة هنا تكمن في أن هذه المرأة المزيفة والخادعة خدعت نفسها قبل كل شيء , لقد وقعت في الحب , والرجل بتفضيله لصورة المرأة التي تعلق بها على تلك الواقعة في حبه الآن يبدو بطريقة غير مباشرة وكأنما يعاقبها على ما فعلته , لكنه يبدو أيضاً وكأنما يخسر المرأتين معاً. مادلين (بفعل أداءٍ عظيم من كيم نوفاك) تنسحق أمام حقيقة كونها فتنت من تحب في صورة إمرأةٍ أخرى لم تعد موجودة , ثم عجزت عن أن تأسر إهتمامه في صورتها الحالية. شعور بالغيرة المرّة تجاه شخصية غير موجودة إبتدعتها هي , إمرأة تخضع لمطالبة من تحب – ليس فقط بدافعٍ من حبها له بل أيضاً بدافعٍ من شعورها بالذنب تجاه ما إرتكبته بحقه – وتقرر أن تعيد صناعة المرأة الميتة التي أحبها , الصورة المثالية التي رسمها في مخيلته.

في حركته الثانية يسلّم هيتشكوك الحدث لخيال المشاهد في التعامل مع كم الحقائق والإكتشافات التي يجدها. يبدو هنا وكأنما يضعنا جنباً إلى جنب مع سكوتي , نراقب ونبحث ونستكشف ونحاول ربط الخيوط ببعضها , وهو تسليمٌ مدروس يدرك هيتشكوك فعاليته في التلاعب بالمشاهد وفتح نافذة واسعةٍ أمامه في التأويل والتفسير ، الأمر الذي لا يقتل رتم الإثارة باكراً بل يجعلها نابضة وحية طوال الفيلم. هذه الجزئية بالذات هي القوة الحقيقية للإثارة التي يقدمها هذا الفيلم عن أغلب أعمال هيتشكوك الأخرى وحتى بعض كلاسيكياته العظيمة. هيتشكوك لا يفرض ولا يوجه الأحداث ولا يرمي بثقل فيلمه على ظاهر إثارته التي من السهل ان تجدها متوقعةً أو منتميةً لزمنها , هو يحترم كثيراً مخيلة مشاهده ويتيح لها ان تعمل بكل طاقاتها لمجاراة التطورات التي تحدث في subtext الحدث بدلاً من الإهتمام بالحدث ذاته , هيتشكوك مجدداً لا يهتم بالحوادث قدر إهتمامه بالنتائج.

بعيداً عن الإثارة التي ستبدو مدخلاً سهلاً وخادعاً لتناول الفيلم , يبدو هذا الفيلم (وهو واحد من ثلاثة أفلامٍ عظيمة قدمها الرجل عن الإستحواذ الأنثوي) غامضاً أيضاً في أحداثه , مسحة غموض نابعة من كون فترة المراقبة ذاتها تأخذ منظور الـ First Person دون أي محاولة لفهم ما يدور من جانب الطرف الآخر , لذلك يبدو لهذه المرأة الشقراء ذات تسريحة الشعر المميزة والتي ترتدي الرمادي وتضع شالاً أسوداً على كتفيها هالةٌ غامضةٌ وعبقرية في آن. تمكن حقيقي من هيتكشوك في تخليد صورة الحسناء الشقراء التي رافقت أهم أعماله , ليس هذا فحسب بل أن هذا الترسيم المرعب لهذه الشخصية وفقاً لهذا التناسق اللوني المخيف صنع أخلد صور الشقراوات في مسيرة هيتشكوك التي تمتليء بهن , صورة لم تتمكن حتى إنغريد بيرغمان بجمالها وفتنتها وعظمتها من مجاراتها في Notorious. هذه الصورة للحسناء الشقراء صنعت مع الموسيقى التصويرية العظيمة من بيرنارد هيرمان ، التي تزداد بلاغتها التعبيرية قوةً في مراقبة جون لجودي ، تأملاً صامتاً في شخصٍ غامضٍ بالنسبة لمراقبه كما هو غامض بالنسبة لنا كمشاهدين , وهو غموض لا يجاريه في أعمال هيتشكوك الأخرى سوى Psycho أيضاً (بإختلاف المعالجة).

عندما يتعرف سكوتي على مادلين عن قرب يمنح هيتشكوك فيلمه دفعاً عاطفياً حقيقياً من خلال المشهدية رفيعة المستوى التي يصنعها , خصوصاً في مشهد إنقاذها من الإنتحار أو في مشهد شجرة السكوايا العملاقة أو في ذهابهما معاً إلى البحر. يبدو سكوتي (على الرغم من سوء تواصلنا – المقصود - مع منشأ علاقة الحب لأن هيتشكوك كما ذكرت لا يتعامل مع الأحداث قدر إهتمامه بالنتائج وهو عنصر يغذي بإمتياز بنية الـ Dream-like) وكأنما أصيب بإستحواذ تجاه هذه المرأة المنكسرة التي تريد أن تقود حياتها نحو الهلاك في ربيع شبابها. سكوتي يرى فيها الصورة المثالية للمرأة , وهي جزئية رسخها هيتشكوك كما ذكرت من خلال عمله المدروس على الصورة الظاهرية لهذه المرأة والمحاكاة التي تبديها تجاه صورة المرأة المرسومة في اللوحة , صورة مثالية للحب ذاته. سكوتي في الواقع رجلٌ عادي لكنه وضع في ظروف إستثنائية جعلته على إحتكاك عن قرب بهذه المرأة. رجل أحب الصورة المثالية للمرأة التي راقبها وبحث عنها ، راقبها من الخارج فأصابه الهوس تجاهها من الخارج أيضاً. وعندما تنتحر جودي - في مفاجأة صاعقة بالنسبة للمشاهد - تبدو الصدمة أكبر على هذا الشخص الذي يرى نفسه مسؤولاً عما حدث. في لحظةٍ خاطفة ودون ترددٍ من النص يعيش سكوتي - الشخص الذي وقع أسيراً لهذا الحسناء التي تحتاج للمساعدة - صدمة عاطفية لا تنتهي خصوصاً مع التساؤل الذي يطل على المشاهد في هذه الفترة (ماذا بعد ؟). 

هيتشكوك يبدو وكأنما يعشق نموذج إمرأته المثالية : الشقراء المنكسرة داخلياً رغم سطوتها الخارجية والتي يمكنها أن تفعل الكثير في سبيل أن ترضي من تحب. صورةٌ شاهدناها بعظمة في Notorious لكنها هنا تبدو في قمة طغيانها وعبقريتها. من جهة تبدو جميع نساء هيتشكوك مسحوقاتٍ بشكلٍ أو بآخر , ومن جهةٍ أخرى يبدو سكوتي في طلبه هذا صورةً مجسدةً للحلم المبتور , الحلم الذي تعجز عن الوصول إليه فتجاريه. سكوتي يغير شكل مادلين كي يجاري حلمه المبتور مع جودي , ومادلين في الجانبين تقع فريسة لعبها دور الأداة والوسيلة , في المرة الأولى ضحيةً للمال , وفي المرة الثانية ضحيةً للحب. وعندما تدخل مادلين إلى الحمام لترتب هندامها وتخرج في صورة جودي , يبدو المشهد بتصويره وإضاءته ورهبته أقرب إلى الولادة والإنبعاث , واحد من أفضل المشاهد على الإطلاق في مسيرة المخرج الكبير.

في الختام عندما يتسلق الحبيبان برج الكنيسة - في ذروة بنية الـ Dream-like التي صنعها هيتشكوك بعظمة - كمجاراةٍ للجريمة التي حدثت هنا سابقاً , نشعر تماماً بكل ما يعتمل في نفسيهما. رغبة سكوتي في وضع جودي تحت وطأة الذنب الذي إرتكبته في ذات المكان الذي إرتكبته فيه , ورغبة تقابلها من جودي في إرضاء من أحبت حتى وإن كانت ذاتها مسحوقة ومهمشة في علاقة الحب هذه , وعندما يظهر خيال راهبةٍ قرب جرس الكنيسة يبدو إنتحار جودي مفاجئاً وصادماً بقدر ما هو منطقي أيضاً , إمرأةٌ حاولت – بحضورها إلى مسرح الجريمة - التكفير عما فعلته بحق الشخص الذي أحبته , دون أن تتناسى ما فعلته أيضاً بحق إمرأةٍ لا ذنب لها. تشعر الآن بأن شبحها عاد لينتقم منها في ذات المكان الذي إرتكبت فيه جريمتها. تتلاشى الحواجز بين الصورة النمطية لفيلم الإثارة التقليدية ذو الحبكة الخطية المتوقعة وبين غموض التحولات النفسية التي مرّت بها شخصيتا الفيلم في صورةٌ (غيبوبية) تسبح بين الحقيقة والوهم وبين الواقع والتمني.

الكثيرون يصنفون ألفريد هيتشكوك على أنه أعظم من تعامل مع سينما الإثارة والغموض , ويمكنني أن أقول في هذا السياق : بين أعمال الأعظم , هذا هو الأعظم.

التقييم من 10 : 10