الجمعة، 8 مايو 2009

Rashomon

كتب : عماد العذري


بطولة : توشيرو ميفيوني , ماتشيكو كيو , ماسايوكي موري
إخراج : أكيرا كوروساوا

كاهن بوذي و حطابٌ فقير و رجلٌ من العوام يجلسون في إحدى السقائف أمام خراب بوابة معبد قديم تحمل إسم راشومون في كيوتو اليابانية القرن الثاني عشر , يستظلون بها من العاصفة المطرية التي تضرب المنطقة , و كمحاولةٍ لقتل الوقت , يتناقشون في الجريمة الغامضة التي صعقت سكان البلدة , قاطع طريق يعترض رحلة مقاتل ساموراي مع زوجته الجميلة في إحدى الغابات , و يتمكن بالحيلة من تقييد الرجل من أجل الحصول على زوجته , و تكون النتيجة : إغتصاب المرأة , و مقتل الرجل , لكن كيف حدث هذا ؟ و مع أربع روايات مختلفة يرويها قاطع الطريق , و الزوجة , و روح الرجل التي تستحضرها المحكمة , و الحطاب الذي كان شاهد عيانٍ على ماجرى , أيها يمكننا أن نصدقه ؟ رمز السينما اليابانية الأشهر و أحد أعظم المخرجين عبر العصور أكيرا كوروساوا في فيلمه الذي قدم تنظيره الشهير لما بات يعرف سينمائياً اليوم بـ ( نسبية الحقيقة ) ..

في هذا الفيلم يصل أكيرا كوروساوا باكراً جداً إلى إنجازه السينمائي الأعظم ربما , صحيح أن الفيلم لم يحظ بذات الشعبية الجماهيرية التي حظيت به تحفته الأخرى The Seven Samurai , لكن لا يوجد ربما مراقب أو متابع سينمائي يمكنه أن يتجاهل حجم التأثير الجبار الذي حققه هذا العمل في تاريخ السينما , باب التأويلات و حجم النقاشات التي دارت حوله , مقدار الأثر الذي أحدثه على عددٍ واسعٍ من الأعمال السينمائية تناولت ( نسبية الحقيقة ) بشكلٍ أو بآخر , نذكر منها The Usual Suspects و Courage Under Fire و Hero و Memento و غيرها , أو مقدار النفوذ الذي بسطه على الأسلوب السردي لعددٍ من كبار مخرجي السينما بمن فيهم الأمريكي روبرت ألتمان , و الهندي ساتياجيت راي و حتى السويدي إنغمار بيرغمان , و لو لم يكن للفيلم إلا ذلك الباب الواسع من النور الذي فتحه على مصراعيه للسينما اليابانية كي تنطلق إلى العالمية , و القفزة النوعية التي حققها للأفلام اليابانية نحو تقديم ماهو عالمي إنطلاقاً من التنوع التاريخي و الحضاري لبلاد الشمس , من خلال كونه أول فيلم ياباني يتوج بأسد فينيسيا الذهبي كأفضل فيلمٍ عام 1951 , و كونه أول فيلمٍ ياباني يفوز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي ( الشرفية حينها ) عام 1952 , لو لم يكن له من التأثير إلا هذا , لكفاه ذلك فخراً و شرفاً ..

راشومون يسرد - عن قصتين قصيرتين للكاتب ريونوسوكي أكوتغاوا بعنوان : Rashomon و In a Grove – أربع قصص متبانية - ذكرت ثلاثٌ منها في جلسة محاكمة لم نعرف نهايتها – عن جريمتي إغتصاب و قتلٍ تعرض لهما مقاتل ساموراي و زوجته أثناء رحلةٍ لهما عبر الغابات القريبة من راشومون في مدينة كيوتو اليابانية , يمارس فيها المشاهد دوراً لا يختلف بطبيعة الحال عن دور القاضي المحكم بالبت في هذه القضية , بل أننا نأخذ منظوره في المحكمة و لا نراه في أي مشهد , من خلال هذه القصص الأربع يحاول أكيرا كوروساوا – الذي كتب النص أيضاً بمساعدة شينوبو هاشيموتو – خلق تصوير حقيقي و منطقي للمفهوم شديد الهلامية لـ ( الحقيقة ) , الحقيقة كما يراها أصحابها , تتلون بألوانهم , و تتسم بطباعهم , و تتبع لأهواءهم , و تستمد قوتها من قناعاتهم , و تسعى بشكلٍ أو بآخر لإرضاء غرورهم و أنانيتهم ( من منطلق كونهم يروونها وفقاً لم يرونه و يرضيهم ) , و كوروساوا من خلال هذا المسعى يحاول جاهداً ألا يبقينا على تماس غير مباشر مع هذه الحقائق ( على إعتبار كوننا نأخذ دور المتلقي ) , كوروساوا يلغي تماماً دور الوسيط أو الرقيب ( أو بمعنى آخر دور المخرج كناقلٍ للنص ) و يتركنا نواجه الحقيقة بنسبيتها و هلاميتها , و هو من خلال توجهه هذا يتمكن من إيصال رسالته كما يريدها : فلا توجد قصةٌ تقنعنا بشكلٍ كافٍ , و لا يوجد في أي قصة من يستطيع أن ينال رضانا و تقديرنا على مافعله , في جميع هذه القصص الأربع نلامس الحقيقة من وجهة نظر صاحبها , و من وجهة نظر الأهواء التي تحكمه و القناعات التي يتبناها , و مع كون النهاية في القصص جميعها واحدة : مقتل الرجل و إغتصاب المرأة ثم هربها , إلا أن الحيرة التي تضربنا في الختام حول حقيقة ما جرى هو ما منح هذا العمل قوته الحقيقية النابعة من فكرته , لا وجود لشيء إسمه الحقيقة , الحقيقة أمرٌ نسبي بقدر ما تتتباين بإختلاف معطيها , تتباين أيضاً بإختلاف متلقيها ..

في القصة الأولى و هي قصة قاطع الطريق , يرى قاطع الطريق تاجومارو بأن قتله للرجل لم يكن في حسبانه , كان يرغب فقط في الحصول على المرأة , و مع حيلته التي تخلص بها من زوجها من خلال إصطحابه لرؤية خناجر ثمينة خبأها و دفنها و يريد أن يبيعها له بسعرٍ بخس قبل أن ينفرد به و يقيده , عاد تاجومارو و حصل على المرأة , إنفتان تاجومارو بالمرأة عندما رأى وجهها هو ما جعله يحقد على زوجها و يقودها لرؤيته مقيداً , و عندما حاولت قتله بإستخدام خنجرها تمكن من مراوغتها , فإستسلمت له , و عندما تحقق ما أراده و أراد أن يمضي في طريقه أجبرته الزوجة على قتال زوجها كيلا يقال بأنها عرفت رجلين , فتقاتلا بضراوة و إشتبكا 23 مرة , قبل أن ينتصر قاطع الطريق , في هذه القصة الأولى ( كما جميع القصص ) هناك إصرارٌ من صاحب الرواية على كونه هو من إرتكب جريمة القتل , و هناك أيضاً ثغرةٌ لا تجعل القصة المروية منطقية , فالزوجة هنا كان يمكنها أن تحرر زوجها مستخدمةً الخنجر الذي في يدها خصوصاً أنها كان أقرب إليه من تاجومارو , هذه الثغرة ( التي نشاهدها و لا يسردها الراوي ) تبدو و كأنما هي تطويع لأهواء الراوي ( كما نشاهد في الروايات الأربع ) في سرد القصة كما تقنعه , أو كما يحب أن يقتنع بحدوثها , في نظر تاجومارو إستسلمت الزوجة بمجرد رؤية زوجها مقيداً و حاولت بعض المحاولات البائسة لقتل تاجومارو , لكنها في الأخير إنهارت أمام رغباته , أو على الأقل هكذا يحاول أن يقنعنا ..

في القصة الثانية التي ترويها الزوجة تختلف الصورة , الزوجة تقول بأن تاجومارو أعلن لها بفخر من يكون بعدما إغتصبها , ثم إنطلق يركض في الغابات كالمجنون , ملأ نحيبها الغابة و عندما إقتربت من زوجها لم تر في عينيه أي غضبٍ أو حزن , بل رأت نظرة إحتقار و شماتة , تعامل معها كعاهرة , و توسلت إليه ألا يفعل ذلك , و عندما قتلتها نظراته , فكت وثاقه و طلبت منه أن يقتلها , فرفض و إستمر في نظراته , غابت عن الوعي و عندما أفاقت و جدت نفسها و قد غرزت خنجرها في صدر زوجها , قصة تبدو ثغرتها الحقيقية نابعة من رد فعل الزوج تجاه ما حدث لزوجته , رد فعل لا يتناسب مع شرف مقاتل الساموراي , خصوصاً مع كونها غصبت على ما فعلته , تبدو الزوجة في قصتها ( على عكس تفاخر تاجوامارو في قصته ) و كأنما تصر على وضع نفسها موضع الضحية البريئة التي خرجت من مأساة إغتصاب لتجد مأساة جحود زوجها و إحتقاره لها , و هي في روايتها تبدو غير واثقةٍ من كونها هي فعلاً من قتلت زوجها , رغم أنها وجدت زوجها مقتولاً بخنجرها الذي كان في يدها , ربما هو منفذ قصصي آخر سيأخذ بعداً ذو أهمية في القصة الرابعة التي يرويها الحطاب ..

في القصة الثالثة التي ترويها روح المقتول التي تستحضرها المحكمة و تستمع إلى شهادتها عبر وسيط , يقول المقتول بأن القاتل أغرى زوجته بعدما قام بإغتصاب , و أخبرها بأنه يهيم بها , و بعد برهة أحست بميلٍ تجاهه و تجاه البقاء معه , لكنها طلبت منه أن يقتل زوجها كيلا تكون لرجلين معاً , إقتراح يصدم زوجها المندهش لقرار زوجته , المقترح يشعر تاجومارو بالنفور تجاه هذه المرأة , نفور ( الرجل ) تجاه ( خيانة المرأة ) , فيخيِّر زوجها بين أن يقتلها أو يحررها , يقول المقتول بأنه شعر كما لو أنه سامح تاجومارو على فعلته هنا , لكن الزوجة تهرب فيركض تاجومارو في إثرها , لكنه لا يتمكن من العودة بها , فيعود ليحرر زوجها , الذين سرعان ما ينتحر من شدة الألم الذي أصابه جرّاء ما حدث , هذه القصة تفتقر لجزئية إقناع تتعلق برد فعل تاجومارو أساساً تجاه خيانة الزوجة , و الضمير الذي إستيقظ فجأة في قلب قاطع الطريق , تبدو الرواية نابعةً من هاجسٍ خفي لدى المقتول تجاه تبريره تخلي زوجته عنه و هروبها بعدما تعرضت له , يرسم صورةً بريئةً جداً و مظلومةً جداً عن نفسه , على خلاف ما حدث في الرواية الثانية , يبدو هنا و كأنما يرى في الإنتحار وسيلةً أفضل للموت بشرف بعدما سلب شرفه منه , الرواية الثالثة أيضاً تخضع لهوى صاحبها الذي يصر أيضاً - كما بقية الرواة – على كونه هو من إرتكب جريمة القتل ..

القصة الرابعة , وهي الوحيدة التي تروى خارج المحاكمة , يرويها علينا الحطاب الفقير , و روايتها بحد ذاتها تضرب في عمق عمل كوروساوا هذا , في الجوهر الذي يحاول تحريه عن ( الحقيقة ) , فالسبب الذي يدفع الراوي الأخير لرواية قصته أصلاً هو ولع الإنسان بالحقيقة , غريزته تجاه معرفتها , الراوي الرابع يريد أيضاً أن يحكي القصة كما يراها هو , لعدم إقتناعه بمنطقية أيٍ من القصص الثلاث , يقول الحطاب – الذي كان شاهد عيانٍ على ما جرى – بأن المرأة واصلت بكاءها بعد إغتصابها , و أن تاجومارو إستمر في مواساتها , و أخبرها عن حبه لها , و أنه على إستعداد للزواج منها و على إستعداد لترك حياة اللصوص و البحث عن أي عملٍ شريف , لكنها أخبرته بأن قراراً كهذا لا تحسمه إمرأة , و أن عليهما كرجلين أن يتقاتلا كي يحددا من يظفر بها , و عندما تحرر زوجها من أجل ذلك , يرفض زوجها القتال من أجلها لأنها لا تستحق ذلك و أنه يمكن لتاجومارو أن يحتفظ بها , قرارٌ يصدمها , و عندما تقع حائرةً بين الرجلين , تستفز رجولتهما و تدفعهما لقتال غريب , مكمن غرابته هو الخوف الذي تملك الرجلين من بعضهما البعض , ولم يكن قتالاً ضارياً كما صورته قصة تاجومارو الأولى , بل كان أشبه بالهروب من المواجهة , لكنه ينتهي في الأخير بمقتل الزوج على يد تاجومارو , هذه القصة تبدو مزيجاً من القصص الثلاث , ففيها إغراء تاجومارو للزوجة , كما تقول القصة الثالثة , و تخلي الزوج عن زوجته كما في القصة الثانية , و قتال الرجلين بسبب المرأة كما تقول القصة الأولى , في هذه القصة – و على خلاف بقية القصص – يبدو الراوي بعيداً عن نسب جريمة القتل إلى ذاته , و إن كان يداري حقيقة سرقته لخنجر الزوجة , الأمر الذي يكشفه الرجل الذي يشاركه الإستماع عند بوابة راشومون , هذه القصة و على الرغم من تقديمها على أساس كونها الأكثر مصداقية كونها تروى من قبل شاهد عيان و ليس من قبل أحد الأطراف الثلاثة , إلا أنها تبدو أكثر القصص الثلاثة إهتزازاً و عدم منطقية , سواءً بدعوة تاجومارو للزوجة بالزواج منه , أو بتخلي زوجها عنها , أو بالخوف الذي يملأ قلب مقاتل ساموراي و قاطع طريق شهير تجاه قتال بعضهما البعض في سبيل الشرف , تبدو القصة الأكثر موثوقية من حيث راويها , الأقل مصداقية من حيث أحداثها , ربما لسببين : الأول هو هزليتها كقصة و إمتلاؤها بالثغرات مقارنةً بغيرها , و الثاني هو كذب الحطاب منذ البداية بخصوص كونه رأي ما حدث ثم تعمده إخفاء سرقته لخنجر الزوجة المرصع بالجواهر , و مع هذا تبقى قصة الحطاب هي الأقرب للتقبل من قبل المشاهد بسبب أن الدافع الوحيد الذي يمكنه أن يجعله يكذب هو الطمع , و في القصص الأربع تختلف الحقيقة و يبقى الدافع موحداً : ( الأنا ) , الأنا في القصص الأربع تصيح بأعلى صوتها , و هو أمرٌ يتقصده كوروساوا كنوع من إشعار مشاهده بمغزى ما يرمي إليه , الحقيقة شيء نسبي نابع في الواقع من ذات من يرويها و من أهواءه و توجهاته , و من الطريقة التي ينظر بها إليها , و من القناعات التي تسيره , و أنه مهما كانت الطريقة التي تحكم تلقينا لها , فإنها في الأخير تبقى مسألةً نسبية غير متفقٍ عليها , لأن بعض التفاصيل الصغيرة التي حدثت هنا بين راوٍ و آخر كانت كفيلةً تماماً بإعطاء القصة بمجملها بعداً مختلفاً ..

نسبية الحقيقة يراها كوروساوا لا تنبع فقط من أهواء الرواة , بل هي تنبع أيضاً من أهواء المتلقين , من إستعدادهم لتقبلها , من القناعات التي تملأهم تجاهها , و من القابلية التي يطوعون أنفسهم بها لتلقيها , الأشخاص الثلاثة الذي إستمعوا للروايات الثلاث لأطراف الجريمة , إضافةً للشخص الرابع , وهو القاضي غير المرئي , أو المشاهد بمعنى آخر , جميعهم تلقوا هذه الروايات الثلاث بطرق مختلفة , جميعهم مالوا تجاه إحدى الروايات على حساب أخرى , جميعهم أحسوا بتعاطفٍ ما تجاه قصةٍ على حساب أخرى , لكنهم في الأخير لا يتفقون على شيء , و لا يصلون إلى نتيجة توحد آراءهم , حتى منظور الأشخاص الثلاثة تجاه الجريمة بحد ذاتها – بمفهومها الواسع – يبقى متبايناً , الحطاب يبقى مشدوهاً و عاجزاً عن إستيعاب الروايات التي إستمع إليها في هذه المحكمة , مدفوعاً بذنب يحمله تجاه الجريمة التي شاهدها و منع نفسه عن الإدلاء بشهادته , و الكاهن يفقد بسببها إيمانه بالجنس البشري , و ببقايا الإنسانية فيه , خصوصاً مع الروايات التي إستمع إليها و التي أعطته إنطباعاً معمماً عن بشاعة ما إرتكبه الإنسان بحق أخيه الإنسان , و الرجل الثالث يرى بأنها تبقى مجرد جريمةٍ مثل أي جريمةٍ سمع بها يوماً , و أنها كانت وسيلةً جيدةً لقضاء بعض الوقت ريثما تتوقف الأمطار عن الهطول , و النهاية التي يقدمها كوروساوا لفيلمه تبدو و كأنما هي لفتة تفاؤلٍ اخيرة بالجنس البشري الذي هاجمه في فيلمه , و كأنما بالإنسانية ما زالت موجودة حتى في قلوب المجرمين و اللصوص , نظرة تأمل في الإنسانية الضائعة وسط ركام الإختلاف و أنانية البشر , الكاهن في البداية ظن شراً بطلب الحطاب أخذ الطفل , لكنه يعتذر عن ظنه عندما يعلم بنية الحطاب تربية الطفل كواحدٍ من أولاده , مشهد يخبرنا ببساطة بأن الحقيقة تائهة , كلٌ منا يمكن أن يرى المشهد ذاته , لكنه يفهمه بطريقته الخاصة , و يطوعه وفقاً لظنونه و أهواءه ..

كوروساوا في هذا العمل يقدم إنجازاً بصرياً إستثنائياً , يبدو فيه و كأنما يرفع القبعة لحقبة الأفلام الصامتة , حيث كان هذا الفيلم ليكون إنجازاً عظيماً لو قدم في حقبة الأفلام الصامتة , خصوصاً في مشهده الإفتتاحي الطويل , فالحوار و الصوت لا يسلبانه الكثير من قوته و عمقه الذي تكون الصورة كفيلة لوحدها بتقديمه , المشهد المطري الذي تروى من خلاله الفلاشباكات التي تسترجع وقائع المحاكمة يبدو بفعل كاميرا عبقرية يديرها كازو مياغاوا كنوع من الإنذار و الترقب , محاولة جلب الإهتمام لفهم , أو على الأقل لمحاولة فهم , ما يحدث , أكثر من كونه عمليةً تطهيرية ( خصوصاً مع كون أطراف الجريمة الثلاثة غير موجودين ) , و هو من خلال إسرافها في تصوير المشاهد ذاتها – للروايات الأربع – من زوايا تصوير مختلفة , يبدو و كأنما يحاول إعطاء مشاهده إنطباعاً ( بصرياً ) عن إختلاف وجهات النظر تلك , و بالمقابل لا يعطي لأي رواية منها المظهر البصري الحقيقي الذي يمكن أن يمنحها مذاق الحقيقة , هو يمعن في إعطاءنا شعوراً مع كل رواية تروى بالدواخل التي تعتمل في نفسية راويها دون أن يشعرنا – بصرياً – بأننا نشاهد الحقيقة , أمرٌ لم يتوقف عند حدود الكاميرا , بل طوع فيها أداء ممثليه ( يقودهم شريكه العظيم توشيرو ميفيوني في أول أعمالهما معاً و التي إمتدت لتشمل 11 فيلماً في واحدة من أفضل الثنائيات في تاريخ السينما ) لمساندة الدور الهام الذي يلعبه التصوير , حيث يكون تعبير الأوجه كافياً بمفرده لقول الكثير , فشاهدنا بإنسيابية عالية كيف يمكن أن يصبح المقاتل الصنديد في روايةٍ ما شخصاً خائفاً في روايةٍ أخرى , و كيف يمكن للمرأة الوفية المنكسرة أن تصبح مجرد خائنة في روايةٍ أخرى , هذا التباين بحد ذاته خدم إلى حد كبير الإستراتيجية التصويرية للعمل الذي يتعمد التنقل بين زوايا تصوير مختلفة و طول لقطات مختلف لإضافة مزيد من الحيرة و التشويش لدى المشاهد الضائع بين القصص الثلاث , لنا بسهولة أن نتأمل التنوع الواضح بين طول اللقطة في رواية تاجومارو المجنونة , و طولها في رواية الزوجة الحزينة , فعلاً تتضاءل أهمية الصوت و الحوارات أمام القصيدة الشعرية البصرية التي تنسجها الصورة هنا بعظمتها و عبقريتها ..

ميزة المخرجين العباقرة أمثال ستانلي كيوبريك و إنغمار بيرغمان و مارتن سكورسيزي أنهم لا يحاولون الغوص في عقول جمهورهم و مريديهم لمعرفة ما يقدمونه لهم , بل يجبرون جمهورهم على الغوص في عقولهم , و هنا مخرج غاية في العبقرية إسمه أكيرا كوروساوا لم ينتظر أن يجبره الغرب على مجاراة سينماه , بل أجبر الغرب على رفع القبعة لأعماله العظيمة , جميع أفلامه كانت ملهمةً في الغرب , و بينها جميعاً يبقى راشومون تحفته الأزلية , و ثورته التي لا تنسى , و عمله الأكثر تأثيراً في سينما الغرب على الإطلاق ..

التقييم من 10 : 10