الثلاثاء، 30 يونيو 2009

Coraline

كتب : عماد العذري

بأصوات : داكوتا فانينغ , تيري هاتشر , إيان ماكشين
إخراج : هنري سيليك

كورالين جونز فتاة جريئة و مغامرة في الحادية عشر من عمرها تنتقل مع عائلتها من متشيغان إلى منزل عتيق في أوريغون , و مع ضجرها الشديد من الحياة التي تعيشها في ظل إنشغال والديها الكاتبين في وضع اللمسات الأخيرة على كتابهما عن البستنة تحاول كورالين التعرف أكثر على البيئة التي تحيط بها , فتتعرف على فتى مزعج يدعى وايبورن , تتعرف إلى جيرانها غريبي الأطوار : السيد بوبنسكي الروسي الأصل و الذي يقضي أوقاته المجنونة في تدريب الفئران القافزة , و السيدتان سبينك و فورسيبل الممثلتان البريطانيتان السمينتان , و معهم تكتشف كورالين كم هي حياتها الجديدة في أوريغون مملةٌ و كئيبة , و وضعٌ كهذا ربما يكون حافزاً لفتاة جريئة لتعرف مالذي يخفيه ذلك الباب الصغير الموجود في غرفة المعيشة , و إلى أين ينتهي الممر المريب الذي يفتح عليه , و هل سيكون الواقع الجديد الذي ستعيشه هناك وردياً فعلاً كما تتمنى كورالين أن يكون ؟
قلةٌ أولئك الذي يعرفون الدور الحقيقي الذي لعبه هنري سيليك في كلاسيكية الرسوم المتحركة الشهيرة لتيم بيرتون The Nightmare Before Christmas ربما بسبب العوالم التي خلقها العمل من الخيال الخصب لتيم بيرتون , و التفاصيل العديدة التي غمرت العمل من أفكار تيم بيرتون , قلةٌ أولئك الذين يتعاملون مع الفيلم على إعتبار أن تيم بيرتون هو من كتب هذا العمل فقط , و أن المخرج الفعلي للفيلم هو مخرج مغمور – في حينها – يدعى هنري سيليك , الرجل الذي إستمر ليصنع مسيرةً رسومية محترمة خصوصاً عندما أتبع فيلمه مع تيم بيرتون – و الذي تحول إلى كلاسيكية – بفيلمٍ آخر لقي إستقبالاً نقدياً مقدراً هو James and the Giant Peach , هنري سيليك بدى الآن و قد بلغ نضجه السينمائي الحقيقي من خلال تقنية الـ Stop-Motion Picture التي يعشقها , و التي أصبح في الواقع واحداً من أفضل من يقدمها اليوم , هنري سيليك قدم مطلع هذا الموسم فيلمه الرسومي الطويل الرابع في مسيرته , الفيلم حمل إسم Coraline , صنع به الرجل أول فيلم بتقنية الـ Stop-Motion Animation يصور يطريقة الـ 3D , الفيلم لم يخيب أمل مخرجه و بات مرشحاً بقوة ليخطف ترشيحاً لأوسكار أفضل فيلم رسومي في هذا العام الرسومي المشبع .

و الـ Stop-Motion Picture لمن لا يعرفها هي تقنية سينمائية قديمة للتحريك , تعود بداياتها إلى بدايات السينما ذاتها و تحديداً إلى عام 1898 و إن كان إستخدامها قد إقتصر في تلك الفترة المبكرة للغاية على تقديم بعض المؤثرات التي يستلزمها العمل كالمخلوقات الغريبة و الكائنات التي لا يمكن تصويرها فعلاً , و تعتمد هذه التقنية على نماذج حقيقية مصغرة عن بيئة العمل و شخصياته يتم تحريكها و إلتقاط صورة مستقلة لكل حركة تم تنفيذها بواسطة كاميرا صغيرة الحجم , و هكذا و مع مئات الآلاف من الحركات يعمل المونتاج لاحقاً على تحريك هذه اللقطات من خلال صفها وراء بعضها بشكلٍ منتظم , و هي التقنية التي قدمت للعالم الوحوش و الكائنات العملاقة في الفترة المبكرة من السينما نذكر منها أعمالاً مثل King Kong و Jason and the Argonauts , و مع مرور الزمن و ظهور الـ CGI ( أو الصور المولدة بالحاسوب ) - و التي أغنت آفاق المؤثرات الخاصة بطريقةٍ لا يمكن تصورها - بدأت تقنية الـ Stop-Motion Picture بالسير نحو الإضمحلال , لكن منفذاً آخراً فتح أمامها و أعادها إلى الواجهة من جديد , هذا المنفذ هو الرسوم المتحركة التي كانت غزوات الـ CGI فيها ما زالت خجولةً و محدودة , و مع الظهور الذي رحب به الكثيرون وجدت هذه التقنية طريقها في دنيا الرسوم المتحركة , خصوصاً من خلال الـ Claymation أو تحريك الصلصال و هو الفن الذي برعت فيه شركة آردمان البريطانية من خلال مخرجها العبقري نيك بارك الذي يعود إليه بشكلٍ أو بآخر الرواج الذي لقيته هذه التقنية خصوصاً مع فيلمه Creature Comforts عام 1989 قبل أن تحقق التقنية قوتها الحقيقية من خلال الأعمال القصيرة لسلسلة Wallace & Gromit , و أصبح فيلم Chicken Run واحداً من أكثر الأفلام تأثيراً في تاريخ الأكاديمية بفعل الأصوات العديدة التي نادت بترشيحه لأوسكار أفضل فيلم عام 2000 ( على حساب Erin Brockovich أو Chocolate ) و هو أمرٌ لم يحدث في حينها لكنه أجبر الأكاديمية على إبتداعٍ فئة جديدة في العام التالي هي ( أفضل فيلم رسومي ) , و على الرغم من التضاؤل الكمي لعدد الأفلام المنتجة بهذه التقنية اليوم مقارنةً بتلك التي تستخدم الـ CGI ( خصوصاً مع الفورة التي أحدثتها بيكسار و دريم ووركس و حتى فوكس في هذا المجال ) إلا أن هذه التقنية بقيت ذات هالةٍ خاصة في دنيا الأفلام الرسومية , ربما بسبب الإحساس الأوروبي الذي تمنحه لعشاقها بعيداً عن هوليوودية ديزني و بيكسار و دريم ووركس , و بين أفضل من برع إسمه في عالمها لا يمكن للعين أن تخطيء فن هنري سيليك .

كورالين يأتي إقتباساً من عملٍ أدبي فانتازي للكاتب المرموق نيل غايمان الذي نال عنها جائزة هيغو الأدبية الرفيعة و إستلهم فيه الرجل العمل الأدبي الشهير للويس كارول ( أليس في بلاد العجائب ) , يحكي الفيلم قصة كورالين جونز الفتاة المتذمرة على الدوام من إهمال والديها لها , خصوصاً عقب إنتقال العائلة إلى منزلٍ جديد في مدينةٍ جديدة , المنزل بنمطه القوطي يبدو مثيراً لخيال كورالين ( ينطق الجزء الثاني من إسمها مثل Line , كيلا تغضب منا كعادتها ! ) , كورالين تعيش وحدة في منزلها و بين عائلتها , والداها كاتبان في أعمال البستنة , يقضيان جل وقتهما أمام الكومبيوتر في محاولةٍ لإنجاز كتابهما الجديد , و يحاولان صرفها عن إزعاجهما بوسائل مضحكة من قبيل عد أبواب المنزل الجديد أو عد كل ما هو أزرق في المنزل ! كورالين لا يروقها أبداًَ ما يحدث لها في المنزل الجديد فتبدأ بجرأتها المعتادة محاولة إستكشاف البيئة الجديدة التي تعيش فيها , تلتقي في البدء بالفتى وايبورن ( تترجم كورالين إسمه حرفياً إلى : لماذا ولدت ؟ ) حفيد مالكة المنزل غريبة الأطوار , و تلتقي كذلك بقطه الأسود , وايبورن يبدو لكورالين فتىً مزعجاً و ثرثاراً و جباناً , لكنه بالمجمل يبقى أفضل من أن تضل وحيدة في مكانٍ كهذا , شخصية وايبورن تبدو مصنوعةً خصيصاً لكسر الوحشة في عالم كورالين المبكر و محاولةً لخلق نوعٍ من الألفة تجاهه , هنري سيليك في بداية فيلمه يعي جيداًَ أن جزءاً كبيراً من جمهوره هم أطفال و قد لا يروقهم رؤية فتاةٍ وحيدة مهمشة في مثل هذا العالم غير اللطيف ..

لاحقاً لا تلبث كورالين أن تتعرف أيضاً إلى البيتين الآخرين اللذين يشاركانها هذا المنزل العتيق , في الأعلى يقطن السيد بوبينسكي رجل السيرك غريب الأطوار ذو الأصول الروسية و الذي يتفاخر بمهنته كمروضٍ للفئران القافزة , و في الأسفل تقيم السيدتان سبينك و فورسيبل , ممثلتان بريطانيتان سمينتان تعيشان على أمجاد الماضي في صورةٍ ذكرتني بأجواء فيلم Gigi , و على الرغم من أن جيران كورالين يضفون بعض الألوان على حياتها الرمادية إلا أن كورالين تبقى على تذمرها ذاته , وايبورن يهدي كورالين دميةً صنعتها جدته , تثار كورالين بحقيقة أن الدمية في الواقع تشبهها في ملامحها لكنها لا تكترث للأمر بعد ذلك , لكن هذه الدمية التي تلاحقها ذات يومٍ في المنزل تقودها إلى باب صغير في أحد جدران المنزل , و على الرغم من أن الباب يثير خيال كورالين لوهلة إلا أنها سرعان ما تعود لإحباطها و تذمرها عندما تكتشف أن الباب لا يفضي إلا إلى الحائط وراءه و أنه أخفي عندما تم فصل المنزل إلى قسمين , لكن الليل يحمل لها مفاجأةً غريبة , أرنب أليس الشهير يخرج من الباب , هو في الواقع ليس أرنباً و إنما مجرد فأر صغير يقودها نحو الباب المفتوح على ممر يؤدي بها في نهايته إلى منزلها ذاته , لكن في واقعٍ بديل , يثير سعادة كورالين التي لا تلبث أن تتحول إلى قلقٍ شديد .

خلال هذه المقدمة يكون هنري سيليك قد نجح إلى حدٍ بعيد في إستعراض القدرات البصرية التي يقدمها فيلمه , بدءاً من مشهد الإفتتاح الذي يستعرض فيه مراحل صناعة الدمية مقدماً لمحةً تفاخرية ربما عن المدى الذي وصل إليه فن الـ Stop-Motion Animation و التطور الهائل الذي إقترب إلى درجةٍ كبيرة من محاكاة الـ CGI , و هو التطور الذي يصب في صالحه حتماً بحكم الكم الهائل من الحميمية و القرب من القلب الذي تخلقه أعمال الـ Stop-Motion Animation مقارنةً بأعمال الـ CGI , من خلال هذه المقدمة أيضاً سيبدو واضحاً للغاية التأثر الذي لا تخطئه العين لهنري سيليك بفكر و خيال تيم بيرتون ليس فقط على مستوى الإحتكاك الذي حدث بين الرجلين في عملهما العظيم The Nightmare Before Christmas بل يتعداها أيضاًَ إلى إستلهامٍ بعضٍ من أجواء Beetlejuice و الأجواء القوطية لفيلمي Sleepy Hollow و The Corpse Bride , و هو التأثر الذي يجعل من الصعب التعامل مع أحداث الفيلم ( و هي نقطة سلبية ضد فيلم هنري سليك ) على أنها تدور في بيئةٍ أمريكية , و من الصعب على المرء – لا إرادياً – تقبل هذا الواقع كواقعٍ أمريكي , من خلال أجواء القصور القوطية و الريف الهاديء و الجيران الأوروبيين , كل شيء يبدو و كأنما يأتي من أجواء Sleepy Hollow و The Corpse Bride اللتين دارت أحداثهما في الريف الأوروبي ..

في الواقع البديل هناك منزل و أب و أم , والدا كورالين البديلين رائعان في تعاملهما معها , عائلتها الجديدة تبدو ممتعةً بالنسبة لها , تقدم لها الأكل الذي تحبه , و الألعاب التي تهواها , تنام في غرفة نومٍ مسلية , و تتواصل مع أصدقاءها المقربين عن طريق صورةٍ موجودةٍ إلى جوار سريرها , أهلها الآن يحبون طين الحديقة على عكس والديها الحقيقيين , مع فارق بسيط و لا يبدو مهماً لها في البداية : والداها البديلين ليس لهما عيون , بل مجرد أزرار وضعت عوضاً عنها , تنام كورالين و تستيقظ لتجد نفسها في منزلها الحقيقي , أهلها لا يصدقون إختلاقاتها , لكن عندما يخبرها جارها بوبينسكي أن الفأر يطلب منها ألا تعبر الباب تبدأ بالإقتناع بأن ما حدث لها حقيقي , بينما تحذرها سبينك و فورسيبل من القادم الذي ينتظرها , وايبورن يحكي لها قصة شقيقة جدتها التوأم التي إختفت ( في محاكاةٍ ذكية لقصة آليس و الملكتين ) , كورالين تضع قطعة جبن للفأر و تتبعه عبر الباب المفتوح , هناك تجد حديقة منزلها كما حلمت دائماً بها , و تجد أيضاً وايبورن لا يتكلم ( يبدو و كأنما يلائم أحلامها تماماً !! ) حيث تحضر معه عرض الفأر القافز للسيد بوبينسكي , و تنام كورالين في فراشها لتستيقظ مجدداً على واقعها الممل و الذي يبلغ حنقها عليه الذروة عندما ترفض والدتها شراء القفازات البرتقالية التي تعجبها في المحل , تهرب كورالين مجدداً عبر الممر لتجد حفلةً صغيرة و دعوةً لحضور العرض المسرحي للسيدتين سبينك و فورسيبل , حيث تجد الحضور جميعهم من الكلاب , و بسبب خطأ تقني هناك تخرج السيدتان من زي البدانة التي ترتديانه و يكملان عرضهما الذي أشعر كورالين بمتعةٍ عظيمة , الأمور تسير على ما يرام , و لا يوجد أجمل من الأحلام عندما تتحقق !!.

كورالين تثار بقط وايبورن الذي يعبر معها العالمين و لا يمتلك أزراراً بدلاً عن عينيه , القط يخبرها بأن العالم الذي تعيشه ليس مثالياً إلى الدرجة التي يبدو عليها , لكن هذه الرسالة لا تبدو واضحةً بالنسبة لها حتى تبدأ بالشعور بأن وايبورن الأخرس مضطهدٌ من قبل الأم البديلة التي تعرض على كورالين البقاء في عالمها مقابل أن تستبدل عينيها بأزرار , كورالين ترفض و تصاب بالذعر و تنقم على حالتها و ألعابها و تحاول إجبار نفسها على النوم , لكنها تستيقظ مجدداً في العالم البديل حيث الأب مضطهدٌ و لا يستطيع البوح لها بشيء , لكن قط وايبورن يحاول تفسير الأمر لها , فتواجه الأم البديلة و تتحداها برفقة حاشيتها من الخنافس العملاقة قبل أن تطرد إلى عالمٍ غريب لتتعلم الأدب , و هناك تلتقي كورالين بثلاثة أطفال سبق إغراؤهم من قبل الأم البديلة التي تجسست عليهم بواسطة دمية و عرفت نقاط ضعفهم و جذبتهم فوافقوا على خياطة الأزرار في أماكن عيونهم , و تقع كورالين في تحدٍ عسير : إعادة عيون الأطفال من أجل تحرير أرواحهم , لكن وايبورن الأخرس ينقذ كورالين من هذا العالم و ينجح في العبور بها إلى حياتها الحقيقية , لكن صدمتها هناك تكون أكبر : لا أحد في المنزل الذي يبدو مهجوراً تماماً , و مع ضياعها التام تصنع كورالين لنفسها أبوين من الوسائد , و هنا تشعر بقيمتهما التي لم تشعر بها من قبل , يقودها القط لرؤية والديها عبر المرءآة حيث يطلبان المساعدة , و تتضح الصورة عندما تجد دميةً مزدوجةً لأبيها و أمها جذبتهم الأم البديلة بواسطتها , كورالين تشعر الآن بقيمة والديها و بالمسئولية الملقاة على عاتقها في إنقاذهما , و الفيلم في هذا المنعطف الحاد في أحداثه ( و هو منعطف يبدو مرعباً بالنسبة لفيلمٍ رسومي جل جمهوره هم من الأطفال ) يمسك الخط الذي يسير عليه بشكلٍ جيد و لا يفقده على الرغم من إحساسنا الخادع أحياناً بذلك , إيقاع الفيلم يبدو ثابتاً تماماً على الرغم من الأحداث الغنية و الممتلئة التي يحاول السيطرة عليها ..

رعب الفيلم ( إذا ما إعتبرناه مرعباً للشريحة التي يخاطبها الفيلم الرسومي عادةً ) يأتي في الواقع من الوتر الأخلاقي الذي يحاول أن يعزف عليه : ما مقدار الكارثة التي تصيبك عندما تكتشف بأن أقرب الأشخاص إليك ليسوا كما هم ؟ هل ستتغير إجابتك لو غيرنا صيغة السؤال : ماذا لو كان هؤلاء الأشخاص المقربون منك أصلاً غير مريحين بالنسبة لك ؟ ربما سيكون الواقع البديل جيداً بالنسبة لك في هذه الحالة , الفيلم يحاول من خلال هذا الوتر الأخلاقي أن يروض كارولين ( و يروض الأطفال عموماً ) , يبدو و كأنما يقول بأنه حتى الواقع الكئيب يبقى أفضل من الحلم السعيد لأنه على الأقل يبقى واقعاً , الفيلم يحاول أن يعرّض رائعة لويس كارول الأدبية الشهيرة Alice in Wonderland لأشعّة فرويدية , يبدو التحليل النفسي للقلق الذي يخاطبه في الطفل عنيفاً و قاسياً أحياناً : العالم البديل الذي تخلقه بقدر ما يبدو ساحراً بالنسبة لك يبقى مقلقاً ايضاً , الفيلم يؤسس علاقةً جميلة بين الباب المغلق و اللاوعي : ننجذب تجاهه بقوة قبل أن نرفضه عندما نقارنه بالوعي , يلقي نظرةً عنيفةً على خيالنا , و كيف أننا نخاف من ذلك ( المجهول ) المختبيء في اللاوعي , و نفضل أن نراه في الوعي حيث يصبح المجهول ( معلوماً ) حينها , الفيلم يستغل بطريقة مثيرة للإعجاب العبقرية الموجودة في خيال الأطفال يبدو بهذه الصور البديعة التي ينثرها في العالم البديل و كأنما يتحداهم و يستفزهم , يمزج بطريقةٍ حذرة كل أولئك الفتيات اللاتي وقفن مبهوراتٍ أمام المغارة المفتوحة : أليس بلاد العجائب , و لوسي نارنيا , و أوفيليا المتاهة , و شيهيرو ميازاكي , في صورةٍ رسومية ذكية : تمتعهم و تستثيرهم , لكنها تقلقهم و تثير رعبهم أيضاً ..

لكن الثقل الحقيقي للرعب – علاوةً على بعده الأخلاقي الموجود في النص – يأتي في الواقع من إخراج سليك الذي يوفق هنا في دمج العالمين مزيحاً قدر المستطاع من الفواصل الموجودة بينهما , أمرٌ ساهم فيه إلى حد كبير الجو الذي خلقه النص أصلاً حول كورالين في واقعها , فمنزلها يبدو قطعةً من رواية رعب قوطي , شيء خيالي أكثر من كونه واقعي , و جيرانها يبدون غريبي الأطوار و أقرب إلى كونهما شخصيات خيالية , هذا التقريب بين واقع كورالين ( الغريب أصلاً ) و العالم البديل أزاح الحاجز الموجود بين العالمين بطريقة تخلق هلعاً لدى الصغار من الضياع الذي يولده الفيلم لكورالين المتذمرة , فتصرفات بوبينسكي على سبيل المثال في العالم البديل لا تبدو مختلفةً في شيء عن ذلك الروسي غريب الأطوار الذي نشاهده في القصة الحقيقية , هنري سيليك بإحترافية يغلق نغمةً متوترة في هذا العالم الغريب الذي يضع فيه شخصيته على أمل ترويضها و منحها النضج الكافي لتواجه حياتها و واقعها الذي تعيشها , عوضاً عن أن تهرب منه إلى عالمٍ قد لا يختلف عنه إن لم يكن أسوأ منه .

تعبر كورالين الباب حيث تحصرها الأم البديلة هناك و تتحداها : بقاءها هناك إلى الأبد أو العثور على والديها و على عيون الأطفال الثلاثة , هنا يبدو الفيلم و كأنما يحافظ – على الرغم من ملامحه المرعبة – على البعد التهذيبي لقصة آليس , القصة تبقى في خلاصتها ذات غرضٍ تهذيبي , فالأم البديلة قادرة بسهولة على أخذ كورالين غصباً , لكن هنري سيليك ككل مراحل فيلمه يبقي مصباح آليس مضيئاً في أرجاء فيلمه و لا يحاول أن يطفئه لثانية على الرغم من كم التغييرات و الفوارق بين القصتين , كورالين عليها القيام بمهمتها قبل نفاذ الوقت , و الوقت هو خسوف قمر بشكل زر , و عندما يحدث الخسوف يبدأ كل شيء حول كورالين بالإنهيار في لوحةٍ بصرية بديعةٍ للغاية تبدو و كأنما هي تحدٍ من أحد أفضل من تعامل مع الـ Stop-Motion Animation , و عندما تتخلص كورالين من الأم البديلة , تعود لتجد والديها عائدين إلى المنزل بعدما ذهبا لتسليم كتاب البستنة , والدا كورالين لا يعلما أي شيء تتحدث عنه , تبدو هذه الهلامية الختامية متعةً حقيقيةً لهذا الفيلم , هل ما تعرضت له كورالين كان حقيقياً ؟ , أم أنه مجرد حلم طفلةٍ واسعة الخيال إكتشفت بأن غوصها العميق في أحلامها و أمنيتها في أن تتحقق هذه الأحلام ليس دوماً فكرةً سديدة , و أن هناك الكثير من المتعة في حياتنا الحقيقية و أن علينا فقط أن نزيل الغبار عنه ؟ , لقطة ختامية بعيدة للقصر العتيق تنهي هذه الساعة و النصف المشبعة جداً .

كورالين فيلم رسومي لعشاق السينما أكثر من كونه موجهاً للأطفال كشريحة رئيسية , يرسل رسالةً توجيهية بسيطة و واضحة و مباشرة : الثقة بالعواطف الأزلية التي ولدت و كبرت و عاشت معنا أفضل من البحث عن شفقة الغريب التي لا نعرف مغزاها , فيلم ينحني للفطرة و للروابط العائلية التي تجمع الأسرة و لا ينتقص منها بسبب تفاوت الإهتمام الذي ننشده , الفيلم يقول في هذا الشأن ( في بعض الأحيان .. الأشخاص الذين يحبونك قد لا يعيرونك كل الإهتمام الذي تحتاجه , و أحياناً الأشخاص الذين يولونك الإهتمام قد لا يحبونك في الواقع ) , في هذا العام الرسومي الحافل نبقى منتظرين بلهفة الأطفال أفلام Up و Monsters vs Aliens و Ice Age 3 و 9 و Ponyo , و قبلها جميعاً جاء كورالين ليكون الإشراقة الأبكر في دنيا الأفلام الرسومية هذا العام ..

التقييم من 10 : 8.5

0 تعليقات:

إرسال تعليق