السبت، 11 سبتمبر 2010

روسيا و تشيلي الأقرب للأسد الذهبي هذا المساء


يختتم مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي فعاليات دورته السابعة و الستين هذا المساء بإعلان الفائزين بالجوائز المختلفة و على رأسها الأسد الذهبي , و مع هذا الكم الجيد من الأعمال الممتازة التي قدمتها دورة هذا العام بقي السؤال الذي يطرح نفسه كل عام في مثل هذا التوقيت : من سينال الجائزة الكبرى ؟ سؤال تبدو الإجابة عليه هذا العام أكثر صعوبة من أعوامٍ سبقته بشهادة لجنة التحكيم التي يقودها المخرج الأميركي الشهير كوانتين تارانتينو .

و على الرغم من أن أعمال المخرجين المعروفين جوليان شنابل Miral و صوفيا كوبولا Somewhere و دارين أرونوفسكي Black Swan و آن هونغ تران Norwegian Wood قد حظيت بالجماهيرية الكبرى في مهرجان هذا العام , إلا أن الأصابع في ختام المهرجان تبدو موجهةً بشكلٍ أكبر تجاه ثلاثة أعمالٍ أخرى أحدها هو الفيلم الصيني المفاجأة The Ditch الذي أجل منظمو المهرجان الإعلان عنه حتى وقت متأخر من فعاليات المهرجان , الفيلمان الآخران قادمان من روسيا و تشيلي .

الفيلم الروسي Silent Souls لمخرجه أليكسي فيدورتشينكو يبدو مرشحاً فوق العادة لنيل الأسد الذهبي هذا المساء , بالنظر للشاعرية رفيعة المستوى التي قدمها فيدورتشينكو فيه , و هو العمل الذي وصف من قبل البعض عقب عرضه الإفتتاحية بأنه ( رحلة طريقٍ لا مثيل لها في تاريخ السينما ) , يحكي فيه فيدورتشينكو قصة مالك مصنعٍ روسي يدعى ماريون و الوداع الرقيق الذي جهّزه لرفيقة دربه الراحلة تانيا بمساعدة مصوّره و صديقه الأثير آيست عبر رحلةٍ طويلةٍ إلى شاطيء البحر حيث قضى الزوجان أياماً لا تنسى في حياتهما , و هما من خلال هذه الرحلة يتجولان في قلب طقوس شعب الميرجا الذين قطنوا قديماً ضفاف نهر الفولغا قبل أن يذوبوا مع الزمن في قالب الثقافة السلافية الطاغية على المنطقة .

و أعتبر البعض الفيلم تحيةً بالغة الشاعرية لثقافة الميرجا المنصهرة و لما تبقى منها لدى من يحملون دماءها اليوم , و قال فيدورتشينكو – البالغ من العمر 43 عاماً – بأنه على الرغم من أن شعب الميرجا لم يعد موجوداً اليوم , إلا أنه أصر على رفع القبعة لذاكرتهم و تحيتها على طريقته على إعتبار أن إرثهم ما يزال يضرب عميقاً في تفاصيل المناطق التي عاشوا فيها , و في أغلب المسميات التي تنتمي إلى البقاع التي قطنوها , بما في ذلك الفولغا , أكبر أنهار أوروبا .

و تلعب يوليا أوغ دور الزوجة الراحلة في الفيلم في أداءٍ ممدوح تظهر في جزء كبير منه على هيئة جثة , و تكون صامتةً في مشاهد الفلاشباكات التي تسترجع ذكرى الزوجة , و قال فيدورتشينكو بأنه تعمّد من خلال كم التفاصيل التي يحملها هذا الدور و الدوران الآخران في الفيلم أن يمنح فيلمه جرعةً كبيرة من الرقة و الحنان , كمرادفٍ للتعبير عن كمية الحب الهائلة التي ملأت قلب الزوجين تجاه بعضهما .

و نال الفيلم – الذي تبلغ مدة عرضه 75 دقيقةً فقط - مديح النقاد و إهتمامهم في المهرجان بالنظر إلى قلة أفلام الطريق القادمة من روسيا , و ندرة الجيد منها , كم أثنوا بشكلٍ واضحٍ على قدرة فيدورتشينكو على الموازنة - بطريقةٍ تستحق التقدير – بين قصة الحب الرقيقة بين الزوجين و التحية و الإجلال الذي يحمله الفيلم لثقافة و طقوس الميرجا .



بالمقابل قوبل فيلم Post Mortem , الذي يخرجه التشيلي الشاب بابلو لارين بترحابٍ كبير لدى عرضه في فينيسيا , و قفز إلى المقدمة ضمن نخبة النخبة التي قدمها المهرجان هذا العام , خصوصاً و أنه يأتي من مخرج فيلم Tony Manero الذي سبق و نال إستقبالاً جيداً عند إطلاقه قبل ثلاثة أعوام , إضافةً إلى كونه يأتي من بلد أقل بريقاً في عالم السينما بالمقارنة مع الدول الأخرى المشاركة في المسابقة الرسمية للمهرجان .

و تجري أحداث الفيلم من العاصمة التشيلية سانتياغو عام 1973 إبان الإنقلاب العسكري لأوغستو بينوشيه على حكم سيلفادور ألليندي , و يتتبع قصة ماريو مورنيخو , موظف المشرحة الذي يكتب التقارير السماعية التي يمليها عليه الطبيب أثناء عملية التشريح , ماريو يرتبط بعلاقةٍ عاطفية مع فتاة إستعراض في كاباريه تدعى نانسي , و التي تفقد عملها مؤخراً بسبب جسمها الناحل من جراء فقدانها للشهية الأمر الذي أفقدها الجاذبية الجسدية , في الصورة الخلفية يكون منزل نانسي مقراً لإجتماعٍ المعارضين الراديكاليين المناصرية للحكم الديمقراطي العادل , الأمور المرعبة تبدأ اثناء فترة المظاهرات التي قام بها أنصار ألليندي للمطالبة بعودة الحكم للحاكم الحقيقي , عندما تطلب حكومة الإنقلاب من ماريو و رفاقه الأطباء في المشرحة تشريح جثةٍ رجلٍ غاية في الخصوصية و الأهمية بالنسبة لهم , و تطلب منهم ضمنياً توجيه عملية التشريح نحو مقترح الإنتحار كسبب للموت , الجثة كانت جثة ألليندي , و المشهد وصف من قبل الجميع بأنه مشهدٌ عظيم .

و إمتدح النقاد قدرة لارين – البالغ من العمر 34 عاماً فقط - على الموازنة بين الإيقاع المثير و المرعب للأحداث التي تجري في المشرحة , خصوصاً عندما تبدأ الجثث المجهولة بالتكدس هناك عقب الإنقلاب الدموي , و بين الخلفية التاريخية للعمل الذي يوثق لجمهورية تشيلي خلال فترةٍ حرجةٍ من تاريخها الحديث , و هي ذات الجزئية التي إمتدحها النقاد في فيلم المخرج الروماني كريستيان مينجيو Four Months, 3 Weeks, and 2 Days الذي ربح السعفة الذهبية في كان قبل ثلاثة أعوام , و فيلم المخرج الألماني فلوريان هنكل فون دونرسمارك The Lives of Others الذي نال أوسكار أفضل فيلم أجنبي قبل أربعة أعوام .

و يقوم ببطولة الفيلم ألفريدو كاسترو , الذي قام أيضاً ببطولة فيلم لارين السابق Tony Manero, و هو هنا يقدم أداءاً ممدوح بسبب كمية الغموض و الرقة في آن التي يحملها للشخصية التي تحاول إيجاد توازنٍ منطقي في حياتها بين الرعب الذي تعيشه في عملها و الرومانسية التي تعيشها في منزلها , خصوصاً عندما يفقد ماريو حبيبته نانسي وسط هذه المعمعة التي تجري في البلاد مثل الكثيرين الذين فقدوا أحبائهم إبان تلك الحقبة الدموية .

و قال لارين بأنه يوثق في فيلمه هذا لحقبةٍ لم يعشها في الواقع , و إنما عاش آثارها , و قال بأنه حاول قدر المستطاع أن يكون دقيقاً في التعامل مع هذه الحقبة الصعبة التي عاشها الجيل الذي سبقه في تشيلي , و قال بأنه كان حريصاً على الدقة فقام بتصوير مشاهد المشرحة في مستشفى سانتياغو العسكري حيث جرى بالفعل تشريح جثة ألليندي قبل 37 عاماً , و قال بأنه إستخدم صوراً وثائقيةً حقيقية لعملية تشريح جثة ألليندي , و هي المرة الأولى على الإطلاق التي تظهر فيها جثةُ ألليندي على الشاشة منذ وفاته بسبب مقدار الإحترام الذي حمله صناع السينما في تشيلي للرجل طوال الفترة الماضية .

و على الرغم من أن فيلمي Silent Souls و Post Mortem يبدوان أقرب من غيرهما للتويج بالأسد الذهبي هذا المساء , إلا أن ذلك لا يقلل من حظوظ أعمالٍ أخرى قوبلت بترحابٍ كبير , مثل الكوميديا الفرنسية Potiche للمخرج الممدوح فرانسوا أوزون , و الفيلم الصيني Mystery of Phantom Flame للمخرج الشهير تسو هارك , إضافةً إلى الفيلم الأسباني الذي أثار إعجاب تارانتينو A Sad Trumpet Ballad لمخرجه أليكس دي لا إغليسيا , دون أن ننسى المديح الوافر الذي حظي به Hottentot Venus أحدث أفلام المخرج الفرنسي المرموق عبداللطيف كيشيش .

يذكر أن حفل الختام لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي سيجري في الخامسة و النصف بتوقيت غرينيتش من مساء اليوم .