الاثنين، 9 يناير 2012

The Ides of March

كتب : عماد العذري 

بطولة : رايان غوسلينغ ، جورج كلوني ، فيليب سيمور هوفمان ، بول جياماتي ، ماريسا تومي ، إيفان ريتشل وود 
إخراج : جورج كلوني 

الشيء المشترك في التجارب الإخراجية الأربعة للنجم جورج كلوني هو أنه من الصعب ألا تستسيغها ، المتأمل لما فعله الرجل في عمليه الشهيرين Confessions of a Dangerous Mind عام 2002 و Good Night, And Good Luck عام 2005 و حتى في تجربته الإخراجية الأقل مستوى Leatherheads قد يدرك بوضوح بأن مستقبل جورج كلوني الإخراجي مشرقٌ بالفعل ، و من سيحمل بعض الآمال على الإستمتاع بمشاهدة فيلمه الجديد The Ides of March لن تخيب آماله في تلك المتعة . 

العمل السينمائي الجديد الذي يدير فيه طاقم رائعاً من النجوم كما فعل قبل ستة أعوام في Good Night, and Good Luck لا يبدو مختلفاً في ثيمه العام من الفيلم الذي منح جورج كلوني ترشيحين للأوسكار عام 2005 ، الكثير من العلاقة الأزلية بين السياسة و الإعلام موجودٌ هنا ، لكن بميزانٍ مختلف ، يبدو الأمر و كأنما هي لعبةٌ يجيدها جورج كلوني تماماً ، و على خلاف الفيلم السابق الذي كان الإعلام محوره الرئيس ، تبدو قذارة السياسة مادةً خصبة للعمل السينمائي الجديد. 

القصة عن ستيفن مايرز المدير التنفيذي ضمن الحملة الإنتخابية التي يديرها بول زارا للوصول بالحاكم مايك موريس إلى كرسي المنافسة على رئاسة الولايات المتحدة ممثلاً للحزب الديمقراطي ، الحملة في ذروتها و أوهايو هي مقر اللعبة الحالية حيث يتنافس المرشحان الديمقراطيان على خطب ود السيناتور طومسون من أجل الظفر بأصوات الولاية ، لكن الأمور تسوء ذات ليلة عندما يتعثّر مايرز بمكالمةٍ تليفونية تهدد علاقته بالحملة الإنتخابية و بالحاكم موريس نفسه. 

نص الفيلم الذي يقتبس مسرحيةً لبول ويليمون بعنوان Farragut North هو واحدٌ من أجود النصوص هذا العام ، أكثر ما يجعله مميزاً بين كل ما شاهدت هذا العام هو سهولة تقبله ، حبكة العمل تبدو مثاليةً إلى درجةٍ لا تجعلك مجهداً و أنت تتحرى فكرتها الأساسية حول قذارة اللعبة السياسية ، و هي من خلال هذه المثالية تلغي الكثير من الحواجز العقلية التي تقف أمام تقبل أحداثه ، لذلك لا تملك إلا أن تستمتع و أنت تراقب تطور الأحداث على طريقة السهل الممتنع ، النص الذي كتبه جورج كلوني و بو ويليمون و غرانت هيسلوف ينجح بشكلٍ يستحق الإعجاب في خلق شخصياتٍ حقيقية بالنسبة لحبكته ، فيأتي تطور الشخصيات قبل مشهد المكالمة المحوري حقيقياً إلى درجةٍ تجعل كل تصرفاتها بعد ذلك المشهد مبررة ، هناك حاجز طفيف يصنعه النص بين بول و ستيفن من جهة و موريس من جهةٍ أخرى لا يمكن معه إلا الإقتناع بأن ثنائي قيادة الحملة يقومان في الأساس بعملهم ، بعيداً عن أي شحنٍ عاطفي قد يبدو مصطنعاً تجاه رئيسهم في العمل أي موريس ذاته ، على الرغم من أن النص يغازل فكرة القناعات التي تصنع إلتزام القائمين عن الحملة تجاه المرشح الذي يعملون في خدمته ، يفعل ذلك مع ستيفن في مناسبةٍ أو إثنتين لا تخدمانه بتاتاً بل و تهزان بعض منطقية رد فعل ستيفن في النصف الثاني من الفيلم ، بالمقابل لا تبدو العلاقة بين بول و ستيفن أكثر حميميةً مما تبدو عليه ، بسهولة سنلتمس في النصف الأول من العمل مقدار الجدية التي يبديها بول للمهمة التي يعمل عليها ، و مسحة الآدمية التي تبطن جدية ستيفن الغر في هذا العالم الصاخب ، ثم لا تخطيء أعيننا نوعية العلاقة الجذابة التي ينسجها النص بين ستيفن و مولي و حدود البعد العاطفي فيها و الذي يصر النص على عدم تجاوزه نحو علاقة حبٍ حقيقيةٍ مكتملة و في الوقت ذاته عدم صبغه بالصورة التقليدية للعلاقات العاطفية المعتادة بين مستخدمةٍ و مديرها ، كل هذه التفاصيل التي نلتقطها من النصف الأول للعمل تصل إلينا بإمتياز و فعاليةٍ حقيقيين بفضل هذا النص ، كتمهيدٍ لجعلنا نتقبل ما سيجري في نصفه الثاني بطريقةٍ سلسةٍ جداً و غير مجهدةٍ للذهن . 

في النصف الثاني يعاني النص قليلاً في نهجه ذاك لكنه لا ينزلق مع ذلك ، موريس بالنتيجة لن يعني الكثير لستيفن إذا ما رغب الأخير في تدمير مستقبله السياسي ، على خلاف الولاء و الإلتزام الذي يحمله بول لمديره و عمله ، و في الوقت ذاته ستيفن بالنسبة لبول ليس أكثر من شخصٍ أخطأ في عمليةٍ لا تحتمل الخطأ ، و ليس كنزاً يجب التشبث به ، بينما مولي برغم بريقها و جاذبيتها و ثقتها بنفسها عندما تظهر للمشاهد في النصف الأول إلا أنها تنكسر بطريقةٍ موزونة عندما تجد نفسها ضحيةً للعبةٍ تفوق تجربتها الحياتية ، و مولي على الرغم من عدم وضوح ملامح علاقتها بستيفن إلا أنها كانت على الأقل شيئاً مهماً في حياته ، شيئاً قد يدفعه ربما للإنتقام لها أو على أقل تقدير تصفية حساباته بشكلٍ عادل مع موريس ، لكن النص يفقد توازنه في النصف الثاني عندما يعمل - من خلال إنتقالٍ متطرفٍ ولا يبدو منطقياً بالنسبة لي – على التحول بشخصية ستيفن من فكرة الإنتقام المحض الخالص لمولي – كشخصٍ مهم بالنسبة له و كضحيةٍ لم تستحق ما حدث معها – إلى فكرةٍ وصوليةٍ مكيافيللية صريحة يحاول من خلالها موريس رد الدين لتوم دافي و بول زارا من أجل الوصول إلى قيادة حملة موريس الإنتخابية متناقضاً مع المحور الأساسي لعملية الإنتقام ( أي موريس ذاته ) ، جزئية و إن كان جورج كلوني قد إلتف عليها إلى حدٍ ما إلا أنها إفتقدت كثيراً للمنطق و للسلاسة و القبول الذي حظي به النص في معظم مراحله ، بدت لحظات الذروة و كأن النص يريد أن يحول العمل إلى إثارةٍ سينمائية محضة مضحياً إلى حدٍ ما بالعمق الذي عمل عليه و أسس من خلاله شخصياته ، بالنتيجة يبدو ستيفن قد إرتكب بحق مولي جرماً أكبر ربما مما فعل موريس على خلاف ما يبدو ظاهرياً في ختام العمل ، يصل الفيلم إلى غايته و يجعل مشاهده يتأمل الصورة الختامية الواضحة لقذارة السياسة و ألعابها على الرغم من أنه لم يبرر له بطريقةٍ مشبعة نوعية التحولات التي طرأت على الحدث في مرحلة الذروة . 

عملياً حاول كلوني كثيراً جعل رؤيته الإخراجية سنداً قوياً للنص الذي كتبه ، و على الرغم من أن الفيلم لا يشكل نقلةً نوعيةً جبارة في مسيرة كلوني المخرج إلا أنه إثباتٌ كافٍ على أن الرجل يسيطر بشكلٍ جيد على أدواته ، إنطلاقاً من عملٍ تصويريٍ ممتاز من فيدون بابامايكل الذي ينتقل في نصفه الأول من توظيفٍ تقليدي لأفلام الحملات الإنتخابية و الخطب السياسية التي تسرف في إستخدام الكلوس آب ( لا أدري لماذا ، لكنه أسلوبٌ فعالٌ دائماً في مثل هذه النوعية من الأعمال ) ، إلى إستلهام في نصفه الثاني – بناءاً على نوعية العمل – لروح أفلام النوار في كادراتها و نوعية لقطاتها و زوايا الإضاءة فيها ، مروراً بمشهديةٍ عالية لطالما أتقنها كلوني في سائر أعماله ، وصولاً إلى أداءاتٍ ممتازة قدمها نجوم العمل جميعهم دون إستثناء. 

كلوني كان موفقاً إلى حدٍ بعيد في عمله الرابع ، كاتباً و مخرجاً و ممثلاً ، لكن وقوف النص بعيداً عن الغوص عميقاً في أفكاره عن الألعاب القذرة في عالم السياسة ، و بعض مشاكل النص في النصف الثاني من العمل و التي حاول من خلاله التحول خلال أقصر مدةٍ زمنيةٍ إلى إثارةٍ سينمائيةٍ تقليدية جعلا متعة المتلقي منقوصة أثناء مشاهدته ، مع كل ذلك يقدم هذا الفيلم ساعتين من المتعة . 

التقييم من 10 : 7.5