الأربعاء، 15 فبراير 2012

The Tree of Life

كتب : عماد العذري

بطولة : براد بيت ، جيسيكا تشاستين ، شون بن
إخراج : تيرنس ماليك

دائماً يكون من الصعب تجاهل عملٍ سينمائيٍ يخرجه تيرنس ماليك ، على مدى أربعة عقود اكتفى المخرج الغامض بخمسة أفلام فقط فصل بين ثانيها و ثالثها عقدان كاملان ، و على مدى أربعة عقود و الرجل يحتجب عن وسائل الإعلام و حفلات الإطلاق و مهرجانات السينما صانعاً حوله هالةً من الغموض لا يمتلك مخرجٌ آخر على وجه الأرض مثيلاً لها ، تنقّل من نجاحٍ لآخر و بحث عن المجد السينمائي الخالص ، بحث بطريقةٍ قد لا يجرؤ الكثيرون من صناع السينما على التفكير بها ، ذلك البحث الذي يجعلك تسخّر عقداً كاملاً لكتابة نصٍ ما ، و تصر على رؤيته النور مع كل التعقيدات و التأجيلات التي رافقت العمل عليه.

القصة عن جاك أوبرين ، مهندسٌ معماريٌ لن نعرف الكثير عن بيئته الزمانية أو المكانية ، جاك يستذكر الطفولة التقليدية التي عاشها مع شقيقيه و والديه في إحدى ضواحي ولاية تكساس في خمسينيات القرن الماضي وصولاً إلى الرحيل الصادم لشقيقه الأصغر في سن التاسعة عشرة في ستينيات القرن .

يتحرى النص الذي كتبه تيرنس ماليك بعضاً من أهم الأسئلة الوجودية التي يطرحها جاك أوبرين من خلال الحكمة التي يسردها على لسان والدته ، عن السبيلين اللذين يمكن من خلالهما فهم الوجود ، سبيل الطبيعة ، الفج ، القاسي ، حيث الصراع الدائم ، و البحث المستمر عن أسباب البقاء ،  و سبيل الفضيلة ، حيث العاطفة و الحب و التضحية ، السبيلان يختزلهما جاك أوبرين بوضوح في والديه ، بل أن صوت جيسيكا تشاستين يقدم السبيلين على خلفيةٍ بصريةٍ للوالدين أيضاً كلٌ على حدة ، يبدو الوالد صارماً ، مستبداً في بعض الأحيان ، فاقداً لأعصابه في كثيرٍ من الأحيان ، يحاول التوفيق قدر ما يسمح به كبرياء الأب بين عاطفته تجاه أولاده و رغبته أن يعدّهم للمرحلة التي هم على وشك الإقبال عليها ، أن يصبحوا مثله ، و تبدو الأم بالمقابل عطوفة ، رقيقةً ، محبةً ، و متفهمة ، أقرب إلى قدّيسة ، بين هذين السبيلين يطرح النص مجموعةً من أهم الأسئلة الوجودية التي يحاول أوبرين من خلالها تفسير علاقته بوالديه و الوصول إلى ما يرضيه في فهم – أو تقبل – الرحيل المفاجيء لشقيقه ، أعظم ما في النص هو أنه لا يستخدم نقاط تحولٍ من أي نوع في توجيه الأحداث ، هو يكتفي فقط بالتأمل و الإعتماد على الكيفية التي يرسم من خلالها أزلية الشخصيات و في الوقت ذاته يكيفها ضمن خصوصية البيئة ، الوالد هنا لا يكتفي بأن يكون والد جاك أوبرين ، الوالد هنا ككل والدٍ عبر العصور ، قوته و عصبيته ، عودته منهكاً من العمل ، طموحاته التي لا تنتهي ، خيبات أمله ، أسلوبه المختلف في التربية و التعليم بل وحتى طريقة العطف الغريبة التي يحتويك بها عندما تعود إليه ، و الأم هنا ككل أمٍ مرّت عبر التاريخ ، هالة الرقة التي تحملها ، حنانها على أولادها ، إنكسارها أمام والدهم ، تفهمها لمشاكلهم دون حتى أن يتحدثوا عنها ، القرب الدائم الذي يشعر به أطفالها تجاهها ، الفيلم يجتاز ببطله جاك أوبرين مرحلة الطفولة نحو عتبة المراهقة و هو يطرح كل الأسئلة التي جالت في خاطره – و خاطرنا – يوماً في تلك الفترة : من أين أتينا ؟ إلى أين نمضي ؟ من نحن ؟ و الأهم : لماذا ؟ عندما يصيبنا شيء لا نستطيع تفسيره أو استيعابه ، نصٌ عظيم بقدر ما يبدو تعقيد التكنيك الذي يحاول أن يعبر به ماليك عنه بقدر ما تشع بساطة أفكار الفيلم و وضوحها صانعةً صورةً عظيمةً و جليلةً لذلك الإسم الملهم الذي يحمله .

أبعد من ذلك لا يتوقف النص عند الأسئلة ، هو يراقب التطور ذاته ضمن شجرة الحياة التي نبتت يوماً في بستان جاك اوبرين – و بساتيننا جميعاً – يلعب بامتياز على العواطف الكثيرة و المتنوعة التي تتقاسم الفتية في هذه المرحلة الحساسة تجاه والديهم ، هو على هذا الصعيد حساسٌ جداً ، يلتقط تفاصيل تلك العواطف بطريقةٍ أدهشتني ، تكاد تشعر بالاحاسيس المتداخلة التي تقاسمت جاك أوبرين و كأنما هي تنبض على الشاشة ، لا يقف عند التقاطها فحسب ، هو يفسرها و يهتم بها أيضاً ، يهتز جاك عند غرق أحد أصدقائه ، ردود الفعل العنيفة التي تجد طريقها إلى تركيبة جاك نشعر بها ، نقبض عليها بثقة و نحن نشاهد مواجهته لصرامة والده ، و اقترابه العكسي باتجاه والدته التي وجد في (سبيلها) حريةً أكبر لا تلبث أن تتمدد و تبلغ ذروتها في مرحلة سفر الوالد ، كل هذا ليمهد لفترة الإنتقال نحو المرحلة الجديدة في حياة جاك أوبرين (البلوغ و سن المراهقة) و هي المرحلة التي نتحسسها أكثر من أن نشاهدها على الشاشة ، تصرفات جاك تتغير ، حتى ألعابه تبدأ تأخذ طابعاً عنيفاً ، نشعر به عندما يسرق الملابس الداخلية لجارتهم ثم لا يلبث أن يغرقهم ربما بدافعٍ من خوفٍ أو من شعورٍ بالذنب ثم يعود ليرتمي في حضن والدته ، بل أننا نقرأ أفكاره و هو يتأمل رافعة السيارة التي يتوضع والده أسفلها محاولاً إصلاحها ، نشعر به يفكر في إفلات تلك الرافعة ليقضي على والده و ينهي مصدر تعاسته كما يعتقد ، يرسم النص بذكاء يستحق التصفيق فعلاً ديناميكية الصراع بين السبيلين في هذه المرحلة الحرجة جداً من الحياة ، كيف أن سبيل الفضيلة يبدأ في التراجع بينما سبيل الطبيعة يأخذ في الإستحواذ علينا ، العالم لا يبدأ في الإسوداد أكثر فأكثر كما يعتقد جاك أوبرين في كبره ، العالم لا يصبح أسوأ أبداً بل نحن من نكبر ، و عندما نكبر ، و عندما نمضي قدماً في رحلة الحياة تأخذ المعادلة في الإنقلاب تدريجياً ، ملامح الفضيلة التي ارتسمت في عقل جاك من طفولته مع والدته و شقيقه اختفت لأنه كبر ، كبر فافتقد إليها ، لذلك هو يكتفي بمخاطبة والدته و شقيقه - من خلال صوت الراوي - في الفيلم لأنه يحتاج لهم ، جاك أوبرين كبر ، و مع كل يومٍ مضى انتقل تقبله للوجود و فهمه له من سبيل الفضيلة إلى سبيل الطبيعة ، حيث الإنسان يصر على ألا يكون سعيداً بالرغم من كل الجمال الذي يحيط به ، تفسير عبقري لسيكولوجية التطور الإنساني ليس عبر عصور الإنسانية فحسب و إنما عبر شجرة الحياة الخاصة التي نعيشها أيضاً .

مع ذلك يعاني الفيلم بشكلٍ واضح في جعل تجربة جاك المستقبلية مهمةً للمشاهد ، و كفيلمٍ يحاول أن ينظر نظرةً إرتجاعية لرحلة الإنسان بين سبيلي الفضيلة و الطبيعة وصولاً للنقطة التي يقف فيها مسترجعاً و مقيماً كل ذلك أعتقد أن الفيلم لم يحصل على مراده تماماً ، لم أشعر بأن تيرنس ماليك صنع لدي على مدى ساعتين و نصف ما يجعلني أتقبل ما سيحاول تقديمه لي من خلال تجربة جاك الكبير ، أو حتى ما يجعلني أتقبل شون بن في دور جاك أصلاً ، تبدو هذه المقطوعات تائهة و غير واضحةٍ بالطريقة التي تجعل نظرة جاك الإرتجاعية داعمة للتفسير العبقري الذي تبناه النص عن محاولة فهم الوجود الإنساني ، بل أن شون بن ذاته إنتقد دوره و وضوحه و ترابطه في حواره الذي أجراه منذ ستة أشهر مع صحيفة لوفيغارو الفرنسية .

أعظم من كل ذلك يقف تيرنس مالك في الإنجاز الإخراجي الأعظم ربما في مسيرته ، يوظف كل أدواته الإخراجية الشهيرة : صوت الراوي ، الضوء و الظلال ، التناغم الصوتي البصري ، و سحر الطبيعة ، يوظف كل ذلك في أكثر صوره جلالاً و فخامة ليقدم لنا هذه الرحلة التأملية البديعة في مغزى الوجود و القوى التي تحكمنا ضمنه ، من النادر أن نشاهد كل هذا الكم من الإعتناء بالتفاصيل في فيلمٍ بكل هذا الكم من الشاعرية ، لطالما إعتمدت الشاعرية البصرية في جوهرها على الصورة الكبيرة ، لطالما إستمدت أهميتها من الإطار العام للعمل ، في هذا الفيلم تنساب الشاعرية من بين أدق التفاصيل و بصورةٍ لا أعتقد أنني شاهدت مثيلاً لنفوذها ربما منذ أيام تاركوفسكي ، الظلال المعكوسة ، أطفالٌ يلهون بدراجاتهم ، رضيعٌ يخطو خطواته الأولى ، الأشجار ، الحشائش ، الستائر و الشراشف التي تعزف مقطوعةَ تنساب برقة الماء ، تيرنس ماليك يراهن بقوة على أصالة الرؤية البصرية الشاعرية التي لطالما طبعت أعماله ، و يمنحها دفعاً غير مسبوق – ولا يمكن لأحدٍ من متابعيه أن ينكر ذلك – و يترك للمزيج البديع الذي تصنعه موسيقى الفرنسي أليكساندر ديسبلا و كاميرا المكسيكي إيمانويل لوبيزكي و الذي يحمل على عاتقه الإبقاء على شاعرية الفيلم خفاقةً و متدفقة و مستمرة منذ اللحظة الأولى و حتى آخر نفس ، و يجعلها ملجأ المشاهد الأخير عندما يشعر بأنه ضاع في محاولة إستيعاب أو تقبل ما يريده النص ، يعيده للتوازن و يربطه بشكلٍ مباشر بالثيم الشاعري الصارخ الذي رسّخه و الذي يجعل من مشاهدة الفيلم تجربةً فريدةً و عظيمةً و لا تتكرر على الرغم من كونها مرهقةً أيضاً في نفسها الشاعري الذي لا يهدأ .

فوق ذلك الخلود البصري في الذاكرة يكتسب نسق الفيلم قوةً لا تضاهي من خلال الخمسة عشرة دقيقة التي تمثلها متوالية الخلق و ولادة الكون التي تضرب الشاشة بعد ثلث ساعةٍ من العرض ، المتوالية التي أعادت عملاق المؤثرات البصرية دوغلاس ترومبل للعمل بعد قرابة ثلاثة عقود على عمله الأخير في تحفة ريدلي سكوتBlade Runner ، دوغلاس ترومبل ينفذ المتوالية بذات الطريقة التقليدية الفذة التي خلّد بها عمله الأسطوري و السابق لزمانه في 2001: A Space Odyssey الذي قد لا تخطيء العين مدى تأثر عمل تيرنس ماليك ككل بروح تحفة ستانلي كيوبريك التي لا تنسى ، و في متوالية الخلق بالذات يمنح تيرنس ماليك و دوغلاس ترومبل مشاهديهم واحدةً من متع العام التي لا يمكن أن تنسى .

عندما ترقّب الكثيرون – و أنا منهم – منح ترشيحٍ لأوسكار أفضل فيلم و مخرج لهذا العمل لم يكونوا مدفوعين فقط برغبةٍ مجردةٍ تجاه مشاهدة فيلم رأوا فيه واحداً من أفضل أفلام العام ، كانوا مدفوعين بجزئية يأملون ألا تنقرض مع قادم الايام و  هي مشاهدة أعمالٍ فنية حقيقيةٍ كهذه تكرّم و تجد القبول في أكبر المحافل السينمائية في العالم ،  و عندما أجد بنهاية الموسم أن الفيلم الذي انتظرته لأربعة اعوامٍ كاملة نال التكريم الجوائزي الذي استحقه أشعر بأن عبارة (واحدٌ من أكثر أفلام العام إنتظاراً) التي نطلقها على بعض الأفلام هنا أو هناك قبل إطلاقها ما زالت تؤتي ثمارها فعلاً بالرغم من تعدد خيبات الأمل ، و مع The Tree of Life بالذات كان موسم الثمار رائعاً بالفعل .

التقييم من 10 : 9