الأحد، 26 فبراير 2012

Hugo

كتب : عماد العذري 

بطولة : آيسه بترفيلد ، كلوي موريتز ، بن كينغسلي ، ساشا بارون كوهن
إخراج : مارتن سكورسيزي

أحياناً أقف مدهوشاً أمام مسيرة مارتن سكورسيزي ، الكثيرون - وأنا منهم - يعتبرونه أعظم مخرجٍ على قيد الحياة ، لكن آخرين ممن يسمعون قولاً كهذا ولا يتقبلونه يقفون أمام سؤالٍ ملح : لماذا ؟ أحياناً أسمع سؤالاً كهذا ولا أجد إجابةً واضحةً له ، لكن ما أثق به تماماً بأنه لا يوجد مخرج اليوم استطاع ان يقف على المسافة ذاتها بين القيمة الفنية للعمل ، و بين القيمة الجماهيرية له ، بين أن يتقبله النقاد و أن يتقبله عاشق السينما و أن يتقبله المشاهد العادي ، بين أن يطرح بعمق و يبهر بقوة ، بين أن ينوّع في الصنف و في طرق المعالجة و الطرح و أن يقدم مع ذلك الكلاسيكية تلو الأخرى ، و أن يبقى فوق كل ذلك - وهو الأهم - سينمائياً أصيلاً جداً كما يفعل مارتن سكورسيزي ، قلة فعلوها عبر التاريخ ، لكن لا أحد يجيدها في هذا الزمان أكثر من مارتن سكورسيزي.

يقدم سكورسيزي في فيلمه الجديد مثالاً صارخاً على ذلك ، لن يخطىء احداً الشعورُ بأن هذا هو الفيلم الأكثر تفرداً في مسيرة المخرج العملاق الممتدة لأكثر من اربعين عاماً ، ولن يستطيع ربما انكار ذلك الإحساس الذي سيراوده بمجرد الإنتهاء من مشاهدة العمل : مارتن سكورسيزي انتظر طويلاً ، انتظر وانتظر ، حتى يجد اللحظة المناسبة لإخراج عملٍ كهذا الى النور .  

القصة عن هوغو كابريه الفتى الذي يقطن محطةً مونبارناس للقطارات في باريس ، هوغو يعيش وحيداً متوارياً عن الأنظار ، مهمته اليومية هي ضبط ساعات المحطة ، و هي مهمةٌ ترضيه ذاتياً على اعتبار ان جميع مواعيد القطارات في المحطة تعتمد على عمله الذي لا يدركه أحد ، لكن هاجساً خفياً في هوغو يقول له بأنه لم يخلق لهذا العمل ، هذا الهاجس يتركز حول الأوتوميتون – وهو آلة اشبه بالروبوت تقوم بأعمال بسيطة مثل الكتابة أو الرسم وفقاً لآلية عملٍ ميكانيكية - العاطل عن العمل الذي تركه له والده ، ليالي عديدة قضاها هوغو محاولاً اصلاح الاوتوميتون ، كل ما يعرفه عنه مدوّنٌ في مفكرةٍ صغيرة ، لسوء الحظ هوغو كابريه يفقد مفكرته تلك عندما يضبطه صاحب متجر الألعاب في المحطة متلبساً بسرقة قطعةٍ من متجره ، هنا يوضع الفتى – دون أن يدري - على الطريق الصحيح لكشف سر الاوتوميتون الغامض .  

لا ابالغ اذا ما اعتبرت بأن مارتن سكورسيزي يقدم هنا واحداً من أعظم الانجازت الإخراجية في مسيرته لاعتبارات عدة ، منذ اللحظات الأولى في الفيلم ، منذ أن تشاهد تروس ساعةٍ عملاقة تتحول لتشكل الجادات المتفرعة من ساحة الإيتوال في باريس تدرك انك امام شيء لم تشاهده مع سكورسيزي من قبل ، كالعادة تبدأ رحلتنا مع سكورسيزي من المكان ، بالطريقة ذاتها التي اعتدنا فيها التعرف على المكان مع مارتي طوال السنين الماضية ، شيئاً فشيئاً نتعرف على بطلنا ، بيئته ، عمله ، و ظروفه ، بنفس اللغة السينمائية التي عودنا عليها الرجل ظاهرياً حيث اللقطات الطويلة تلعب دور البطولة دائماً مع اختلاف التكنيك الذي يستخدمه ، يقدم سكورسيزي في افتتاحية عمله هذا واحدةً من الأفضل في مسيرته كلها ، المكان يُقذف هنا في وجهنا بصورةٍ صارخة في افتتاحية العمل ، فنعشقه و نغمر به لدرجةٍ تنسينا تماماً احتياجنا لالقاء نظرةٍ ولو بسيطة على باريس خارج المحطة ، البيئة هنا تحتجز تماماً في محطة مونبارناس بفعل اخراج فني محنك من الرائعين دوماً و أبداً دانتي فيريتي و فرانشيسكا لوشافا الى الدرجة التي لن نفكر فيها بالخروج خارج الجو الديكنزي البديع الذي يصنعه سكورسيزي حول بطله وحولنا ايضاً .  

بعد ذلك ينجح مارتي في صناعة ولعٍ حقيقي في مشاهده تجاه الأوتوميتون و المفكرة كمنفذ للسرد القصصي ، يشعرنا بأن كل شيء يكمن هناك ، شيئاً فشيئاً يصبح هذان الشيئان محور الفيلم بالنسبة لنا ، الامر لا يتوقف عند المحورية بل هو يتجاوزها عندما يستغلهما في دمغ الثيم البصري العام للعمل بالكثير من الغبار الفانتازي الحالم ، قدرة مارتن سكورسيزي التي لا تخطئها العين على صناعة فيلمٍ حقيقي بشخصياتٍ من لحمٍ ودم في بيئةٍ تنضح بالخيال و الالهام ، و تجاوز ذلك الى القدرة على صناعة الاحساس بخيالية العمل على الرغم من كونه في الحقيقة ليس كذلك بالمطلق ، هذه الجزئية فتنتني في عمل مارتي هنا ، كل من شاهد العرض الدعائي للفيلم ، أو شاهد بوستر الفيلم ، كل من سمع حديثاً عن الفيلم ، كل من قرأ حبكة الفيلم سيتولد لديه ذلك الإنطباع عن النفس الخيالي الذي يغمر القصة ، لكنك بمجرد ان تنتهي من مشاهدته ، بمجرد ان ترتد قليلاً الى الوراء لن تجد اياً من ذلك في الواقع ، نزعة الخيال و الفانتازيا التي تبدو طاغية و آسرةً اثناء مشاهدتك العمل لا تعدو كونها طاقة ايجابيةً وهمية يضخها سكورسيزي بذكاء يحسد عليه في ارجاء عمله ، نفس السحر الذي صنعه - بطريقةٍ معاكسة - توماس الفريدسن عندما قدما رائعته السويدية الشهيرة Let The Right One In قبل ثلاثة اعوام .  

في الجوهر و كما هو معروف يوجه هذا الفيلم تحيةً عظيمة لجورج ميلييس ساحر السينما الأول ، جورج ميلييس بكل الهوس و الاحترام العظيم الذي يحمله له صناع السينما اليوم ، مارتي يقدم في فيلمه هذا تحيته الخاصة للرجل الذي لطالما ألهمه ، و لطالما اعجب بقدرته على أن يكون خلاقاً و مبهراً في حقبةٍ كانت السينما مازالت تخطو فيها خطواتها الأولى ، مارتي في هذا الفيلم لا يتعامل مع ميلييس ككينونة ، كشخصٍ يستحق ان يتذكره الناس ، مارتي يتعامل مع ميلييس كحالة ، الفنان الذي يكون الفن هاجسه و مزموره الداخلي ، الفنان الذي يقفز على كل الحواجز ويخرق كل الممكن في سبيل صناعة اللاممكن ، من يعلم علاقة سكورسيزي بفن ميلييس ، من يتذكر عبارته الشهيرة التي توّجت مونتاج تكريمه بالغولدن غلوب الشرفي قبل عامين (الأفلام هي ذاكرة حياتنا ، نحتاج لأن نبقيها حية) سيعلم جيداً مقدار الدافع الذي حرّك سكورسيزي على مدى السنوات القليلة الماضية لترميم عشرات الأعمال السينمائية العظيمة التي كادت تندثر دون أن تجد طريقها الى المشاهدة ، نعم الانسان و السينمائي و المرمّم ثلاثتهم كانوا وراء عمل مارتي هذا ، ثلاثتهم وجهوا في جوهر هذا النص تحية مارتن سكورسيزي الخاصة لأحد اعظم ملهميه عبر العصور و الأجيال .  

عميقاً في هذه التحية ذهب مارتي ، لم يكتف فقط بأن وضع جورج ميلييس محوراً هاماً في عمله هذا ، ذهب أبعد من ذلك ، سكورسيزي وضع اعمال ميلييس التي اندثرت عنصراً هاماً في روح العمل ، يضع مشروع الترميم الذي يعمل عليه منذ عقدٍ على الاقل رسالةً اساسيةً بحد ذاتها ، تجاوز بها الثيم العام للعمل الادبي الذي كتبه برايان سيلزنيك عن الفتى الذي يناضل من أجل إيجاد قيمةٍ يجهلها لحياته التي يعيشها ، من أجل ذلك أثق تماماً بأن سكورسيزي انتظر طويلاً كي يجد الفرصة الملائمة ليقدم عملاً كهذا ، عملاً يدمج تيمة البحث عن الذات التي قدمها الرجل في مجموعةٍ من أعظم أعماله على إختلاف الطرح و طرق المعالجة ، على الأخص في Taxi Driver و Goodfellas و The Departed ، مع تحيةٍ من النوع العطر يرسلها بطريقته لواحدٍ من اعظم ملهميه ، ربما كان سكورسيزي محظوظاً جداً بالعثور على عملٍ أدبيٍ كهذا ، و لا أدري حقيقةً كم انتظر الرجل ليعثر عليه ، لكنني متأكد ان سكورسيزي كان ينتظر فرصةً كهذه منذ زمن ، وواتته فلم يخيّب ظننا فيه .

عندما أتذكر لقائي الأول مع الفيلم في صالة السينما ابتسم ، وعندما اتذكر لقائي الثاني به مؤخراً أبتسم مجدداً ، حاولت في البداية تمرير جزءٍ منه كالعادة لمعرفة تواؤم النسخة مع ترجمة الفيلم فوجدت نفسي دون أن أدري ألتهم ساعةً و نصف منه ، لطالما كان مارتي ضابط إيقاعٍ من العيار الثقيل ، لكن قلة تلك الحالات التي وصل فيها إلى هذا المستوى من التحكم ، إيقاع الفيلم لا يهتز لثانية ، يبقي مشاهده على تواصلٍ تام مع ما يحدث ، و مهتماً بكل ما يحدث ، مشكلة الفيلم برأيي تكمن في جزئية من النص تتعلق بمحاولة التكثيف على روح العمل الأدبي الذي يتناول فتىً يبحث عن سر كينونته وهدف حياته ، يحاول ألا يكون ترساً فائضاً في عجلة ، عندما يلامس النص هذا الوتر يبدو مفتعلاً إلى حدٍ بعيد ، يبدو و كأنما يضع يده على وتر من آلة العزف بعدما انتهى الجمهور من التصفيق ، احتفاءاً بجورج ميلييس طبعاً ، في هذه الجزئية تحديداً يبدو النص أبسط من اللازم ، و أكثر مباشرةً مما ينبغي ، و أقل عمقاً مما يفترض ، أمرٌ لم أتصالح معه تماماً عند انتهائي منه أو إعادتي له ، ذلك الشعور الذي يتملكك بأنك شاهدت للتو عملاً سينمائياً مميزاً جداً لكنه كان من الممكن أن يكون تحفةً سينمائية .

و على الرغم من أن هذا الفيلم هو واحدٌ من الحالات النادرة لسكورسيزي التي لا يكون للأداء التمثيلي الدور الكبير فيها إلا أن الرجل تمكن بامتياز من تجاوز تحدياتٍ أخرى أعظم و أهم من خلاله ، فقفز بتفوق على حاجز التصنيفية بطريقةٍ ذكرتني بالتحدي الذي صنعه ديفيد لينش لنفسه عندما قدم مقطوعته الأكثر إختلافاً في The Straight Story ، و صناعة أكثر أفلامه شخصية وقرباً منه بالكيفية التي لا يمكن أن نتجاوز معها رؤية روح مارتن سكورسيزي تصدح بعنفوان في عيني هوغو كابريه ذاته ، و تقديم دفع عظيم لخيالية الصورة بعيداً عن واقعية الحدث بطريقةٍ لم يسبق أن اختبرها مارتي من قبل ، و الأهم صنع تحيته الخاصة بالطريقة المثالية التي يجب أن تكون عليها التحية السينمائية ، مقدماً أول أعماله مستخدماً بالذات (أحدث الإبتكارات التقنية) في صناعة السينما ثلاثية الأبعاد لتكريم واحدٍ من اعظم (المبتكرين) في تاريخ الصناعة السينمائية ، فكانت النتيجة كما يجب أن تكون عندما يقف ورائها مارتي : صناعة فيلمٍ (سينمائي) عن (سينمائي) ، (عظيم) عن (عظيم) ، (ساحرٍ) عن (ساحر) ، و (ملهمٍ) عن (ملهم) ، بالتأكيد هذا واحدٌ من أعظم أعمال مارتن سكورسيزي على الإطلاق .

التقييم من 10 : 9