الأربعاء، 26 سبتمبر 2012

A Man For All Seasons

كتب : عماد العذري

بطولة : بول سكوفيلد ، روبرت شو ، جون هيرت ، أورسون ويلز
إخراج : فريد زينيمان

على الرغم من أن المسرح هو الأب الروحي للسينما ، إلا أنه على مدى سنوات السينما الطوال لم يكن المسرح رافداً حقيقياً للسينما بطريقةٍ تتناسب مع الأهمية الكبرى و التقاطعات الواضحة بين الفنّين ، و بقي تأثير المسرح كغذاء للمادة القصصية للسينما خجولاً قياساً لإسهامات الأدب الروائي أو القصصي أو أدب الرسوم الهزلية ، مع ذلك فإن عدداً كبيراً من الاسهامات المسرحية في الفن السينمائي وصلت الى القمة و ذهبت أبعد بكثير مما وصلت اليه الموارد القصصية الأخرى على الرغم من غزارتها ، الفيلم الذي توّج بست جوائز أوسكار عام 1966 هو مثالٌ مهم على ذلك.

يقتبس روبرت بولت و كونستانس ويليس مسرحية بولت التي حققت نجاحاً مدوياً في برودواي توجها في الختام بجائزة التوني لأفضل مسرحية درامية عام 1961 من خلال هذا العمل السينمائي الذي يدير فيه الكبير فريد زينيمان الممثل البريطاني بول سكوفيلد في الدور ذاته الذي خطف به الأضواء على خشبة المسرح ، بول سكوفيلد نال أيضاً جائزة التوني لأفضل ممثلٍ مسرحي عن هذا الدور الذي نال من خلاله لاحقاً أوسكار افضل ممثل ، تماماً كما فعل الفيلم الذي اصبح واحداً من أربعة أعمالٍ فقط – آخرها Amadeus - نالت جائزة التوني لأفضل عملٍ مسرحي ثم جائزة الأوسكار لأفضل فيلمٍ سينمائي .

يتناول الفيلم قصة الصراع الشهير الذي دار في انجلترا منتصف القرن السادس عشر عندما أصر الملك هنري الثامن الراغب في ولي عهد لمملكته على الطلاق من زوجته الملكة من أجل الزواج بمحظيته آن بولين و هو زواجٌ اعترضت عليه الكنيسة البابوية في روما الأمر الذي دفع هنري الثامن لإعلان انفصال انجلترا دينياً و سياسياً عن الكنيسة الكاثوليكية ليعلن عن قيام الكنيسة الأنغليكانية و يتوّج نفسه رئيساً لها ، قرارٌ وافقه عليه – و أحياناً على مضض – الجزء الأكبر من نبلاء مملكته ، وحده السير توماس مور - الذي كان رئيساً للمحكمة العليا في يومٍ ما – من تجنّب الوقوف إلى جوار الملك فيما ذهب اليه ، الأمر الذي حوله بفعل سخط الملك و دسائس كبير رجاله كرومويل إلى عدوٍ أول للشعب و الملك .

في فيلمه هذا حقق فريد زينيمان انجازاً مهماً على مستوى تطويع العمل المسرحي سينمائياً ، مستفيداً بشكلٍ واضح من الطابع المسرحي الواضح للنص السينمائي ، و الذي ما كان ليكون كافياً لو لم يعمل زينيمان بجد على الحفاظ على الزخم المسرحي لروح العمل و دفعها و تغذيتها من خلال الصورة الأنيقة و بناء الشخصيات الممتاز الذي تمكن منه ، و العمق الواضح في تقديم البعد الأخلاقي للقصة عن المباديء و القيم التي لا يمكن التضحية بها مهما كان المقابل و مهما كان الثمن الذي سيكلفه ذلك ، و على الرغم من أنني قضيت جزءاً مهماً من حياتي في القراءة عن أوروبا العصور الوسطى و عصر النهضة فيما كان يشبه نوعاً من الهوس الذي مررت به يوماً ما ، و ادراكي التام أن السير توماس مور لم يكن تماماً على صورة القديس التي كاد أن يقدمها النص السينمائي فيه ، إلا أن عمل زينيمان و سكوفيلد على استخلاص ما يريدونه لبناء شخصية توماس مور بعيداً عن التناقضات الأخلاقية الأخرى التي مرّت بها في مراحل أخرى من حياتها هو أمرٌ يستحق الثناء جداً ، خصوصاً مع الصورة البديعة التي ترسم مع تطور الأحداث لرجلٍ يبيع كل شي ، فقط من أجل أن يشتري نفسه .

بعيداً عن الصورة الحقيقية لتوماس مور فإن مشكلة النص الحقيقية برأيي (من وجهة نظر سينمائية و ليست تاريخية) تكمن في عجزه عن خلق قيمة حقيقية لأهمية رأي توماس مور في كل ما يجري من حوله ، إعطاء و توضيح القيمة الحقيقية لمعنى أن يرفض توماس مور ما فعله الملك ، الثقل الذي يعنيه رفض شخصٍ واحدٍ لأمرٍ اتفق عليه مئات النبلاء و الأشراف ، الفيلم لا يكلّف نفسه كثيراً في تبيان قيمة الرجل ضمن الدولة ، و مدى الاحترام الشعبي الذي يحظى به ، أو على اقل تقدير رسم صورةٍ ظاهرية للأثر الذي يمكن أن يولده رفض توماس مور بالذات لما حدث ، جزئية من الصعب القول بأن النص قد أجهد نفسه كما يجب لتصويرها كي يمنح مشاهده الدافع وراء كل ما يجري أمامه على الشاشة ، و هنا بالذات حمل بول سكوفيلد الفيلم على عاتقه في محاولة رسم القيمة و الأهمية و الثقل الحقيقي لهذه الشخصية على الشاشة بطريقةٍ خففت إلى حدٍ ما من هذه الثغرة في نص بولت و ويليس ، كما دعم روبرت شو هذه الجزئية في أداءه لشخصية الملك هنري الثامن من خلال خلقه توازناً مقدراً بين صرامة و هيبة الملك و بين عجرفته و جنونه كمحاولة لتبرير حجم الاستنفار الرهيب تجاه ما فعله رجلٌ واحدٌ أعزل يدعى توماس مور .

بالنتيجة يصنع فريد زينيمان انجازاً اخراجياً ثقيلاً يجعل من العمل شيئاً مهماً بالفعل لمعظم عشاق السينما ، طيعاً و عميقاً و صادقاً و سهل الاستساغة و عالي المشهدية ، على الرغم من افتقاره لسعة الخيال بصرياً ، و على الرغم من كونه يبدو تقليدياً إلى حدٍ الفجاجة مع أنه يأتي في واحدةٍ من أكثر حقب السينما تمرداً على التقليد ، أمرٌ يمكننا تفهمه بالنظر لقيمة العمل ككل و المكانة التي وصلها و احتفظ بها حتى يومنا هذا كواحدٍ من أهم الاقتباسات المسرحية للسينما على الاطلاق .

التقييم من 10 : 8.5