السبت، 10 فبراير 2018

Loveless

كتب : عماد العذري

بطولة : أليكسي روزن ، ماريانا سبيفاك
إخراج : آندريه زيفياغنتسيف (2017)

في أعمال زيفياغنتسيف الخمسة الكثير من بعضها ، صحيح أن هذا يبدو منطقياً مع كل مخرجٍ استطاع أن يوجد لنفسه مساحته التعبيرية وبصمته البصرية الخاصة لكنني أراه يبدو أكثر وضوحاً في سينما زيفياغنتسيف قياساً لأقرانه من صناع السينما اليوم ، ربما بصورةٍ أو بأخرى تمحورت حكاياته ورؤيته البصرية حول العائلة والأجيال والصورة القاتمة لروسيا اليوم ، فيلمه الخامس امتدادٌ منطقي لأفلامه الأربعة السابقة .

اضطر زيفياغنتسيف لتأجيل مشروعه هذا أكثر من مرة بعدما رفضت السلطات في بلاده تمويل هذا العمل وهي التي منعت فيلمه السابق Leviathan من العرض وهو منعٌ يبدو لي متناقضاً مع فكرة أن ذات السلطات رشّحت الفيلم لاحقاً لتمثيل روسيا في سباق أوسكار أفضل فيلم أجنبي لأنها – كما يقول - آمنت بقدرته على نيل قبول المشاهد الغربي ، ما حدث مع Leviathan عاد ليتكرر مع Loveless الذي اضطر زيفياغنتسيف للبحث عن تمويلٍ أجنبي بعدما رُفض مشروع تمويله محلياً لكنه أعلن لاحقاً ممثلاً لروسيا في سباق الترشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي بعدما كرّم الصيف الماضي بجائزة لجنة التحكيم في كان .

يعرض زيفياغنتسيف في نصٍ كتبه مع شريك كتابته الدائم أوليغ نيغن يوميات زوجين هما بوريس الذي يعمل في المبيعات وجينيا التي تدير صالون تجميل يعيشان في مكانٍ ما من موسكو عام 2012 ويستغرقان في علاقتين عاطفيتين جديدتين بينما يتحضران لإتمام اجراءات طلاقهما وبيع المنزل الذي جمعهما ، ذات صباح يختفي ابنهما الوحيد أليوشا الذي يبلغ الثانية عشرة ويجبرهما اختفاؤه الغامض على البقاء بجوار بعضهما لفترةٍ من الزمن في مسعى البحث عنه .

وصف زيفياغنتسيف فيلمه هذا بأنه محاولةٌ شخصيةٌ منه لتقديم نسخةٍ روسيةٍ من فيلم بيرغمان Scenes from a Marriage والحقيقة أن فيلم بيرغمان هذا ليس الفيلم الوحيد الذي سيتذكره المشاهد أثناء المشاهدة ،  يقول زيفياغنتسيف أن تاركوفسكي هو من ألهمه وأن بيرغمان وأنطونيوني لهما بالغ الأثر في مسيرته ، هناك شيءٌ من زواج بيرغمان ومغامرة أنطونيوني ومن جميع أفلام تاركوفسكي في فيلمه هذا وهناك أشياء أخرى من هانكه وروج وربما آخرين.


كالعادة لا تغيب الأشجار عن افتتاحيات زيفياغنتسيف ونهايات أفلامه وهذه المرة يضعها أيضاً على بوستر فيلمه ، تحتل الأشجار – جذورها و فروعها الجرداء تحديداً – دوراً دائماً في صورة زيفياغنتسيف ، تحمّلها هذه الحكايات استعاراتٍ كثيرةً تتضمن الحياة والديمومة والشاهد الزمني للطبيعة ، كانت موجودةً هناك قبل الحدث وستبقى هناك بعد انتهاءه ، وربما أيضاً استعارةً لصورتها البديهية كرمزٍ للطبيعة تتماشى مع الطبيعة القاسية لحكايته ، أعمق من هذا يبدو ذلك جزءًا من تفسير نظرته السوداوية لشخصياته ، زيفياغنتسيف ليس تشاؤمياً لكنه في الوقت ذاته ليس تفاؤلياً ، استخدامه المتكرر للطبيعة (بشكلها البيئي كإسقاطٍ على شكلها البشري) يجعل تعاطيه مع شخصياته مرناً وربما هو يخلق من خلال ذلك ومن خلال نهاياته (المفتوحة) شيئاً من الأمل ، الأشجار – التي نجدها حتى جزءًا من ديكور منزل أنتون وجينيا – لن تستمر جرداء أو يابسةً على الدوام ، و (الحدث) الذي لا ينتهي عند زيفياغنتسيف في نقطةٍ محددة هو تأكيدٌ مستمر على تلك الإستعارة. في افتتاحية الفيلم أيضاً سنتذكر فيلم ميشائل هانكه Cache من خلال كاميرا ثابتة على كادرٍ لمدرسةٍ يغادرها طلابها منصرفين إلى بيوتهم عندما نلتقي أليوشا بسترته الحمراء (مع اختفائه لاحقاً تذكرت فيلم نيكولاس روج Don’t Look Now) ، في فيلم زيفياغنتسيف الكثير من فيلم هانكه عن الماضي والذنوب التي اقترفناها وعن الثمن الذي يضطر آخرون لدفعه كي نحصل على خلاصنا الذي لا يأتي .


يقسم زيفياغنتسيف فيلمه زمنياً إلى نصفين بالتساوي ، الأول يعرض للتفكك الذي تعيشه هذه العائلة ، والثاني يعرض رحلة البحث التي جمعتهما ، زفياغنتسيف لا يفعلها هنا وفقاً للصورة النمطية ، والحادثة التي تجبر الوالدين على البقاء بجوار بعضهما باحثين عن ابنهما لا تجبرهما على مراجعة أي شيءٍ يتعلق بحياتهما ، لا شيء تحت السطح يتغير ، الزوجان لا يتقاربان ، لا يتغيران ، ما يجمعهما للحظة هو ربما شعورٌ بالذنب تجاه (خطأ) ارتكباه ذات يوم وتكفل بأن جمعهما لإثني عشر عاماً ، عندما نقترب من هذه العائلة لا نجد الكثير مما لم نجده في أفلامٍ كثيرةٍ أخرى عن عائلةٍ مفككة ، وأعتقد أن زيفياغنتسيف يتفهم هذا فلا يستنزف الكثير من زمن العرض في البحث عن الأسباب والنتائج وإن كان لا يقفز عليها أيضاً ، بوريس وجينيا زوجان لم يحبا بعضهما يوماً ، ربما اعتقدا ذلك لفترةٍ لم تطل كثيراً ، إجتماعهما كان (نتيجة) ولم يكن (غايةً) يوماً ، العلاقة الجنسية التي جمعتهما أثمرت حملاً غير مرغوبٍ به وجدا في الزواج حاضنةً مقبولةً لتحمّل نتيجته في علاقةٍ لا تخلو من بعض الإتكالية (والمرأة ليست بريئةً تماماً في أفلامه) ، لكن تلك الحاضنة تحوّلت إلى جحيمٍ حقيقيٍ لأطرافها الثلاثة ، منزلهما بني على الـ (لا حُب) و ابنهما أليوشا الذي يختفي لاحقاً هو ثمرة ذلك اللاحب ومن سيدفع ثمنه أكثر من غيره ، وربما للسبب نفسه لم يجد الحب طريقاً للعلاقة التي تربطهما بأليوشا أيضاً ، الفتى غير مرغوبٍ به من قبل والديه اللذين تجاوزت علاقتهما الإنفصال إلى حالةٍ أقرب إلى العداء ، تصفية حسابٍ تجاه ماضٍ يقف أليوشا كنتيجةٍ مجسدةٍ له ، أولاً من خلال أليوشا ذاته الذي يتخلى عنه الطرفان في نقاشٍ مؤلمٍ حول مصيره المشوش بين الإنضمام لأحد والديه أو الذهاب إلى المخيم أو المدرسة الداخلية ثم الإنضمام للجيش (في تلميحٍ سياسي اعتدناه في سينما زيفياغنتسيف) ، وثانياً من خلال حياةٍ جديدةٍ لا تتجرد مجدداً من كونها قائمةً على الامتيازات ، جينيا تبدأ علاقةً مع رجل أعمالٍ وحيد من النخبة الاقتصادية رحلت ابنته الى البرتغال لإكمال دراستها ولا يبدو فعلاً بأن ما يحركها تجاهه هو (الحب) ، وبوريس عثر على شابةٍ مستكينةٍ من الطبقة العاملة تريد الزواج منه لأنها تحمل ابنه وترغب في أن تؤسس عائلة ، جينيا تتحول إلى كابوسٍ عندما يتعلق الأمر بخلاصها من علاقتها ببوريس التي تحدّت من أجلها والدتها فيما مضى ، ومشاعر الأمومة التي لم تشكلها تجاه أليوشا خلال 12 عاماً ولدت ربما من حقيقة أنها لم تحب يوماً أباه ، لم تنظر لإبنها عندما ولد ، تقول بأن ولادته كادت تقتلها ، لم ترضعه ومازالت تعتبره خطأً لا يغتفر ، بالمقابل لا نستطيع من واقع رد فعل بوريس أن نقول أن مشاعره تجاه أليوشا تختلف عن مشاعر جينيا ، كلاهما بطريقةٍ أو بأخرى يهرب من مسؤولياته تجاه الفتى ، مشهد أليوشا وهو يستمع في صمتٍ مؤلم لنقاشهما بينما يحبس دموعه مختبئاً ذات ليلة هو واحدٌ من أكثر المشاهد إيلاماً في مسيرةٍ قصيرةٍ لزفياغنتسيف مليئةٍ بالمشاهد التي تعلق في الذاكرة .


العلاقات في فيلم زيفياغنتسيف هنا تذكرني بعلاقات فيلمه Elena ، باردةٌ في جميع مستوياتها الأفقية والعمودية ، من الشريك لشريكه ، من الوالدين لابنهما ، من الجدة للأم ، من المواطن للدولة ، والعكس ، لا يوجد أي شيءٍ حميميٌ هنا ، العلاقة الوحيدة الأليفة في الحكاية هي علاقة أنتون بإبنته البعيدة لكنها لا تُرسم بأكثر من لقاء عابر عبر الانترنت ، علاقة جينيا بأليوشا هي انعكاسٌ لعلاقتها بوالدتها ، وماشا صديقة بوريس الحامل هي بطريقةٍ ما نسخةٌ مبكرةٌ عن جينيا ، من خلالهما يقدم زيفياغنتسيف مجدداً تعليقه الدائم على مؤسسة الزواج من ناحية وتأكيده المعتاد على ديمومة الحدث من ناحيةٍ أخرى ، والدة ماشا تعاتبها كما كانت تفعل والدة جينيا ، لا تستطيع أن تجزم بأن ماشا تحب بوريس فعلاً بقدر ما تعلم أنها ارتبطت به بسبب حملها ، لا تمتلك يقيناً عاطفياً تجاه بوريس لكنها مع ذلك تنكسر مع كلمة (أحبك) يقولها ، هناك حالةٌ من الإتكالية يصر زيفياغنتسيف على الإيحاء بها في تصويره لعلاقاتٍ مشوهة بنيت على حملٍ غير مرغوبٍ به وهو الذي قدم لنا Banishment قبل أعوام ، لا يمكن أبداً تجاهل لقطةٍ منفردةٍ (جميلة وفيها الكثير من الطمأنينة) لإمرأةٍ (حامل) تقترب من زجاج نافذة المنزل أثناء زيارتها مع زوجها لمنزل بوريس وجينيا الذي يرغبان بشرائه ، في أحد مشاهد الفيلم يتكلم زميل بوريس في العمل عن إضطرار أحدهم لإستئجار (زوجةٍ مزيفة) كي تحضر معه حدثاً إجتماعياً دعى إليه مالك الشركة الأرثوذوكسي المتدين ، تبدو فكرة (زوجةٍ مزيفة) هزلاً لاذعاً يتقاطع مع حقيقة ما يعيشه بوريس فعلاً ، موضوع ليس بجديدٍ على زيفياغنتسيف وهو الذي عرض علينا في Elena زوجةً أقرب إلى ممرضة ترعى عجوزاً كانت ممرضته فعلاً فيما مضى ، لا يتغير شيءٌ في عمق هكذا علاقات ، زيفياغنتسيف في تعليقه المتكرر على مؤسسة الزواج لا يرفضها ولا ينقدها بقدر ما ينظر من خلالها في المجتمع الروسي المعاصر ، حالة التفكك في عمق مؤسسة (العلاقات) الأكثر قدسية وكيف يمكن اسقاطها على تفكك مؤسساتٍ أخرى أقل قدسية منها ، وهذا بالتأكيد سيقودنا مع زيفياغنتسيف إلى بعض الحديث عن السياسة ، لا يمكن تجاهل التعليق السياسي في جميع أفلام زيفياغنتسيف مهما حاول انكار ذلك ، كل ما يحاول النظر إليه من منظورٍ إجتماعيٍ هنا يمتلك أيضاً نظرةٌ سياسية في العمق : العمل ، والتقدير ، والشراكة ، والذكورية ، والاتكالية ، والأمان ، زيفياغنتسيف بطريقةٍ ما ينظر في الجذور الثقافية الاجتماعية للواقع السياسي الروسي وليس العكس ، مع زيفياغنتسيف الذي يطرح (إجتماعياً) أنت تشعر تماماً بأدق تفاصيل روسيا بوتن وكأنك تعيش هناك دون أن تشعر فعلاً بأن الرجل يطرح (سياسياً) ، السبب كما أراه يكمن في أن زيفياغنتسيف دائماً ما يضع (حبكةً) جيدةً ليدير من خلالها فيلماً (ليس عن الحبكة) ويغذي ذلك من خلال الإستعارة والصورة ، المؤسسات لدى زيفياغنتسيف بشكليها الحكومي (الشرطة) والاجتماعي (الزواج) هي كياناتٌ عبثيةٌ تكافح دائماً لتدّعي بأنها تقوم فعلاً بما يجب عليها القيام به ، زيفياغنتسيف يضع ذلك تحت مجهر (التباين) من خلال خلق البديل ، بديل مؤسسة الزواج الفاشلة هي علاقاتٌ عاطفيةٌ رأى فيها الزوجان فرصةً للتعويض ، وبديل مؤسسة الشرطة الفاشلة هم المتطوعون الأهم والأكثر فعالية ، اختفاء أليوشا هنا جمع فشل المؤسستين على طاولةٍ واحدة كاشفاً العلاقة الواهنة للراعي بالرعية ، الخاليةٌ من الحب والتي لا يقوم فيها أحدٌ بما يُفترض أن يقوم به ، روسيا زيفياغنتسيف تشبه أسوأ ما في طبيعتها أكثر من أي وقتٍ مضى : باردة و كئيبة وبلا قلبٍ أو روح ، أراه المخرج الروسي الوحيد الذي يجعلني أشعر بروسيا فعلاً ، روسيا كما أتخيلها .


علاوةً على ذلك لا يمكن أن اتعاطى مع اختيار زيفياغنتسيف لعام 2012 كمسرحٍ للحدث بحسن نية وهو الذي يفرد مشهداً مطولاً لبوريس يقود سيارته مستمعاً في راديو السيارة لأسطورة حضارة المايا عن نهاية العالم في عام 2012 وهو مشهدٌ لا يحدث فيه شيء سوى قيادة السيارة ! قبل أن يؤكد عليه لاحقاً عندما يسأل بوريس زميله في العمل عما إذا كان يعتقد بأن العالم سينتهي هذا العام ، أليوشا البالغ من العمر 12 عاماً تماماً كفترة حكم بوتن عام 2012 يبقى استعارةً مهمةً لروسيا بوتن ، التائهة والمشتتة بين أمٍ تريد البحث عن حريتها وانعتاقها في صورة رجل ثري يأخذها إلى مطعمٍ يرتاده الصفوة وأبٍ جلُّ ما يخشاه هي صورته أمام رئيس عمله المتدين ، أليوشا الذي يتأرجح مستقبله كما تقول والدته بين الإنضمام لمدرسةٍ داخليةٍ أو الذهاب إلى الجيش يجد ملجأه من كل ما يعيشه في منزله في منشأةٍ سوفييتية مهجورة حيث أنقاض شيءٍ كان عظيماً وانقضى وهو المكان الذي يعثر فيه والده على سترته بينما في الجوار منشأة رادارات روسية ترصد كل شيء ، زيفياغنتسيف يستخدم التلفيزيون لاحقاً ليتحدث عن الحرب في أوكرانيا والتدخل في شبه جزيرة القرم في واحدة من أهم متواليات الفيلم ، مشهد جينيا وبوريس – كلٌ في منزله الجديد – يشاهد أخبار التدخل الروسي في أوكرانيا يقول كل شيء عن قتامة الصورة ، الكثير من السياسة في تعليقٍ يبدو اجتماعياً كما يصر زيفياغنتسيف على القول.

بعيداً عن التعليق السياسي يبقى أكثر ما أحبه في سينما زيفياغنتسيف هو الصدق في تقديم ظروف الشخصيات بصرياً ، بسهولةٍ تستطيع التقاط دوافعها واسلوب حياتها وعلاقتها ببعضها دون الحاجة للحوار ، أسلوب معيشة الزوجين بعيداً عن بعضهما تقرأه من خلال الصورة ، زيفياغنتسيف (عادةً) لا يلقن وعندما يستخدم الاستعارات التلقينية – هنا وهناك – يضعف من قيمة عمله (وهذا تحديداً ما لا أحبه في Leviathan) : نراه يؤكد مراراً على التقاط جينيا صور السيلفي هنا وهناك إلى الدرجة التي يجعل ذلك التأكيد فائضاً تماماً في لحظةٍ عابرةٍ لصديقاتٍ يلتقطن السيلفي في مطعم ، في المترو يتعلق الجميع بهواتفهم المحمولة كما هي شخصية جينيا التي تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بإسراف ، العلاقات الهشة التي صورها بين الرجل والمرأة يؤكد عليها مجدداً من خلال لحظةٍ دخيلةٍ لحسناء تعطي رقمها في المطعم لرجل قبل أن تجلس إلى طاولةٍ في موعدٍ مع رجلٍ آخر! أشياء لا أحبها في سينما زيفياغنتسيف.


على مستوى الصورة تعشق كاميرا ميخائيل كريشمان التي شاهدتها في أفلام زيفياغنتسيف الخمسة وفي فيلم أليكسي فيدورتشنكو Silent Souls الإقتراب من النوافذ (المبتلة منها خصوصاً) ، في كل مشهدٍ تقترب فيه من النافذة تكسب اللقطة مسحةً جماليةً تتولد عن التباين بين محيط النافذة القاتم والضوء المنبعث عنها أو بين الصفاء والضبابية في النوافذ المبتلة ، كاميرا كريشمان تعشق أيضاً درجات الرمادي والبني والأخضر (ألوان الطبيعة) ، في تصميم كل لقطة هناك تناوبٌ وتراقصٌ بين هذه الألوان تظهر شغف زيفياغنتسيف الدائم بها ، وهذا التناوب في نظري بقدر ما يضفي قيمةً جماليةً اعتدناها في أفلامه يدعم أيضاً مواضيع أفلامه القاتمة والطبيعة التي اعتاد أن يسبرها (بشكليها البيئي والبشري) ، يستمر أيضاً ولع كريشمان بالحركة الانسيابية للكاميرا (في المشاهد الداخلية خصوصاً) ، الكاميرا تسبح في المنزل (تفصيلٌ أحببته كثيراً في Elena) ، هذه الحركة تكسر ضيق المود العاطفي والنفسي لكل مشهد ، ومن النادر أن تجد فيلماً كئيباً لا تشعر معه برتابة الصورة ، زيفياغنتسيف أيضاً يلتقط أنفاس الحدث من خلال لقطةٍ فائضة وكأنما يحضّر مشاهديه لما سيأتي في نقطة التحول نحو حل الحبكة (في أفلامٍ ليست فعلاً أفلام حبكة) ، هذه اللقطة تحدث هنا بعدما يكشف صديق أليوشا للمحقق عن المكان السري الذي احتضن مغامراتهم في الغابة ، في المشهد التالي وقبل أن نرافق فريق البحث نحو المكان السري ينتظر زيفياغنتسيف معنا للحظات في الصف المدرسي نراقب مديرة المدرسة وهي تمسح السبورة بينما كاميرا كريشمان كالعادة تقترب بهدوءٍ من النافذة حيث الثلج المتساقط في الخارج مع موسيقى تصويرية متصاعدة من يفغيني كالبرين ، لا شيء يحدث فعلاً ولا تنتظر أن يتغير الكثير ، كاميرا كريشمان تولد في المشاهد حس الديمومة في الحدث دون أن تبدو حركتها مبتذلةً أو فائضة وهذا ربما أكثر ما أحبه في صورة زيفياغنتسيف ، هذه الحركة تكسر قيد الكادر دون أن تضيف الكثير له ، الكادر أيضاً يتسع ببطء أو يضيق ببطء دون أن يتغير فيه شيء ، هذا يتيح للمشاهد أكبر قدرٍ من الوقت لالتقاط ما في الكادر ليعكس رؤية زيفياغنتسيف للحدث الذي يجري أمامنا (كإنعكاسٍ ربما لرؤيته الأشمل لروسيا المعاصرة) ، زيفياغنتسيف دائماً من خلال تلك الحركة وكأنما يخبر المشاهد في كل مشهد : شاهد كل ما في اللقطة ، تشبّع بها ، لكن لا تنتظر الكثير ليتغير ، كادرات زيفياغنتسيف مثل أحداث أفلامه ، الجروح دائمة والتغيرات أبديةٌ ومن كان ينتظر العثور على أليوشا في الختام لا يعرف سينماه جيداً .

مونتاج آنا ماس هو الآخر يدرك ويتفهم أنه يتعامل مع (حبكة) جيدةٍ يستخدمها زيفياغنتسيف ليقدم فيلماً ليس (عن الحبكة) كحال جميع أفلامه السابقة ، من أكثر ما أحببت في هذا الفيلم المشهد الذي تعلن فيه جينيا لزوجها عن اختفاء أليوشا ، هذا المشهد يأتي بعد مشهدين جنسيين ، مونتاج آنا ماس تحت إدارة زيفياغنتسيف يتباطأ بحذر على كل لقطة في كلا المشهدين من أجل أن تحصل منهما تماماً على حالة الإشباع المقصودة ، هذا التباطؤ فعال لأنه من ناحية يتيح للمشاهد مساحةً لفهم الزوجين والاقتراب من علاقتهما بشريكيهما الجديدين ، ومن ناحية لأننا (ننشغل) بالمشهدين الجنسيين حرفياً عن أليوشا كما انشغلوا عنه ، مدة المشهدين وطريقة توليفهما يمارسان على المشاهد شعور الإلهاء الذي عاشه الوالدين فننسى أليوشا بالرغم من أننا شاهدناه للتو يبكي وراء باب الحمام ، وعندما تتصل جينيا بزوجها بعد عودتها يبدو المشهد قاسياً وصادماً على المشاهد بقدر ما هو قاسٍ على والديه ، لعبة آنا ماس مع المشاهد تستمر في زيارة جينيا وبوريس لمنزل الجدة مثلاً ، القطع المباغت على الجدة ترتدي ملابسها في المنزل بعدما شاهدتها المحققة مختبئة في الداخل يمنح المشاهد احساساً بأنها ترتدي ثيابها استعداداً لإستقبالهم بينما تكون قد استقبلتهم بالفعل ! ، في مشهد المشرحة القاسي يستثمر مونتاج آنا ماس الكادر من خلال حضور ملامح جينيا وبوريس الطاغي فيه فيتباطأ على القطع متيحاً للمشاهد التنقل ببصره بينهما مستنزفاً كل المشاعر الموجودة في المشهد قبل أن يكتشف في سياق رد فعلهما أن الجثة لا تعود لأليوشا ثم يعقب تلك اللقطة الطويلة بلقطةٍ خاطفة للجثة المشوهة تجنّب رد فعلهما من أن يكون محاولةً رديئةً للتلاعب بالمشاهد ، هناك شيءٌ مؤلمٌ فعلاً شاهداه بغض النظر عن كونها جثةً لفتىً آخر .


ماريا سبيفاك (في فيلمها الأول مع زيفياغنتسيف الذي عمل في فيلمين متتالين مع إيلينا ليادوفا) تقف في أدائها على حواف النبرة الحادة لإنفعالات الشخصية والتي من الممكن أن تجعلها شخصيةً نمطية شريرة لكنها لا تنزلق وراء تلك النمطية، وهذا التطرف يكسبها مصداقيةً أكبر لأننا في الوقت الذي نحتاج لتلك الحدية لفهم مستوى اللاحب الذي تحمله لزوجها وبالتالي نتفهم مبرراتها في كل ما تفعله نحتاج أيضاً ألا تذهب به أبعد من ذلك عندما تحتاج الشخصية لأن تنكسر ، انكسارها موزونٌ ومقنع ومؤثر ، هناك ألم يهز الشخصية تجاه ابنها الذي لطالما اعتقدت أنه لا يعنيها ، بكاؤها لحظة الكشف عن الجثة فيه مزيجٌ محيرٌ من رعب المنظر وحنان الأم غير المتوقع.

في ختام الفيلم يعيدنا زيفياغنتسيف إلى عنوان فيلمه ، الحب أكثر الأشياء المرتبطة بالإرادة في الوجود ، لا تستطيع أن (تجبر) نفسك على حب أحدهم مهما حاولت ، هنا غياب الحب هو نتيجةٌ لغياب هذه الإرادة منذ البداية ، والمقولة التي تقول أن الحياة بدون حب لا معنى لها حولها زيفياغنتسيف الى كابوس ، ننتهي إلى عائلةٍ كان يفترض ألا تحدث ، مضى الزوجان في طريقهما واختفى أليوشا ، عائلةٌ كانت ولم تعد هناك ، ختامٌ مفتوحٌ على روسيا بوتن في شتائها الثاني عشر ما تزال مفقودةً في الـ (لا حُب) وحيث أغصان الأشجار ما زالت تحمل أثراً صغيراً منها.

التقييم من 10 : 9