السبت، 14 أبريل 2018

Annihilation

كتب : عماد العذري

بطولة : ناتالي بورتمان ، جينيفر جايسن لي ، أوسكار إيزاك
إخراج : أليكس غارلاند (2018)

يأتي هذا الفيلم بعد ثلاثة أعوام على فيلم البريطاني أليكس غارلاند الأول Ex Machina وهو مشروع خيالٍ علمي آخر لا يقل طموحاً – كما يبدو – عن مشروعه الأول ، هذه المرة مع خياراتٍ انتاجيةٍ أفضل وأصلٍ أدبيٍ حقق نجاحاً كبيراً ، لكن التجارب عادةً لا يتم تقديرها بناءًا على مقدار طموحها وانما بناءًا على المسعى الذي سلكته لتحقيق ذلك الطموح.

في هذا الإقتباس لرواية جيف فاندرمير الحائزة على جائزة النيبولا عام 2014 (وهي أرفع جوائز أدب الخيال العلمي في الولايات المتحدة) يقدمنا غارلاند إلى لينا ، عالمة الأحياء والبروفسورة في جامعة جون هوبكنز التي يعود زوجها كاين في حالِ يرثى لها إلى المنزل بعد قرابة عامِ على اختفائه في مهمةِ سرية ، تجد نفسها – ببساطة - في فريقٍ علمي رفقة عالمة نفس وفيزيائية وأخصائية جيومورفولوجي ومسعفة مهمتهن استكشاف كيانٍ غامضٍ أطلق عليه إسم The Shimmer مجسدٍ في فقاعةٍ عملاقةٍ تعكس ضوء الشمس فتظهر ألوان قوس قزح على سطحه ، سيطر هذا الكيان على منطقةِ جغرافيةٍ آخذةٍ في التمدد قرب أحد شواطىء الولايات المتحدة ، هناك يخضع التطور لأغرب أشكاله.

لا يوجد الجديد فيما يُحكى ، عالمةٌ تنضم إلى مهمةٍ عسكريةٍ للتعامل مع كيانٍ غامض ، شاهدنا ذلك في Arrival مؤخراً ، سردياً يستخدم أليكس غارلاند الفريم ستوري وهو استخدامٌ لن تجد له مبرراً لفترةٍ طويلةٍ من الحكاية ، نموذج الإستجواب الذي يقدمه النص لشخصية البطلة من قبل مسؤولٍ أعلى في المهمة لا يغذي الحدث ولا يخلق أي شكلٍ محددٍ من الإيقاع لما يجري ، لا تعرف تماماً في هذا الإستجواب هل لينا ناجيةٌ أم شاهدة أم متهمة ونبرات الأسئلة في الاستجواب تتراوح بين تلك الاعتبارات حتى في اطارها البصري عدا عن أن ما نحصل عليه في الإستجواب لا يذهب أبعد مما نشاهده في الحكاية ، غارلاند كما يبدو يستخدم الفريم ستوري لثلاث غايات : الغاية الأولى وضعنا في إطار ما شاهدته لينا فعلاً وتجنب أي إضافاتٍ للحدث مأخوذةٍ من تجارب شخصياتٍ أخرى في الحكاية وهي غاية يلتزم بها وأعتقد أنها تنجو به من الكثير من الأسئلة وتضعه في منطقةٍ آمنةٍ ، الغاية الثانية خلق مستوى ما من التشويش يجعل من الممكن افتراض أن لينا اختلقت كل حكايتها أو جزءًا منها بهدف تأمين مرور هذه النسخة الجديدة منها خارج (الوميض) وأعتقد أن النص نجح في خلق هذا التشويش أيضاً ، والغاية الثالثة إستخدام الفلاش باك للكشف عن طبيعة علاقة لينا بزوجها وشعور الألم تجاه الخيانة وهو استخدامٌ لا يدفع بالدراما إلى أي مساحةٍ إضافية ويبدو عبئاً عليها خصوصاً وأنه ينتمي لرحلة لينا في الوميض وليس للفريم ستوري ولا أرى أن غارلاند استطاع ربطه جدياً بما يجري.

في سياق ما يطرح يتأثر غارلاند كثيراً بثلاثٍ من أهم كلاسيكيات السينما – بين عددٍ آخرٍ من الأفلام – هي 2001 لستانلي كوبريك و Stalker و Solaris لآندريه تاركوفسكي ، يُفلح هذا التأثر على صعيد الأفكار لكنه يعجز في مسعى إحداث الأثر ، يبدو من السهل ربط ما نشاهده بالأعمال الثلاثة ، الإرتقاء نحو الإنسان الفائق والنسخة الأعظم في 2001 ، الرحلة نحو (المنطقة) حيث نلتقي مخاوفنا الأعظم في Stalker ، والكيان الغامض الذي أعاد خلق من نحب في Solaris ، في جوهر ما يطرح يتحدث غارلاند عن التدمير الذاتي للجنس البشري وهو طرحٌ يبدو مباشراً في بعض مفاصل العمل ، يقول – ضمن كلامٍ كثيرٍ يمكن تأويله – بأن مسعى الإنسان نحو التفوق وفضوله في كشف أسرار ما يحيط به سينتهي به إلى التجدد من خلال تدمير ذاته وخلق نسخةٍ مطورةٍ عنها وهو طرحٌ فلسفيٌ في المقام الأول (السرطان كإستعارةٍ علمية بالإضافة الى رمزية وشم الأفعى التي تأكل ذيلها ليسا إضافةً ديكوريةً هنا) ، في الوميض - الذي يشبه موشوراً جينياً عملاقاً كما تقول احدى الشخصيات - تخضع الكائنات إلى تغيراتٍ جينيةٍ سريعةٍ تشبه ما يجري في الإنتخاب الطبيعي لكن خلال فتراتٍ زمنيةٍ لا تكاد تذكر ، يعاد تشكيل الحمض النووي للكائنات لإنتاج نسخٍ مختلفةٍ وجديدةٍ كلياً عن النسخ الأم ، تظهر هنا قابلية تهجين تلك الكائنات ببعضها وظهور أنواعٍ جديدة ، سيعرض لنا غارلاند غزلاناً بقرونٍ نباتية ، وتمساحاً بفك قرش ، ونباتاتٍ أخذت شكل الجسد البشري ، سيحتاج المشاهد لتجنب النظر للمسألة من منطقها العلمي (وهذا ما أفعله دائماً) لأنه لو لم يفعل فسيجد الكثير من المتناقضات العلمية ، أرى في الطفرات التي يقدمها (الوميض) طفراتٍ (سرياليةً) يمكن التعاطي معها فلسفياً وتجنب تناولها من منظورٍ علمي وأعتقد أن هذا ما يريده غارلاند فعلاً ، لكنه مع ذلك لا يستطيع خدمة ذلك التعاطي على المستوى الدرامي فيجبر مشاهده على محاولة إخضاع ما يجري للمنطق العلمي ليتقبل دراماه على خلاف ما فعله في فيلمه السابق فيخنق الحدث في مساحة التفسير العلمي الذي لا يكتمل تأثير الدراما في المشاهد الا به فتبقى أفكاره الفلسفية الطموحة (وإن كانت تجاوزت في قيمتها عمله السابق) معلقةً بمحاولة الفهم واعادة المشاهدة وفك الطلاسم (مثل Foreshadowing كأس الماء مثلاً) بحثاً عن صورةٍ أفضل قد لا يحصل فيها على ما يريد ، تتحول رحلة الإرتقاء من خلال التدمير الذاتي إلى تسلسلٍ من المشاهد المثيرة قد لا تتناسب جديتها مع جدية الطرح علاوةً على أن فكرة وجود (قوة عليا) توجهها وتبدأها لا تجعلها تكتمل.

بتطور الحدث تبهت مخاوف الشخصيات بصورةٍ مريبة وتفقد حافزها الدرامي وتتحول الى شخصياتٍ كرتونية تتمحور حول شخصية لينا ، الشخصيات تكتشف ما يجري ببساطة (بالرغم من أنه نتاج ثلاثة أعوامٍ من التغيرات الجينية المتسارعة) ثم مع الوقت تقل الرهبة كثيراً تجاه المنطقة ولا يكون ذلك بالمعنى الإستكشافي الإيجابي للعبارة ، شعرت في بعض مفاصل الحدث بأنني مهتمٌ بما يجري أكثر من اهتمام الشخصيات ذاتها ، لا تستطيع أن تقنعني بأنك تبحث عن الحياة من خلال أن تبدو ميتاً هكذا ، و لا ينجح تمهيد غارلاند لذلك من خلال الحديث عن تجربة احداهن مع الكحوليات أو أخرى مع الإنتحار أو ثالثة مع السرطان أو رابعة مع فقدان ابنتها ، أي مهمةٍ علميةٍ هذه يمكن أن تثق بأفرادٍ لا يمتلكون الرغبة في العودة لتقديم ما اكتشفوه وبإمكانهم التخلي عن المهمة في أي لحظة !

يثير غارلاند أيضاً الكثير من الكلام عن مفهوم الفناء والإبادة التي يحملها عنوان الفيلم (والرواية التي يقول غارلاند أنه صنع نسخة Dream-like عنها وليس اقتباساً حقيقياً لها) ، يعرضُ شكلاً ذاتياً من الفناء لن يتطلب قواتِ أو معارك ، خسارة الصفات البشرية لمعركة التهجين مع كائناتٍ أخرى تسكن معها ذات الكوكب أو إعادة برمجة الجينات البشرية لصالح خصائص تختلف عما تمتلكه ، فقدان التفوق من خلال التطور لصالحٍ نسخةٍ أقوى منا ، هذا التدمير يأخذ منحى نفسياً متوازياً مع منحاه المادي ، تقول فينتريس مفسرةً ما حدث للبعثات السابقة (هناك تفسيران محتملان : إما أن شيئاً ما قتلهم أو أن الجنون أصابهم فقتلوا بعضهم) ، وهو منحى سيجعل فكرة (الإختيار) على المحك ، هل تم اختيار أفراد الحملة (كما سابقتيها) لأنها شخصياتٌ مدمرة وتعاني ؟ تساؤلٌ علاوةً على أن غارلاند يجعل اجابته أكثر مباشرة مما فعله مع اختيار بطله كايلب لمهمته في Ex Machina فهو أيضاً يجعل البناء الدرامي الذي تقوم عليه الحكاية كلها هشاً ، تبدو غريبةً جداً الطريقة التي تتعاطى معها السلطات أمام ما يجري في الوميض بالرغم من وجوده منذ ثلاثة أعوام ، ويبدو تعامل نساء الحملة مع ما هم مقدمون عليها غريباً وإن كان لا يخفي مسعىً نسوياً (لا يكتمل) عن نساءٍ يتصدين لما عجز عنه الرجال من قبل ، المسعفة آنيا تبدو ذاهبةً في نزهة ، ثم تنهار - انهياراً فائضاً – في نوبة هلع فتقيّد زميلاتها لأنها اعتقدت أنهن يخفين شيئاً بخصوص زوج لينا وكأن كل ما شاهدته في شريط الفيديو وفي هجوم التمساح ثم الدب لم يكن كافياً ليحدث ذلك الأثر.    

بالمقابل يحسب لغارلاند خلق إحساسٍ وهميٍ مماثلٍ لما يعيشه المشاهد في أفلام الغرباء بالرغم من عدم انتماء فيلمه لها ، وهو خلقٌ قائمٌ في معظمه على الصورة من خلال تصميم إنتاج غير معقد ويتجنب الإبهار (وإن بدى كرتونياً في بعض الأحيان) وشريط صوتٍ يتضمن موسيقى بن سالزبري وجيف بارو وتوظيفاً ممتازاً لأصوات الطبيعة والرعد كنايةً عن عملية الخلق والتجدد الدائمة ضمن الوميض ، وأعتقد أن هذا الإحساس يجثم على روح العمل ويبقيه متماسكاً حتى النهاية ومن الصعب الإقتناع – ربما حتى بعد المشاهدة – بفكرة أن كياناً غامضاً كهذا نشأ دون مخلوقاتٍ من بعدٍ آخر بالرغم من أن ذلك هو ما يفترض أنه قد حدث.

أيضاً يمكن اعتبار (الوميض) إستعارةً جيدةً لـ (اللاوعي) ، مجهول وغامض ولا تتذكره وفيه انعكاس ما تحب وحيث أكبر مخاوفك هي نسخةٌ لا تريدها منك ، وهي استعارةٌ كانت لتبدو قالباً ممتازاً لذكريات علاقة لينا بزوجها لكنني مع ذلك وجدتها استعارةً غير مفعلة كما يجب ووحده أداء ناتالي بورتمان ما يبقيها قائمة ، في الخاتمة (الكليشيه البصري للمعان العين) يفتح أليكس غارلاند فيلمه على احتمالية وجود تتمة وإن نفى هو ذلك ، وهي خاتمةٌ بقدر ما تؤكد رواية لينا فهي تشكك فيها أيضاً ، أنثاه – كما حدث في Ex Machina – تخرج من قوقعتها لتندمج ، وربما لتسيطر.

ذكرتني افتتاحية العمل بفيلم جون كاربنتر The Thing وذكرتني خاتمته بفيلم راند رافيتش The Astronaut's Wife ، بينهما وقع أليكس غارلاند في منتصف المسافة بين أهمية ما يطرح وبين تأثير ثلاثةٍ من أعظم الأفلام في تاريخ السينما 2001 و Stalker و Solaris فلم يحقق أكثر من إثارة خيالٍ علمي مليئة بالأفكار مع دراما مبتورة جعلته يقع في مساحةٍ غير مريحة بين النظرة الفلسفية والحدوتة ، وإن كانت أفكاره ومشهديته تجعله مع ذلك عملاً يستحق المشاهدة.

التقييم من 10 : 7