السبت، 28 أبريل 2018

You Were Never Really Here

كتب : عماد العذري

بطولة : واكين فينيكس ، إيكاترينا سامسونوف
إخراج : لين رامزي (2018)

تجربة لين رامزي الرابعة التي عرضتها – كما تقول – كنسخةٍ غير مكتملة في كان العام الماضي هي تجربةٌ منتميةٌ إلى مشروعها السينمائي في تتبع شخصياتٍ مدمّرة تمارس الحياة كفعل قائمٍ بذاته بعيداً عن الغايات والدوافع والآمال ، قد لا تمتلك هذه التجربة الأصالة ، وربما تفقد الإنتماء الحقيقي لإيقاع لين رامزي المعتاد ، لكنها تجربةٌ مهمةٌ تضاف لمسيرة واحدةٍ من أهم صناع السينما في العالم اليوم .

نص لين رامزي الفائز بجائزة أفضل نص في مهرجان كان العام الماضي يقتبس قصةً قصيرةً لجوناثان آيمس حملت الإسم ذاته ، تتمحور الحكاية حول جو ، رجل مهماتٍ خاصة ذو تاريخٍ غامض يتفرّغ للبحث عن الفتيات المختطفات واعادتهن لعائلاتهن أو هكذا يبدو ، توكل له مهمة استعادة نينا ابنة السيناتور آلبرت فوتو من جماعةٍ تدير بيت دعارةٍ للنخبة ، وهي مهمةٌ قد تؤدي إلى قتله وقتل المقربين منه.

بطل رامزي - كالعادة – يعيش إضطراب ما بعد الصدمة أو ما يعرف بالـ PTSD ، شخصٌ عالقٌ في الزمن ، توقفت الحياة لديه عند نقطةٍ معينة أخذت في كل فيلم منطقاً سردياً مختلفاً : كانت منطلق الحدث ومحاولة تفسيره في فيلميها الأولين Ratcatcher و Morvern Callar ثم أصبحت مصبّ السرد ونقطة التقاء قطعه غير المترابطة في فيلمها الثالث We Need to Talk About Kevin ، في هذا الفيلم ستذهب لين رامزي إلى تضييق الخناق على تلك النقطة ملقيةً بمهمة تفسيرها وتبريرها وفهم دوافعها على المتلقي وهي في ذلك منتميةٌ إلى فلسفة روبير بروسون – ملهمها – أكثر مما فعلت في أفلامها السابقة.

السرد هنا قائمٌ على التشظي ، حيث حدثٌ محوري يبدأ في نقطة وينتهي في أخرى لكنه يتفرّع أثناء ذلك بطريقةٍ تجعل (محوريته) أمراً مشكوكاً فيه ، لا تنتمي لين رامزي (تكتب للمرة الأولى منفردة منذ فيلمها الأول) للمفهوم التقليدي للسرد الخطي ، من ناحية لأنها تقدم أفلاماً عن الشخصيات في المقام الأول ومن ناحية أخرى لأنها تتخلى عن الصور النمطية للذروات الهرمية حتى وإن أمكنها ألا تفعل في أفلامها الأربعة ، في أفلامها الأربعة تؤمن رامزي بقوة (الفعل) ، هناك فعلٌ يحرّك كل شيء ويبقي أوتار ما يجري مشدودةً على الشاشة ، كان (الفعل) عنصراً محركاً لما تلاه في افتتاحية فيلميها الأولين ، في فيلميها الثالث والرابع يأخذ الفعل شكل مرآةٍ مكسورة ، أنت ترى في كل قطعةٍ منها شيئاً ، لكنك لا ترى كل شيء ، بطلها جو – كما يبدو من قطع المرآة المكسورة هذه – عاش طفولةً قاسيةً في كنف والدٍ عنيفٍ ووالدةٍ مستكينة ، ثم أصبح جندياً في الجيش الأميركي (في العراق أو أفغانستان كما يبدو) ثم عميلاً في FBI (كما يبدو أيضاً) ، لا تخبرنا رامزي بذلك صراحةً وتكتفي بجعلنا نرسم ماضيه بطريقتنا ، لا تخلو هذه القطع المكسورة من بعدٍ نسويٍ أيضاً لا نستغربه من رامزي : والدة جو هي ضحية عنف والده الذي تحولت مطرقته مكوّرة الرأس إلى سلاح جو المفضل في عملياته ، طفلةٌ على السياج الفاصل تحصل على قطعة حلوى من جندي ثم تقتل بسببها ، وعملية مداهمة يعثر فيها جو على وكر تتكدس فيه فتياتٌ آسيويات فوق بعضهن ، قبل أن يتحول – ربما – إلى العمل لحسابه الخاص في اعادة الفتيات المختفيات الى عائلاتهن ومنهن نينا التي قدمها والدها السيناتور إلى الحاكم ويليامز نظير خدماتٍ لا يقدمها النص وإن كان يمكن للمتلقي تخيلها ، قبل أن تقوم نينا (الأنثى) بانتقامها الذي لم يقم به جو في طفولته ، تقديم (الفعل) في أفلام رامزي السابقة بقي تقليدياً على مستوى الشكل وإن لم يكن كذلك على مستوى الأثر والتبعات ، هنا تسلب رامزي (الفعل) شكله التقليدي وتجعله امتداداً تراكمياً لمخزون الشخصية من تجاربها السابقة وهو تفصيلٌ وإن أعاق الفيلم عن اكتمال اشباعه لكنه في الوقت ذاته أغنى كثيراً حكايةً تقليديةً لا تختلف عن حكايات القصاص والملاك الحارس التي شاهدناها مراراً.

شخصيات رامزي شخصياتٌ مدمرة ، الموت والإنتحار وفقدان الرغبات حاضرٌ في أفلامها الأربعة ، جو يرعى والدته العجوز لكنها تبدو راغبةً بالحياة أكثر منه ، يتقاضى مبالغ كبيرة مقابل مهامه السرية لكنه لا يبدو مهتماً لذلك ، حتى تلك المهمات لا تبدو هدفاً أو قيمةً لذاتها في حياته ، في أفلامها تشكك رامزي في (اختيارية) الفعل عند الإنسان ، شخصياتها لا تفقد الإختيار فحسب بل بطريقةٍ ما تفتقر للخيار أيضاً ، لذلك تتحول الحياة معها إلى (فعل) قائم بذاته وليس قالباً لأفعالٍ أخرى حتى تلك التي تتعلق بأفكارٍ من قبيل (الخلاص) و (التحرر) و (التكفير) ، ربما تختلف شخصية جو عن شخصياتها السابقة في أنها تتعامل مع الصدمة بالصدمة ، تخفف العنف من خلال العنف ، يسأله فوتو قبل تكليفه بالمهمة (يقول ماكليري بأنك عنيف) فيجيب جو (يمكن أن أكون) ، لغة رامزي البصرية في عملها على ذلك التكثيف تتجنب وضع الفيلم في قالب فيلم الإثارة ، في أفلامها الأربعة استخدمت رامزي الفوكس السطحي والكادرات التي تجتزئ الشخصيات لتؤكد أنها تقدم فيلماً عن الشخصيات وأن الحدث الحقيقي هو ذلك الذي يجري داخل الشخصيات وليس حولها ، في هذه الرؤية البصرية يتأرجح الزمان والمكان ، ويحدث انفصال لحظي للشخصية عن الزمن ، في متواليتي العنف في الفيلم تجعل رامزي العنف مجرد حدثٍ لا بد من وجوده فتكتفي بتصويره من خلال كاميرات المراقبة في المتوالية الأولى ، ثم تلجأ لهوايتها المفضلة من خلال اجتزاء الحدث والإكتفاء برؤية آثاره في الجثث المتناثرة في المتوالية الثانية قرب الختام ، رامزي مخلصة لنظرية بروسون في الإضافة من خلال الحذف وأعتقد أن هذا العنصر يخلق شكلاً من الشاعرية في الفيلم كان يمكن للشكل التقليدي للعنف أن يسلبه اياها.

تؤمن رامزي أيضاً بمقولة روبير بروسون (عندما يمكن للصوت أن يستبدل الصورة ، قم بقص الصورة أو تحييدها) ، وأعتقد أن سينما رامزي بالكامل تقوم على خلق الحالة الذهنية للشخصيات من خلال هذا التوظيف ، موسيقى جوني غرينوود تتناوب مع كاميرا توماس تاونند وإضاءته وألوانه ومونتاج جو بيني في تكثيف الحالة الذهنية لجو ، جوني غرينوود مع ذلك – في مساحاتٍ قليلة من عمله - لم يخدم مسعى لين رامزي في تجنيب الفيلم التحوّل إلى عمل إثارة ، منجزه الموسيقي غني المضمون وقوي الشخصية لكنه لا يحرر العمل من فكرة كونه انعكاساً لحالة التشويش والتدمير التي تعيشها شخصية جو كإمتداد لفلسفة رامزي مع شريط الصوت فتصبح الموسيقى في مساحاتٍ معينة وسيلةً لرفع رتم الإثارة ، وأعتقد أن هذا انعكس سلباً – مع تفاصيل أخرى - على ايقاع الفيلم كعمل عن الشخصية وليس عن الحبكة ، في شريط الصوت تستخدم رامزي (الصخب) وتتعمد استخدام مستويات عالية من الأصوات (السيارات والإنذار والإسعاف والمدينة) كترجمةً سمعية لما يجري داخل رأس جو ، وهو تفصيل ذكرني بهندسة الصوت في فيلمٍ آخر قد يقارن به هو فيلم نيكولاس فينديغ رافن Drive ، بنظري هذا الفيلم هو نقيض فيلم رافن : فيلمٌ عن الحالة الذهنية لممارسة الفعل وليس فيلماً عن الفعل وهذا ما عكسته - بفعالية – هندسة الصوت في الفيلمين.

جماليات رامزي البصرية حاضرة وقابلة للتأويل دائماً ، تعشق رامزي النوافذ والستائر ومن خلالها دائماً منفذٌ لفعلٍ ما ، رامزي تحب أيضاً مراقبة شخصياتها تتجول في الطرقات ، تستخدم رامزي أيضاً التكرار البصري (محاولة الانتحار ، فتى يراقب عنف والده ، بطن قدم لفتاة مرمية في الصحراء) ، بالمقابل لا تخدمها تفاصيل أخرى (سردية) كما يجب : تجوال بطلها بسيارته وسط أضواء المدينة تجعله موضع مقارنةٍ – لا يحتاج لإثباتها – مع Taxi Driver ، الإنتقال من ضبابية الفعل إلى وضوحه في فلاشباك الفتاة المقتولة يقلل من أثر الفعل ولا يزيده ، رمي جو للكتاب المقدس في القمامة ، والربط البصري بين مشهدٍ دخيل لفتياتٍ آسيويات الملامح يطلبن منه التقاط صورةٍ لهن وبين مشهد مداهمة وكر الفتيات الآسيويات ، ووضع الشرطي المحتضر يده في يد جو في لحظاته الأخيرة تبدو تفاصيل ساذجة ولا تغني السرد في شيء.

عنصرٌ آخر يجعل أفلام رامزي تكتسبُ جزءاً من أهميتها هو الأداء الذي تستخرجه من ممثليها ، عملت مع ممثلين غير محترفين في فيلمها الأول ، وقدمت إثنين من أفضل أداءات سامانثا مورتون وتيلدا سوينتن في فيلميها الثاني والثالث ، تشظي الفعل في فيلم رامزي محمولٌ في جزءٍ كبيرٍ منه على أداء واكين فينيكس المكرّم بجائزة التمثيل في مهرجان كان العام الماضي ، إحساس فينيكس بالشخصية عالٍ ، جزءٌ من غموض الشخصية في نظري يكمن في غموض فينيكس بالنسبة للمشاهد وهو يستثمر ذلك بفعالية ، أداؤه يحكي ما بين السطور وأعتقد أن رامزي كتبت نصها وهي تنتظر أداءًا كهذا ، فينيكس حقيقيٌ في الدور الى الدرجة التي ستشعر فيها أنه يمثل في الفيلم الخطأ أو أنه مجبرٌ على انهائه وهو ما يفترض تماماً بالشخصية أن تكون.

تجارب رامزي الروائية الطويلة الأربع غنيةٌ بما يكفي ليضعها في مكانتها بين صناع السينما اليوم ، أدرَكَت تماماً من خلال خلفيتها كرسامة ثم كمصورة فوتوغرافية ثم سينماتوغرافية حدود الصورة وما الذي يمكن تضمينه فيها وما الذي لا يمكن وخلقت تجربةً سينمائيةً قائمةً بالكامل على خلق الثقوب وليس ملئها ، الأحاسيس في سينماها ذهنية ، والصورة مجرد اطار ضيق لخلق تلك الأحاسيس ، مجرد منفذ لتسريب المعلومات عن الشخصية ، لكن ما ستشعر به فعلاً تجاها يكون أوسع وأكثر تمدداً مما تراه فعلاً على الشاشة ، لا أستطيع الجزم أي أفلام رامزي هو الاجمل بصرياً لأنها بطريقة ما جعلت كل فيلمٍ من أفلامها منتمياً لشخصيته الرئيسية وترجمةً بصريةً لها.

التقييم من 10: 8