الأحد، 31 مايو 2009

Star Trek

كتب : عماد العذري

بطولة : زاكاري كوينتو , كريس باين , سيمون بيغ , إريك بانا
إخراج : جي جي آبرامز


بعد ستة سلاسل تلفيزيونية و 10 أفلام سينمائية تجد كلاسيكية حروب الفضاء الشهيرة Star Trek مجدها الحقيقي أخيراً على يد جي جي آبرامز , في هذا العمل السينمائي الذي يحمل إسم السلسلة الأم التي إبتدعها جين رودنبيري و حصدت ملايين العشاق في العالم على مدى 43 عاماً منذ ظهورها التلفيزيوني الأول عام 1966 , يتابع الفيلم النشأة و البدايات للكابتن جيمس تي كيرك قائد مركبة الفضاء Enterprise التابعة للإتحاد الأرضي , و طاقمه المحبوب : الملاح بافل تشيكوف , ضابط الإتصالات نيوتا أوهورا , كبير المهندسين سكوتي , قائد الدفة هيكارو سولو , ليونارد ماكوي , مع صديقه العبقري سبوك المنقسم بين نصفه الفولكاني و نصفه البشري , في مواجهة خطط خصمهم الشرير نيرو لإبادة كواكب الإتحاد ..

على مدى أكثر من أربعة عقود لم تتمكن سلسلة Star Trek - بشخصياتها المعروفة و نجومها الذين إستمروا في تقديم تلك الشخصيات لـ 28 عاماً - من نيل إعترافٍ نقدي حقيقي يوسع دائرة معجبيها و يخرجها خارج نطاق أنصار العمل الأصلي لجين رودنبيري بإستثناء مرةٍ واحدة , فيلم The Wrath of Khan عام 1982 , العمل السينمائي الوحيد المقدر بحق في هذه السلسلة السينمائية , الآن بات يمكن لأنصارها ( المعروفين بالـ Trekkies ) أن يتباهوا بنيلٍ عشقهم القديم إعترافاً واسعاً يجعله واحداً من أفضل أفلام هذا العام , و أفضلها بلاءً في شباك التذاكر حتى هذه اللحظة , الفيلم الجديد مزيج ذكي من الحبكة التي تراعي الخطوط الحمراء للسلسلة رغم أنها تفاجيء الكثيرين في محاولتها للنبش في جذور العلاقة التي تشكلت بين الصديقين المقربين جيمس تي كيرك و سبوك , مع كمٍ عالٍ من الترفيه و المغامرة و المؤثرات الخاصة , في بنية متماسكة تبقي مشاهدها مستمتعاً بكل ما يشاهده .

الفيلم كتبه روبيرتو أورسي و أليكس كيرتزمان الذين سبق لهما و تعاونا كثيراً مع جي جي آبرامز , كما كتبا نص فيلم مايكل باي Transformers , في هذا النص يبقي جي جي آبرامز على الخطوط العريضة للحبكة طاغيةً و مؤثرة ( من واقع مفاجئتها للكثيرين ) لكنه يطعمها ( تلافياً لإمتصاص المفاجأة ) بالكثير من الإثارة و الكثير من المتعة البصرية , جي جي آبرامز يبدو واعياً تماماً لفكرة أن أول ما سيجذب عشاق هذه السلسلة لعمله الجديد هو محاولة التأسيس و الذهاب بعيداً في جذور العلاقة طويلة الأمد التي تشكلت بين كيرك و سبوك , فهذا التأسيس بحد ذاته سيكون متعةً كافيةً بالنسبة لهم , تماماً كمن يحاول أن يسرد على مشاهده كيف نشأت العلاقة أول مرة بين فرودو و سام قبل أحداث ثلاثية The Lord of The Rings أو كيف أصبح بوتش كاسيدي صديقاً لساندانس كيد قبل أحداث كلاسيكية بول نيومان و روبرت ريدفورد الشهيرة , آبرامز يتفهم جيداً المتعة في هذا لكنه لا يثق بها وحدها كمحاولةٍ لجذب جمهوره , هو يتفهم تماماً بأن الهدف الرئيسي لعمله هو إستقطاب أنصار السلسلة قبل إرضاء الجمهور العادي , و إقناعك لأنصار السلسلة ( و هم الأصعب إرضاءاً ) يسهل عليك كثيراً المهمة التالية وهي الوصول للجمهور العادي , لكنه يدرك جيداً أن إرضاء الجمهور العادي بعد ذلك بحاجة للكثير من المتعة البصرية و الأبعاد النفسية لقصة كهذه , فيعمل بشكل متوازن جداً على بناء مغامرةٍ جيدة ترضي البصر إلى درجة الإشباع , جي جي آبرامز يبدو في هذا الفيلم قريباً مما فعله كريستوفر نولان في Batman Begins أو جون فافرو في Iron Man أو مارتن كامبل في Casino Royale , هو يؤسس الأرضية الجديدة للسلسلة كما يراها , و يقدم مغامرة بصريةً ممتعة , تاركاً الثقل الرئيسي للعمل و الترقب الحقيقي للنتائج مؤجلاً إلى جزءٍ آخر من السلسلة سينطلق إعتماداً على الأسس الجديدة التي تم ترسيخها هنا ( نجح فيها بقوة كريستوفر نولان في The Dark Knight و لم يستطع ترويضها مارك فورستر في Quantum of Solace و ما زلنا نجهل ما ستحمله الأيام لجون فافرو في Iron Man 2 ) , من هذا المنطلق و بهذا المنظور يمكننا أن نقول أن جي جي آبرامز نجح أعلى نجاح في إعادة إحياء السلسلة الموؤدة و كسب المزيد من العشاق لها و تقديم فيلمٍ ممتاز في محاكمته العقلية و البصرية , فيلم صيف كأفضل ما تكون أفلام الصيف ..

الفيلم يبدأ بإعتراض مركبة شعب الرومولان ( نارادا ) لإحدى مراكب الإتحاد و عقد صفقة مفاوضات تهدف لتسليم سبوك إلى خصمه قائد مركبة العدو نيرو , نيرو يقتل قائد المركبة المفاوض عندما لا يحصل على طلبه , و يقود هجوماً شاملاً على المركبة الإتحادية , مساعد القائد المقتول الضابط جورج كيرك يتولى مهمة قيادة المركبة , و يحاول إلهاء مركبة العدو لتسهيل هروب بقية أفراد المركبة و منهم زوجته الحامل , قبل أن يضحي بحياته من أجل هذا الهدف في اللحظة التي تضع فيها زوجته صغيرهما , جيمس تيبيريوس كيرك , بداية صلبة جداً من جي جي آبرامز في محاولته إلقاء نوعٍ من الثقل على كاهل بطله جيمس تي كيرك الذي نجده بعد قليل مجرد مراهق فاشل يتسلى ببعض الحيل التي يمارسها على من يلتقيهم , أو بقيادة سيارته بسرعةٍ جنونية , أو بقضاء أوقات فراغه في الحانات , باكراً جداً يرينا آبرامز من يكون بطله , و من يكون والده , الرجل الذي كان قائد مركبة إتحادية لعشر دقائق فقط ضحى بحياته من أجل حياة الآلاف من زملاءه , من هذه النقطة أيضاً يأتي الضغط الذي يمارسه النقيب كريستوفر بايك لإستفزاز الفتى من أجل الإنضمام إلى قوات الإتحاد و إثبات نفسه و أهليته بحمل إسم والده البطل جورج كيرك , على الجانب الآخر يوازن جي جي آبرامز من مهمته في محاولة تأسيس شخصية العبقري سبوك , الفتى الذي نشأ مؤمناً بالنظريات و المنطق , مضطهداً من رفاقه و زملاءه بسبب زواج والده الفولكاني من والدته البشرية ( وينونا رايدر في ظهورٍ براق ) , سبوك ( في أداءٍ حزين و قلق من زاكاري كوينتو لم يسبق تقديمه للشخصية بهذه الصورة من قبل ) شخص يحاول ملء الفراغ الذي يعانيه في داخله , يحاول الهرب من هذه الحقيقة التي تبقيه منتقصاً من أبناء جنسه , و ربما يبدو إنخراطه في القوات الإتحادية نوعاً من الهروب , في القوات الإتحادية يلتقي سبوك و كيرك لأول مرة , و اللقاء لا يكون حميمياً إطلاقاً , جلسة محاسبة لجيمس تي كيرك بتهمة تلاعبه في الإختبار النهائية للأكاديمية , الجلسة التي يصر فيها كيرك على كون سبوك مجرد شخصٍ غيور من رجلٍ تمكن من حل معضلاته التي يعتقد بأنها غير قابلةٍ للحل , الوقت لا يكون كافياً لإنهاء هذه المواجهة بسبب الإستغاثة التي تصل إلى الأرض من كوكب فولكان نتيجة مهاجمة الرومولان له , جيمس تي كيرك يعاقب بعدم الإنتساب إلى رجال مركبة Enterprise , لكن صديقه ليونارد ماكوي يساعده في الوصول للمركبة , محاولة أخرى من كتاب النص لإيجاد جذور للصداقة الطويلة التي تشكلت بين كيرك و ماكوي على متن المركبة , و لاحقاً يمكننا أن نتابع بشغف كيف أن العلاقات ستستمر بالتشكل على سطح المركبة وفقاً لحوادث معينة أو ظروفٍ خاصة وحدت أفراد الطاقم ..

في هذه المرحلة من الفيلم سينال أنصار السلسلة متعتهم الأعظم , سيعيشون الرحلة الأولى لمركبة الفضاء Enterprise و طاقمها الذي أحبوه على مدى أربعة عقود , في الرحلة الأولى لم تكن العلاقات التي ألفوها هي ذات العلاقات في حينها , كانوا مجرد مجموعة أشخاص متبايني الأعراق إجتمعوا لخدمة وطنهم و إتحادهم , يحاول النص إبقاء بعض الحواجز بين الشخصيات , و قتل الألفة و الحميمية التي يمكن أن تظهر ( أو تُتخيل ) في هذه المرحلة , و بالمقابل لا يتوانى آبرامز عن خلق حالة توتر حقيقية على سطح المركبة بفعل الإستغاثة التي إستقبلتها من كوكب فولكان ( الكوكب الأم لسبوك ) و في الوقت ذاته يمهد للدماء القيادية التي تسري في عروق كيرك من خلال إصراره على أن ما يحدث هو فخ , هنا يرفع آبرامز إثارته إلى أقصى ذرواتها ليمنح مشاهده المتعة البصرية من جهة , و يحافظ على إيقاع فيلمه ( كفيلم ترفيهي في المقام الأول ) , و يحاول فك بعضٍ من الغموض فيما يخص العلاقة المتوترة بين نيرو و سبوك من خلال إنكار سبوك معرفته بنيرو الذي يقابله بردٍ يبدو مثيراً للغاية ( Not Yet ) , كما يؤسس النص في هذه المرحلة للعلاقة القوية التي جمعت جيمس تي كيرك بفردٍ آخر من طاقمه هو هيكارو سولو قائد الدفة ذو الأصول الأسيوية , مشهد إنزال على سطح مثقاب الرومولان الذي يهدف لثقب أرض الكوكب و الوصول إلى نواته بغية تدميرها , آبرامز يعمد إلى إلغاء تأثير الصوت و يبقي على صوت تنفس أبطاله و يعمد إلى تصوير Live-Action مطعم ببعض الـZoom-in و الـ Zoom-Out تخدمه مؤثرات بصرية مدهشة , قلة تلك المشاهد المثيرة المنفذة بحرفية عالية تجبرك على الإنبهار , آبرامز و كأنما يخبر مشاهديه بأن متعة مغامرات الفضاء قد عادت من جديد ..

في المرحلة التالية وعقب طرد كيرك من مركبة سبوك تبدأ ملامح الصراع بين سبوك و نيرو بالإتضاح , عندما يلتقي كيرك التائه في الجليد بسبوك العجوز القادم من المستقبل , سبوك العجوز يحكي له الحكاية كلها , سبوك في المستقبل تسبب بمقتل عائلة نيرو الأمر الذي ولد حنقاً لا يهدأ و غضباً لا يمكن إطفاؤه في قلب نيرو , نيرو ( الذي يؤديه إريك بانا ) عاد بالزمن 120 عاماً لإفناء سبوك , و كان أول ما فعله هو إعتراض مركبة جورج كيرك باحثاً عن سبوك قبل أن يدمر المركبة مطلع الفيلم , ثم يسافر نحو المستقبل 25 عاماً ليلتقي أخيراً بسبوك الشاب الذي لا يستوعب سر الحقد الذي يحمله نيرو له , نيرو حقق جزءاً من إنتقامه بتدمير فولكان كوكب سبوك و إبادة جنسه البالغ 6 مليارات لم يبق منهم سوى ألفي شخصٍ فقط , سبوك العجوز بات يدرك الآن سبب حقد نيرو عليه , و بالمقابل أصبح يدرك أيضاً أي نوعٍ من الأصدقاء هو جيمس تي كيرك الرجل المنفي الآن بأمرٍ من أوامره , و إن كانت هذه المرحلة من الفيلم تستمد بريقها و ألقها الحقيقيين من ظهور ليونارد نيموي النجم الأسطوري لشخصية سبوك على مدى 28 عاماً و الذي يؤدي هنا دور سبوك العجوز بحميميةٍ وصدقٍ واضحين جعلاه يبدو الشخصية الأكثر إنسنيةً بين شخصيات العمل , إلا أن مرحلة السفر عبر الزمن بحد ذاتها تبدو مهزوزة و غير واضحةٍ أو مفسرةٍ بشكلٍ جيد بالنسبة للمشاهد .

متعة الفيلم على صعيد بناء شخصياته تكمن في الإنقسام الواضح بين فرضيات سبوك و واقع كيرك , الإنقسام الذي نشهده من اللحظة الاولى للقاءهما , عالم سبوك العبقري محدود بحدودٍ واضحة المعالم مصدرها في الواقع الفرضيات و النظريات و المنطق الذي يحكمها , بينما يرى كيرك بأن الحياة أمرٌ آخر , الحياة محكومة بشيء آخر إسمه الواقع , و الواقع على عكس النظريات قابلٌ للتغيير , لذلك يبدو الأمر الذي يفرق بين الرجلين في جوهره كافياً ليجعل من إمكانية إلتقاء أفكارهما أمراً صعباً , لكن عندما يقف الواقع إلى جوار كيرك , يثبت الرجل صحة نظرته لكل الأمور التي تحيط به , و هي الجزئية التي يغذيها الإرث الذي يحمله كيرك من والده , كيرك رجل لا يتوقف عند فرضيات الحياة و مسلماتها , هو يصر على تحكيم عقله وفقاً لواقعه حتى لو تطلب الأمر قلب هذه الفرضيات رأساً على عقب , رجلٌ كهذا هو الأجدر بقيادة Enterprise , عقب الشتات الذي تعرضت له في مغامرتها ..

نقطة الضعف التي أراها جليةً في هذا العمل هو عجزه ( كفيلمٍ يعود إلى البدايات و الجذور ) عن إعطاء مشاهده ( وعلى الأخص أولئك الذين لا يعشقون هذه السلسلة ) صورةً باكرةً عن الأسباب التي تجعل شخصياتٍ كهذه محبوبةً و مألوفةً للمشاهد , ربما هناك نوعٌ من الألفة و المحبة قد تراكمت على مدى السنوات , لكن الفيلم يفشل بشكل واضحٍ في تقديم شخصيات محبوبة بشكلٍ حقيقي يمكنها أن تجعل مغامرات Star Trek شيئاً ممتعاً , الفيلم يكتفي – كما حدث سابقاً مع X-Men – بتقديم مجموعةٍ من الشخصيات المتباينة فكرياً و عرقياً يجمعها هدفٌ واحد و مصيرٌ واحد , دون أن يبث ضمن هذه الشخصيات الروح الحقيقية التي تجعلهم – قبل أن يكونوا مألوفين لبعضهم – مألوفين بالنسبة لنا , لذلك تبدو علاقة سبوك بأوهورا دخيلةً على العمل , و يبدو الترابط الروحي على متن المركبة في أضعف حالاته , ليس من واقع كونها المغامرة الاولى فحسب للمجموعة , لكن أيضاً بسبب عجز النص أصلاً عن إغناء الشخصيات روحياً بما يكفل لجعل صداقتهم المستقبلية ( ربما في جزءٍ آخر ) منطقية ..

تقنياً يتألق تصوير دانيال ماندل ليقدم صورة مختلفة عن أغلب أفلام الفضاء التي إعتدناها , إذا يكتسب العمل ملحميته من تكثيف العمل على الكاميرا المحمولة و العلاقة المتينة التي يؤسسها بين العدسة و ضوء الشمس صانعاً للصورة نوعاً من الهيبة و الجلال قد تختلف بنوعية إضاءتها و بهرجة ألوانها عن أي فيلمٍ فضائي آخر , موسيقى مايكل جياكينو تبدو إستلهاماً للأعمال الموسيقية العظيمة في أفلام المغامرات الخالدة كأفلام القراصنة أو أفلام روبن هود أو حتى سلسلة Star Wars , يبدو جياكينو في الوقت ذاته وفياً للتيمات الموسيقية التي لطالما إعتدنا سماعها أو ربطها عادةً بأفلام الفضاء , في إنجازٍ موسيقي محترم ..

بالمجمل , هذه مغامرةٌ فضائية نابضةٌ بالحيوية , توليفة مميزة من كل الاشياء الجميلة التي يتوق المشاهد لرؤيتها في فيلمٍ عن الفضاء , الحبكة المثيرة , التأسيس الجيد , المتعة البصرية , و المغامرة التي تحبس الأنفاس , و الإنقلابات النفسية التي يعيشها الأبطال في مهمتهم , و الكثير و الكثير من الترفيه ..

التقييم من 10 : 8.5

0 تعليقات:

إرسال تعليق